لم يكن المبنى القديم للمكتبة الوطنية الفرنسية، في منطقة روشيليو في قلب باريس، كافياً لاستيعاب الكتب والمخطوطات القادمة إليها. لذلك عمد الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران الى اختيار مكان أكثر اتساعاً، يطل على نهر السين في الدائرة الثالثة عشرة لباريس. وبدأت الأشغال فيه عام 1990. ومن ثم في الثالث من يناير عام 1994، صدر أمر إنشاء مكتبة فرنسا الوطنية، التي ضمت المكتبة الوطنية القديمة ومكتبة فرنسا، وذلك تحت مسمى جديد : مكتبة فرنسا الوطنية .. ميتران.
اختار التصميم الذي فاز في المسابقة التي اقيمت من أجل انشاء المكتبة، الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، بنفسه، عام1989. وهو عبارة عن أربعة أبراج زجاجية، مخصصة لحفظ المواد العلمية والكتب. وتوجد معها غرف للقراءة في قاعة المطالعة ضمن الأبراج الأربعة. وتتوضع في الوسط، غابة مغلقة من أشجار الصنوبر.
وكان المهندس المعماري دومينيك بيرول الذي صمم المكتبة( وعمره36 عاما آنذاك)،قد وقع في خطأ. إذ ليس لديه الخبرة الكافية لتصميم المكتبات، حينها، فبعد أن انتهي من التصميم ذاك، أخبره المسؤولون أن تخزين الكتب في أبراج زجاجية، سيجعلها دائما، معرضة للضوء والشمس، ما سيؤدي حتما إلى تلفها. وعقب أن اكتشف بيرول خطورة هذه المشكلة، قرر وضع ستائر سميكة من الخشب لحماية الكتب. وهذا الحل افقد الأبراج الزجاجية شفافيتها، وحولها إلى أبراج عالية بنية اللون وقبيحة الشكل.
سبعة قرون من التاريخ
لو عدنا إلى التاريخ، نرى أن إنشاء المكتبات يعود إلى الملك شارل الخامس. إذ أسس في اللوفر مكتبته الخاصة عام 1368، وكانت تحوي 917 مخطوطا، غير ان مثل هذه المكتبة كادت تندثر بعد رحيل صاحبها. أما المؤسس الفعلي للمكتبة الوطنية فهو الملك لويس الحادي عشر، الذي حكم في ما بين عامي 1461 و1483.
وهكذا فإن الرصيد والعمر الفعليين لهذه المكتبة يعودان إلى تلك الفترة. وكان ذلك بعد دمج مكتبات ملكية قائمة، خاصة في القرن السادس عشر. وفي عام 1537 صدر مرسوم ملكي يقضي بأن يودع الطابعون والكتبيون، نسخة من أي كتاب يباع في المملكة ( المملكة الفرنسية آنذاك)، وهو ما يعرف حاليا بالإيداع القانوني أو الإيداع الشرعي. الامر الذي شكل منعرجا في تاريخ المكتبة وأسهم في تنمية رصيدها.
وفي عهد هنري الرابع، تحولت المكتبة إلى مقر في باريس، واستقرت تحديدا في كلية كلير مونت. وفي عام 1622 قسمت إلى جزأين، أحدهما للمخطوطات والثاني للكتب. ونشرت فهرسا في عشرة مجلدات مرتبة ترتيبا هجائيا، وفي أربعة أخرى، مرتبة حسب رؤوس الموضوعات. وقامت الثورة الفرنسية، بتغيير اسمها من المكتبة الملكية، إلى المكتبة الوطنية. وأضيفت إليها آلاف المجلدات.
الحروب والمكتبة
تطورت هذه المكتبة بشكل لافت، في أثناء الحرب العالمية الأولى. وأصبح عدد مقتنياتها، خمسة ملايين مجلد مطبوع. أما في الحرب العالمية الثانية، فنقلت محتوياتها إلى الريف للحفاظ عليها من دمار الحرب. وتزامن ذلك مع توسعات عديدة لمقر المكتبة، ولأقسامها التي تتوزع على أماكن متنوعة.
