أهمية وجدوى كبيرتان، ينتظر أن تتأتيان وتختمران في صيغ نتائج مؤثرة، في المرحلة المقبلة، إثر الموافقة على مشروع «قانون اللغة العربية»، في ختام مؤتمر المجلس الدولي للغة العربية، في دبي اخيرا، تحت العنوان: «اللغة العربية في خطر الجميع شركاء في حمايتها ». وكان لافتا في الصدد، تركز النقاشات حول القانون، في هذا المؤتمر الذي نظم بالتعاون مع منظمة اليونسكو واتحاد الجامعات العربية ومكتب التربية العربي لدول الخليج وعدد من الجهات الدولية، على دور القرار السياسي في تعزيز حضور اللغة العربية.

"بيان الكتب"، يستكشف في لقاءاته مع متخصصين في الحقل، ضمن جامعات عربية وأوروبية عديدة، طبيعة الفائدة المنتظر تحقيقها بفضل هذا القانون، مضيئا على الدور الذي يلعبه التعريب في خدمة اللغة العربية. إذ شدد هؤلاء، على أن اللغة ليست وسيلة التعبير ولكنها أداة تفكير.

مشيرين إلى أن الانسان عندما يفكر، فإنما يفكر باللغة الأم، مبينين أن القرار في هذا الصدد، يعتمد بشكل أساس على القوانين والتشريعات في أي بلد عربي، ذلك خاصة وأنه استهدف تنسيق جميع الجهود المخلصة في خدمة اللغة العربية وإبرازها، واستنهاض الهمم وحثّ الأفراد والمؤسسات الحكومية والأهلية والوطنية والعربية والدولية، لتحقيق التواصل والتكامل وتبادل الخبرات وتشكيل العلاقات والشراكات، لدعم جميع الجهود الرامية إلى تطبيق اللغة العربية السليمة، وفرضها رسميا ومدنيا، على المستويات المحلية والاقليمية والعربية والدولية.

يؤكد الدكتور عبدالله التطاوي، نائب رئيس جامعة القاهرة، اننا في حاجة ماسة إلى إعادة حساباتنا بالنسبة للغة العربية، غاية تشخيص التردي الذي يفقدها هويتها ويؤثر على تاريخ الأمة. ويضيف: " يتعلق الأمر الثاني، في السياق، بضرورة الوصول إلى حلول علمية، قابلة للتطبيق على أرض الواقع العربي، على غرار: مشروع معمل اللغة العربية، هندسة اللغة، إعادة تشكيل وجدان شباب الأمة. ذلك من خلال دراسة قواعد النحو والبلاغة عبر النصوص الأدبية المشرقة، إلى جانب ضرورة دراسة تاريخ العلم العربي، ومشروع قناة تلفزيونية ثقافية عربية تتبنى قضايا اللغة ومشكلاتها. و

كذا مراجعة الوثائق القومية المتطورة، لإعداد مناهج معاصرة تصلح لدراسة اللغة في عصر الثورة المعرفية الضخمة، وثورة العلم المتراكمة. وترسم خطى المستقبل للأجيال في أمتنا العربية، في ظل مفاهيم ورؤى واضحة حول قدرة هذه اللغة على:

إنتاج العلم، المشاركة في عالم المعرفة، توطين التكنولوجيا وتعريب المعرفة، إضاءة الطريق أمام المؤسسات التربوية والشبابية والثقافية والإعلامية لكي تنهض بمسؤولياتها تجاه إعداد الأجيال القادمة( عقلياً ووجدانياً)- بما يدعم قدرتها وحصانتها في مواجهة العولمة الثقافية-، التي تبغي تهميش الهويات الوطنية ومسح ذاكرة الأمم والتلاعب بتاريخ الشعوب ومقدراتها. وهو ما يحتاج الى مثل هذه الوقفة العلمية، للمراجعة الدقيقة ورسم خطى المستقبل بوجهة مثالية لما يجب ان تكون عليه الحال في خدمة أبناء العربية".

المشاركة الفعلية

يشدد الدكتور حسن بدوي، أستاذ مشارك الحضارة العربية البيزنطية جامعة أرسطو اليونان، على أنه لا يوجد تعريب، حاليا، وإنما «تهريب»، ذلك ان لم يكن هناك جديد، في تصوره، فلا تجديد في الأفكار ولا في قبولنا من الآخر، فالجديد والجدية وجهان لعملة واحدة، عملة التقدم.

ويتابع بدوي: "التعريب (تهريب) وربما ( تخريب)، لان مفهوم التعريب يستعمل في إطار ضيق، ليغذي الاعتماد على جديد الآخرين. وهذا يقلل من امكانية المشاركة الفعلية في الإنتاج، سواء فكرياً، او ايدولوجيا او في الاطار المادي للحضارة" الصناعي"، ونجد ان غالبية الجامعيين والباحثين في العالم العربي، أنهوا دراساتهم في الجامعات الفرنسية بالذات.

