لا يقتصر دور المطابع المصرية، حال نظيراتها في العالم أجمع، على كونها مجرد آلات صماء، تُعنى بطبع الأحبار وسكبها على الورق. فهي أداة تنويرية تسهم في نشر الثقافة، وتتكامل في حبكة حضارية، تمثل معها مرجعاً تاريخياً وعنواناً لمد جسور التواصل بين شعوب العالم. إذ إنها تحفظ قصصاً وأحداثاً وثقافات، كثيرة ومتنوعة. وجسدت، بحق، كما يؤكد كثيرون، جناحي مصر اللذين أمداها بقدرة التحليق إلى فضاءات التنوير ومجاراة النهضة الحضارية والحداثة.
لا جدال في أن مطابع مصر، لعبت دوراً جوهرياً في تأسيس قاعدة نهوض فكري وحضاري واجتماعي نوعي. إذ صاغت مساقات إنهاض نوعي، واستمرت حافظاً لتاريخ النهضة، ذاك كسجل باقٍ لا تمحي أسطره الأيام، بفضل ما أفرزته من منعكسات وفوائد. فهي أمدت الناس بقدرات مذهلة على نشر الثقافة وتعميم الفكر المتنور.
ذلك بعد حقب كثيرة من الاستطاعة المحدودة في الحقل. فطالما كانت الوسيلة الوحيدة لدى البشر، في تدوين يومياتهم وحيثيات تاريخهم وعلومهم وتفاصيل اخبارهم وإبداعاتهم، قبل اختراع الطباعة، محصورة في الطرق اليدوية، وعبر استخدام المواد البدائية. وهكذا كتب المصريون، قديماً، على أوراق البردي وعلى الحجارة والجدران.
كذلك استخدم الصينيون الحروف المصنوعة من الخشب والخزف. وكان حفظها يحتاج جهوداً مضنية، مع احتمال النجاح في هذا أو لا، حيث يمكن أن يذهب كل مجهودٍ بُذل في كتابتها، أدراج الرياح. وكانت هذه الطريقة البدائية السبب في خسارة العالم فرصة الاطلاع على تاريخ الكثير من الأمم وعلى أخبارهم، وعلى ما توصلوا إليه من نجاح علمي وثقافي.
الحملة الفرنسية على مصر
كان للحملة الفرنسية على مصر، تأثيرات كثيرة على الحياة الفكرية والاجتماعية العامة. ومن بين أبرزها، نشوء المطابع، وإسهامها النوعي في انتشار المؤلفات والمطبوعات بأشكالها، ومن ثم شروع الناس في استثمارها بشكل واسع.
وطبعاً، كان الفرنسيون استقدموا معهم إلى مصر مطبعة في صيغتها البدائية. إذ كانت راجت المطابع في أوروبا حينذاك، عقب أن كان قد تمكن الألماني يوحنا غوتنبرغ، في عام 1456 في ألمانيا، من صنع حروف الطباعة من المعدن، بعد أن ظلّت تصنع من الخشب والخزف في الصين. وهكذا نجح غوتنبرغ آنذاك، في جعل حروف الطباعة من اللغة اللاتينية. كما طبع الكتاب المقدس في ست سنوات تقريباً، وهو أول كتاب مطبوع في التاريخ. وانتشر هذا الاختراع في العديد من الدول الأوروبية، مثل: فرنسا، سويسرا، ايطاليا، هولندا.
وفي غيرها من البلدان الأوروبية. بينما تأخر ظهور آلة الطباعة في العالم العربي عن ذلك التاريخ، حوالي القرنين من الزمان، إلى أن ظهرت الطباعة في بعض الدول العربية، على يد البعثات التبشيرية الكاثوليكية الفرنسية في أوائل القرن الثامن عشر. وكان معظمهما موجوداً في الأديرة والكنائس.
أول بلد عربي عرف الطباعة لبنان، بينما ظهرت الطباعة في مصر مع مجيء الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت عام 1798، إذ أدرك نابليون أهمية استخدام الدعاية في استمالة المصريين إليه، فكانت آلات الطباعة جزءاً أساسياً في حملته، وكانت مزودة بحروف اللغات: العربية، التركية، الفرنسية، اليونانية. وعرفت المطبعة ثلاثة أسماء مختلفة، منذ إبحارها من فرنسا، وحتى استقرارها في القاهرة. وهي: مطبعة الجيش البحرية، المطبعة الشرقية الفرنسية، المطبعة الأهلية.