تتوزع أقسام المكتبة على مواقع كثيرة مختلفة، ومن أهمها: موقع فرانسوا ميتران( الذي يمثل مكتبة دراسية وبحثية. وتقام فيه المعارض والندوات)، موقع ريشليو لوفوا( يضم غالبية المجموعات المتخصصة : الخرائط والصور والمخطوطات، ومن بينها المخطوطات الشرقية والعملات والميداليات)، مكتبة الترسانة في حي الباستيل (أنشئت في أواسط القرن السابع عشر، وأممت في زمن الثورة، لتصبح مكتبة عمومية في عام 1797، وثم ألحقت بالمكتبة الوطنية في عام 1934. وهناك قسم مهم، وهو :مكتبة متحف الأوبرا، التي تضم نماذج من الديكور والملابس والأرشيف المتعلق بالعروض التي نظمت منذ ثلاثة قرون.
ويوجد على رأس مكتبة فرنسا الوطنية، رئيس ومدير عام، وثلاثة مدرسين مساعدين، مكلفين بمهمة لدى رئيس المكتبة، ويساعدهم مجلسان: مجلس إدارة ومجلس علمي. ولكل منهما رئيس. وللمكتبة إدارات وأقسام عديدة، من بينها: إدارة المجموعات، إدارة الخدمات والشبكات، قسم المعلومات الببليوغرافية والرقمية، قسم الحفظ، قسم التعاون، قسم الإيداع القانوني، قسم المخطوطات.
رصيد الكتب
نما رصيد المكتبة الوطنية الفرنسية بصورة كبيرة. ففي عام 1780 بلغ عدد الكتب المودعة 390 كتابا، ليصل إلى 12414 بعد قرن من الزمن، أي تحديدا في عام 1880. وكذلك 45 ألفا في عام 1993. غير أن المكتبة لا تضم المطبوعات فقط، من كتب ودوريات وصحف، وإنما أيضا، المخطوطات والخرائط والرسوم والصور الفوتوغرافية والقطع الموسيقية والأقراص والأشرطة المسجلة والعملات والميداليات.
إضافة إلى نماذج الملابس وديكور المسرح. ويضم رصيدها اليوم أكثر من 14 مليون كتاب ومطبوع. و250 ألف مخطوط. و360 ألف عنوان دورية، وحوالي 800 ألف خريطة ومخطط. وهناك مليونا قطعة موسيقية ومليون وثيقة صوتية وعشرات الآلاف من الفيديوهات والصور والوسائط المتعددة، وكذا 530 ألف قطعة من العملات والميداليات.
المجموعات مهمة
تحتوي المكتبة الوطنية في فرنسا، مجموعات مهمة من مصادر المعلومات، وهي: المجموعات الرقمية، أرشيف المكتبة الوطنية الفرنسية، المواد السمعية البصرية، الحقوق والاقتصاد والسياسة، الفلسفة والتاريخ والعلوم الإنسانية، العلوم والتقنيات، الآداب والفنون، البحث الببليوغرافي، حجز الأوعية النادرة، المواد الخرائطية، المخطوطات الغربية والشرقية، العملات والمواد الأثرية، الموسيقى، خدمات خاصة بالبحث المباشر عن مصادر المعلومات (متاحة في بوابة المكتبة على موقعها في الانترنت).
عراقة ونوعية
تعد المكتبة الوطنية الفرنسية، إحدى المكتبات الضخمة في أوروبا، ومقرها باريس، وينظر إليها على أنها مكتبة للشعب الفرنسي. وهي واحدة من أعرق المكتبات وأهمها في العالم. وتحتفظ المكتبة بنسخة من أي مطبوعة، طبعت أو تطبع، في فرنسا. وتشمل مجموعاتها نحو: 20 مليون مجلد مطبوع، 500 ألف مجلة، 165 ألف مخطوط، 600 ألف خريطة، 15مليونًا من النقوش والصور الضوئية، 400 ألف نوع من العملات والحجارة الكريمة المنقوشة.
1988
كان الرئيس الراحل ميتران قد بدأ يفكر في انشاء مكتبة للبحث العلمي ضمن هذا الصرح الثري، في عام 1988م . ووصف المشروع حينها، أنه سيكون نوعا جديدا مميزا من المكتبات، ليحل مكان المكتبة الوطنية القديمة المكدسة. واثار المشروع منذ انطلاقه، جدلا واسعا.