وبالتالي كان لديهم فرصة ذهبية لمعاينة اسلوب التفكير الغربي المجدد والمحدد، وصياغته باللغة الأم «العربية»، مضافا إليه ما تعطيه قريحة كل منهم. وهذه التجربة جاءت بعد التعريب العربي الإسلامي في القرنين السابع والثامن الميلاديين، عندما عاشت وتعايشت اللغة العربية مع اليونانية، في الألفاظ والافكار والنظم والعادات والتقاليد والبعد الحضاري والآمال والطموحات ايضاً..

حتى ذلك الحين، تمكنت العربية وتقوت، عن طريق سياسة الخلافة التي استندت الى بعد استراتيجي للمستقبل، بنته على الجهد الانساني : الباحث الذي منحته فرص حياة كريمة حتى يتفرغ ويكرس كل امكاناته الذهنية والروحية من أجل خدمة المجتمع، بإعادة تشكيل العربية من لغة كانت حتى ظهور الاسلام تشكل خليط لهجات قبلية، تعبر عن بيئة اجتماعية ضحية: بيئة طبيعية قاسية، إلى لغة عالمية تمكنت وفي أقرب فرصة قياساً بسرعة الفتوحات الإسلامية، من ان تمتص كل اللغات ".

مهم .. ولكن

يبين الدكتور حسن بدوي ان التعريب مهم بالنسبة لنا، حاليا، لأنه لا يمكن تجاهل تجارب وانجازات الآخر الذي يعايشنا في الزمان والمكان نفسييما، والتعريب يعد قناة وصل بيننا وبين الآخر، فكلما قلت المسافة مُهد السبيل لمستقبل أفضل عبر جسور السلام، لأن المسافة بيننا وبين الآخر مليئة بالخوف والجهل بالآخر، الأمر الذي لا يساعدني ولا يساعد الآخر على تحريك الديناميكية لي أو له.

كما يشير إلى أن التعريب عامل مهم للتخلص من سلبيات الخوف ونتائجه، نتيجة الجهل بالآخر. ففي الحقيقة فإن الآخر، ما هو إلا انعكاس لي شخصياً على مستوى فرد أو جماعة أو أمة. وكلما عرفت الآخر، زادت معرفتي بي أنا شخصيا، لأنه يخلصني من سلبيات مشاعر الجهل والخوف من الآخر، ويمنحني فرصة أكبر للاستفادة من الإمكانات في التفكير والبحث، بدلاً من تجاهله. ولذا فإن التعريب، برأيه، ليس ضرورة قومية فقط، بل ضرورة إنسانية لإزالة الحواجز الوهمية الموجودة في ذهن الإنسان، وليس في الحقيقة.

تلاقح وضرورات

يطرح الدكتور محمد سعيد، استاذ تعليم عالٍ في تونس، إشكالية علمية مهمة في المجال:

"يعتقد الإخوة في المشرق أن بلاد المغرب هي أكثر تأثراً باللغات الاجنبية، لاسيما الفرنسية منها. ويعتبرون ان ذلك يمثل خطراً.

وفي واقع الحال، فإن اللغة العربية، لم تكن يوماً في خطر.ففي الفترة الاستعمارية بقيت اللغة العربية حية، بل اكتسبت حيوية أكبر. وقبل الاستعمار الفرنسي لم يكن هناك تعليم سوى من بعض الزوايا والمساجد، قليلة الأثر على مجمل المجتمع. وحين وسّع الفرنسيون التعليم «وذلك جزء من ما كانوا يعتبرونه اشعاعاً لهم»، لم يستثنوا اللغة العربية، إنما سعوا إلى تأسيس تعليم يسمى: فرنسي - عربي:

( France Arabic ). وفي كل المدارس ضمن القرى، أدمجت الكتاتيب في المدرسة. أما في القرى التي لم تكن فيها اصلاً، كتاتيب، فانتدب لها معلم للغة العربية. ومع هذا، هيمنت الفرنسية لأسباب أخرى، تتمثل في ان كل التقنيات وفعاليات العالم الحديث «النقل، الطب، الملاحة، التقنية»، كانت بطبيعة الحال باللغة فرنسية.. وهنا أود ان أؤكد على موضوع مهم بخصوص الترجمة، جوهره السؤال التالي: كيف يمكن تحقيق الترجمة مع الانقطاع عن اللغات الأخرى؟

إن هذا مستحيل فعليا".