كان أول عمل مطبوع في مصر، الطبعة الثانية لبيان الحملة الفرنسية، مكتوباً باللغة العربية. وطبعت آلات طباعة الحملة أثناء وجودها في مصر، مجموعات مطبوعات ومؤلفات تتمثل في :
1. "الحروف العربية والتركية والفارسية التي تستعملها المطبعة الشرقية الفرنسية"، تأليف يوحنا يوسف مارسيل( في 16 صفحة من الحجم الصغير).
2. تمارين في المطالعة العربية، تأليف الكاتب نفسه: مارسيل (في 12 صفحة من الحجم الصغير).
3. جريدة سياسية فرنسية في أربع صفحات (كانت تتصدر كل خمسة أيام).
4. بيان الأحداث التي وقعت في أوروبا، أثناء الأشهر الأربعة الأولى للحملة بالفرنسية.
5. صحيفة العشرية المصرية، وهي صحيفة للآداب والاقتصاد السياسي (كانت تصدر كل عشرة أيام).
6. المنشورات والأوامر العسكرية وأمثال لقمان الحكيم، وبعض رسائل في النصائح الطبية.
المطبعة الأميرية
عادت المطابع الموجودة في مصر، آنذاك، ومع خروج الحملة الفرنسية منها عام 1801، إلى فرنسا. وبذا ظلت الطباعة غائبة عن المجتمع المصري قرابة الـ 20 عاماً، حتى أدرك محمد علي باشا والي مصر، حينها، أهمية إنشاء مطبعة تنقل مصر إلى عصر النهضة الثقافية والعلمية، ليرسي بذلك، القواعد الأساسية للدولة الحديثة التي أراد بناءها. وحملت المطبعة التي أسسها، اسم المطبعة الأهلية. ثم سميت، عقب نقلها إلى ضفاف النيل، مطبعة بولاق. وكذلك عرفت بدار الطباعة الخديوية. أما حالياً، فتعرف بـ: المطبعة الأميرية.
جاء إنشاء المطبعة في مرحلة مهمة وفاصلة في التاريخ المصري، ذلك في عام 1820، وافتتحها محمد علي باشا بنفسه في العام التالي: 1821. فأصبحت أول مطبعة رسمية تنشأ على أرض مصر. وكان الهدف منها في البداية، خدمة المشروع الحربي لمحمد علي؛ لتكون متخصصة في طبع الكتب العسكرية التي يحتاجها الجيش.
وكان أول عمل مطبوع لهذه المطبعة، في عام 1822، وهو قاموس إيطالي - عربي. وعبر هذه المطبعة، احيت الكتب القديمة وطبعت بتوسع. كما صدرت بفضل وجودها، جريدة الحكومة الرسمية: الوقائع المصرية، وجرى نشر البيانات والمقررات والاوامر الحكومية المتنوعة.
أدركت حكومة الثورة في مصر بعد يوليو 1952، أهمية المطبعة الأميرية، ففي عهد الرئيس جمال عبدالناصر صدر عام 1956 قرار بإنشاء هيئة عامة للمطابع، تلحق بوزارة الصناعة، يُطلق عليها: الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية. ومن ثم أقيم مبنى جديد للهيئة في منطقة إمبابة.
وفي عام 2001، أطلقت أحدث وحدة تجهيزات فنية في مصر مواكبة للتطور التكنولوجي، تشتمل على نظام متكامل لأعمال التصميم، وإدخال البيانات والصور وفصل الألوان وإنتاج الأفلام والألواح الطباعية ، ويوجد في الهيئة 48 ماكينة طباعة أوفست، منها 9 ماكينات من نوع ويب أوفست.
«الإدارة العامة»
أسست مطابع الهيئة العامة للكتاب، بموجب قرار وزير الثقافة رقم 189 بتاريخ 30 يونيو 1969، الذي أجاز تبعية مطابع الساحل والمبيضة في شركة دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، إلى المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر؛ لتكون وحدة الطباعة في المؤسسة. وتسهم في تلبية الاحتياجات الأخرى لوزارة الثقافة.
وفي عام 1971، وبموجب القرار رقم 2826، الخاص بإنشاء الهيئة المصرية العامة للكتاب، وجرى إدماج دار الكتب والوثائق القومية في مؤسسة التأليف والنشر، وانضمت مطبعة دار الكتب إلى مطبعة المؤسسة؛ لتصبح الإدارة العامة للمطابع.
وتعمل المطابع على تنفيذ خطة النشر الخاصة بالهيئة، وكذا تحرص على إدخال نظم الطباعة الحديثة من خلال استيراد أحدث آلات الطباعة المتطورة. ويعتمد العمل في المطابع، على نظامي التيبو والأوفست. كما تتولى المطابع جميع مهام وعمليات الجمع: (جمع تصويري ) - كمبيوتر - لينفوتو - جمع آلي حرفي ( مونوتيب )، بالإضافة إلى الجمع اليدوي الذي يخصص للكتب ذات الطابع الخاص، والتي لا تتوافر أشكالها في أنواع الجمع الآلي السطري ( لينوتيب - انترتيب).
وتعنى المطابع تلك في طباعة الكتب بأسعار تتناسب مع الجميع. إذ تمتلك عدداً من آلات الطباعة (التيبو)، التي تقوم بطبع جميع السلاسل والكتب البسيطة، غير المحتوية على أعمال فنية دقيقة، ثم تنفيذ كافة أعمال التجليد.
تنوع وأدوار
تتوافر بمصر مجموعة كبيرة مهمة، من المطابع ودور النشر. ويؤدي جميعها، أدواراً حيوية في نشر الفكر وتعميم الثقافة المجتمعية، ومن بينها "دار التحرير"، التي أنشئت بعد قيام ثورة يوليو 1952، تحديداً في شهر أغسطس 1953؛ لتصبح مؤسسة إعلامية تابعة للدولة. إذ تصدر: جريدة الجمهورية، مجلة عقيدتي، حريتي والكورة والملاعب.
وهناك مطبعة قصر النور، ذات الطبيعة الخاصة. فهي من أقدم المطابع العربية التي اهتمت بنشر العلم والمعرفة للمكفوفين، من خلال طباعة الكتب بالخط النقطي البارز "طريقة برايل". كما انها تطبع نسخ المصحف الشريف (برواية حفص عن عاصم)، بطريقة برايل للمكفوفين، ذلك في داخل مصر وخارجها.
وحاول القائمون على هذه المطبعة، التيسير على المكفوفين عند قراءة القرآن الكريم، حيث يكتب المصحف بالخط الإملائي المعروف للجميع، مستندين إلى إقرار لجنة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في القاهرة هذه الطريقة.
الكتب الإلكترونية
يرى الدكتور سليمان صالح، أستاذ الصحافة في كلية الإعلام، أن الطباعة تطورت بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة، بشكل كان لا يمكن ليوحنا غوتنبرج، مخترع الطباعة عام 1956، نفسه، أن يتصوره. ويضيف:" قفزات تطويرية مهمة، حدثت في هذا المجال. فأصبحنا نستعين بالأقمار الاصطناعية في نقل الصفحات من بلد إلى بلد.
لتُطبع في مكان آخر. ذلك بالإضافة إلى الاستعانة بأجهزة الكمبيوتر. وهو ما أتاح تهيؤ إمكاناتٍ كبيرةٍ للصحافة. ما أمدها بقدرات الارتقاء تقنياً من ناحية الشكل. كما زادت من إمكانية إنتاج عدد كبير من النسخ؛ لتغطي أماكن بعيدة.
وهكذا فإننا فلا نستطيع أن ننكر فضل تطور الطباعة وتأثيرها الهائل على الصحافة. ولكن المشكلة تكمن في أن الصحافة لم تطور وظيفتها من حيث تحسين جودة المضمون الذي يقدم للجمهور. ولذا فإنها لم تستطع أن تصمد أمام القنوات الفضائية ومواقع الانترنت".