لغة أصيلة

 يقول الدكتور محمد سعيد : "لم يكن بإمكان الشعوب ان تنتظر المجامع اللغوية، بل أخذت بالكلمات التي لا تجد لها مرادفات في العربية، مثل قولها:( ترينوا عوضا عن قطار. أو كورنيش عوضاً عن طريق محاذ للبحر). لكن، لا ننسى أن الشعب واصل التحدث بلغته الأصلية، التي هي العربية، بشكل طبيعي. وفقط القطاع العلمي الواسع، اصبح يتحدث الفرنسية. وحين جاء الاستقلال. فهمت النخبة السياسية ان تخليها على الفرنسية سيفقدها علاقتها مع العلم الحديث. لذلك، تواصل تعليم الفرنسية من الابتدائي والإعدادي والجامعة.

وهذا القرار يوصلنا الى القسم الثاني من هذا الرأي. إذ يظن البعض أن بقاء الفرنسية لدينا بهذا الزخم، ضعف. إلا أن العكس هو الصحيح. فتطور اللغة باحتكاكها بلغات اخرى دوما. ولذا تطورت العربية في المغرب، ذاك نظراً لتلاقحها واصطدامها بالفرنسية، حيث نشأت فيها حاجة إلى توليد مصطلحات جديدة. والواقع، ان الإخوة في مشرق الوطن العربي، أنفسهم، يشعرون اليوم ان اللغة المغاربية، أكثر متانة ودقة.

اهتمام نوعي

 يوضح الدكتور حسن بدوي، طبيعة التعاون اليوناني، حاليا، في إحياء تراث الأقدمين للترجمات بين الطرفين.. "نجد، في الوقت الحالي، اهتماما حكوميا يونانيا بالدراسات العربية والإسلامية في اليونان، ذلك بعد غياب طويل. ومنذ التسعينيات في القرن ال20 بدأ هذا الاهتمام، وهناك استجابة كبيرة ليس فقط من ناحية الطلاب، لكن أيضاً من الفئات المختلفة للشعب اليوناني، لأسباب كثيرة.

كما نجد التعاون بين اليونانيين الذين يعيشون او عاشوا في مصر، ذلك اما حنينا الى مصر أو الى الفترة التي كانت فيها دائماً، بلدهم الثاني، ذاك منذ عصر الحضارة الميناوية «الكريتيه»، وحتى الآونة الأخيرة.

وكذا إما لأنها تمنحهم فرص عمل، سواء في الدول العربية مباشرة، أو عن طريق شركات غربية. أو أيضا، لأسباب علمية، في إطار الدراسات العليا المقارنة، نظراً للعمق التاريخي والحضاري بين العربية واليونانية. وبالتالي بين العرب واليونان. ولا يستطيع أحد أن ينكر، أن مصادر التاريخ العربي والإسلامي لا تزال حافظة للعديد من أجزاء مهمة للحضارة اليونانية".

«جامعة أرسطو» تنتصر للعربية.. لكن الدعم غائب

 يستعرض الدكتور حسن بدوي، طبيعة الاهتمام الحكومي، أخيرا، في اليونان، باللغة العربية، لافتا الى الاعتناء بالدراسات العربية والإسلامية منذ التسعينيات في القرن الـ20. ووجود استجابة كبيرة، ليس فقط من ناحية الطلاب، ولكن أيضاً من الفئات المختلفة في المجتمع. ويوضح بدوي، أنه انه في السادس والعشرين من شهر ابريل الماضي، أصدر مجلس كلية الفلسفة ومجلس جامعة أرسطو، قرارا رسميا، يقضي بإنشاء قسمين مستقلين ومتكاملين للدراسات العربية، في كلية الفلسفة والدراسات الإسلامية ضمن كلية اللاهوت.

ويضيف :" نأمل من الجهات المعنية الحكومية والخاصة في العالم العربي، أن تعطي أهمية لهذا القرار من جامعة أرسطو، خاصة انه ياتي في ظل أزمة مالية طاحنة تعيشها اليونان. فلا بد من مد يد العون للتعجيل في بدء العمل بهذين القسمين، والانتباه الى أن القرار ذاك في هذه اللحظة التاريخية، سواء لليونان أو للغة العربية، سيعطي الفرصة الذهبية لفتح مجالات دعم وتدويل العربية.

وعلى مستوى أكاديمي. وفي الوقت نفسه، سيوفر فرصا نوعية لمسلمي اليونان لتعلم لغة القرآن الكريم والتثقف في حقول التربية الإسلامية، لتتمكن من إعادة تنوير العقل المسلم اليوناني.. وهذا بديل عن العزلة، وفي كل أشكاله وابعاده، التصاق بالماضي وفق منحى وتوجه العودة إلى الغلبة الفكرية ومفهوم الانا العقلي الذي لا يسمح بالوحدة .. وهذا يساعدنا على اجتياز أنفسنا. ويؤدي إلى التفرع الذهني والروحاني التلقائي".