ويؤكد سليمان أن التحدي القادم يرتبط بنقطة تطوير مضمون الصحف؛ غاية جذب القراء، لتشكل وتؤسس شيئاً جديداً لا تقدمه القنوات الفضائية التي تتميز بالآنية، مشيراً إلى أن التقدم في عالم الطباعة وصل إلى أعلى المراحل التي يمكن أن نتخيلها.
ويوضح صالح مدى تأثير تطور الطباعة على صناعة الثقافة: " رغم التحسين النوعي في الطباعة، على صعيد العالم، لكننا نجد أن عدد الكتب المُباعة في تناقص مستمر. إذ تحولت الكتب المطبوعة إلى كتب الكترونية.. واعتقد ان التحول إلى هذه الصيغة الأخيرة، ليس إيجابياً، فالكتاب المطبوع هو مصدر أساسي للمعرفة، لا يمكن الاستعاضة عنه بالكتاب الالكتروني؛ كون الورقي يعطي فرصة أكبر للتعمق في القراءة والتحليل؛ لذلك لابد من تشجيع الشباب على العودة إلى قراءة الكتاب المطبوع.
طفرة
يشدد الناقد الأدبي الدكتور محمد حماسة، على أن تطور الطباعة أحدث طفرة في عالم صناعة الثقافة وخاصة صناعة الكتاب. فالكتاب، شأنه شأن باقي السلع، يحتاج إلى تسويق جيد، وأحد أهم عناصر التسويق هو الطباعة الجيدة التي تجذب عين القارئ، بدءاً من شكل الغلاف ونوعية الورق المطبوع عليها والشكل الداخلي للكتاب.
ويلفت حماسة إلى أن عدم اهتمام المؤسسات الثقافية التابعة للدولة بهذه الجزئية،أمر يؤثر بالسلب على شكل الكتاب، ويؤدي، بالتالي،إلى نفور القارئ وتحوله عن الكتاب أو المجلة الثقافية.
مواكبة عصرية لأبجديات التحسين
تُعد مطابع الأهرام الصحافية في مصر، الموجودة في مبنى الجلاء، الأبرز والأهم. إذ تستخدم أحدث تكنولوجيا طباعة الأوفست، على غرار المطابع الصحافية الموجودة في محافظة 6 أكتوبر. وتهتم المطابع الخاصة في مؤسسة الأهرام، بطباعة الكتب في المجالات المختلفة. ومن مساقات نشاطاتها، طباعتها المصحف الشريف. إضافة إلى نشر كتب دينية متنوعة وأخرى سياسية شاملة، من دون إغفال المؤلفات المتخصصة في شؤون الأدب والثقافة. وتتبدى ميزة مهمة لدى هذه المطابع.
مرحلة فاصلة هدمت الاحتكار الفكري
أسهم انتشار الطباعة في ربوع مصر، عقب انشاء مطبعة بولاق في عام 1820، التي افتتحها محمد علي باشا بنفسه، في العام التالي: 1821، في القضاء على الاحتكار الفكري الذي كان سائداً لفترات طويلة. وذلك بفضل انتشار الكتب المطبوعة وتعميم الثقافة، ومن ثم قدرة أفراد المجتمع، بانتماءاتهم الطبقية المتنوعة، على التحصيل الثقافي والفكري.
وهكذا، فظهرت فئة جديدة في المجتمع المصري على قدر من الوعي والثقافة، فكان من نتاج الأمر أن تخلخلت أسوار وحصون احتكار الطبقة التي اقتصر عليها العلم لسنوات طويلة. وكذا أصبحت المطبعة بمثابة القاعدة الرئيسة، أو القاعدة المفتاح، التي أهلت مصر لولوج رياض ومروج التقدم الحضاري؛ لتكون متخصصة في طبع الكتب العسكرية التي يحتاجها الجيش.
وكان أول عمل مطبوع لهذه المطبعة، في عام 1822، قاموس إيطالي - عربي. وعبر هذه المطبعة، احيت الكتب القديمة وطبعت بتوسع. كما صدرت بفضل وجودها، جريدة الحكومة الرسمية: الوقائع المصرية، وجرى نشر البيانات والمقررات والأوامر الحكومية المتنوعة.