وعمد إلى الاسراع في إنجازه. وبذا أتم انهاء المراحل الأولى للبناء، من دون توخي الدقة، بسبب اصرار ميتران على افتتاح المرحلة الأولى، قبل نهاية فترة رئاسته عام1995. وبالفعل، قص ميتران شريط اعلان انجاز المرحلة الأولى، في شهر مارس من العام نفسه. ثم افتتح الرئيس الاسبق جاك شيراك، ابواب المكتبة للجمهور في عام 1996.
وتتيح المكتبة الجديدة، لجميع الراغبين والمتخصصين، الاطلاع على حوالي2000 بحث. وهذا العدد يفوق بثلاثة اضعاف، نظيره الذي كانت تستوعبه المكتبة القديمة. وهو يستوعب أشخاصا اكثر من المكتبة البريطانية الحديثة، بما يقدر ب 800 شخص. كما توفر المكتبة الاطلاع على حوالي11 مليون مرجع علمي ومطبوعة، بالاضافة إلى آلاف الكتب والصور.
23 ألف زائر يومياً
يؤم المكتبة الوطنية..ميتران، في فرنسا، جمهور متنوع، من الباحثين والطلبة والمتخصصين في شتى حقول العلوم. كما يزور أفراد الجمهور، من كافة الفئات، مختلف مواقعها على الإنترنت. وتجاوز عدد زوارها في مقرها الرسمي، في عامي 2008 و2009: المليون و300 ألف زائر سنويا. كما يزور مواقعها على الانترنت، 23 ألف شخص يوميا.
3.8
تفكر المكتبة الوطنية الفرنسية.. ميتران، ممثلة بإدارتها، في إيجاد السبل الامثل لتكون قادرة على جمع مبلغ 3.8 ملايين يورو تخولها الحصول على الارشيف الخاص للفيلسوف الفرنسى الراحل ميشيل فوكو. وهو أرشيف يضم حوالي 37 ألف ورقة تمثل حصيلة الوثائق التي كتبها هذا الفيلسوف الفرنسي الذي رحل في عام 1984.
ويضم الارشيف ملخصات القراءات التي كان يقرؤها فوكو. ونصوص المؤتمرات التي شارك فيها. و39 مذكرة تحتوى على افكاره، الى جانب محاضراته فى الكولاج دي فرانس. ولكن هذا المبلغ، وحسب رئيس المكتبة، يعيق قدرة المكتبة على تحقيق هدفها الفكري القيم في السياق.. لذلك فهي تلجأ الى مساعدين او رعاة..حتى تشترى هذا الارشيف الذي أدرج ضمن الكنوز الوطنية لفرنسا في 22 مارس 2012.
وتولي المكتبة هذا المشروع، قيمة كبيرة، لما لميشيل فوكو، من اهمية وطنية وعالمية. فهو فيلسوف فرنسي ولد فى عام 1946، وتوفي سنة 1984. قدم انجازات فكرية نوعية.كما تسعى المكتبة، أيضا، إلى اقتناء أعمال وأراشيف أهم الكتّاب في العالم.
7270
تحتوي مكتبة فرنسا الوطنية على عدد كبير من الكتب والمخطوطات العربية. إذ جمعت المخطوطات العربية فيها، منذ قرون، عن طريق التجار والرحالة والدبلوماسيين الفرنسيين ضمن البلاد العربية والإسلامية. وتعود أوائل تلك المخطوطات إلى عهد الملك فرانسوا الأول، الذي أرسل مبعوثين إلى إيطاليا وإلى البلاد العربية، بغرض اقتناء المخطوطات العربية والعبرية.
وبين عامي 1671 و1675، تمكن المبشر الدومينيكاني ميشال، من أن يجلب 630 مخطوطا من الشرق. ثم تزايد عدد تلك المخطوطات، خاصة خلال فترة الاستعمار الفرنسي لعدد من البلدان العربية. وهكذا يبلغ عدد المخطوطات العربية في المكتبة، حاليا، 7270 مخطوطا، إلى جانب حوالي 45 ألف كتاب، وأكثر من 3 آلاف عنوان دورية. والكتب العربية الموجودة في المكتبة الوطنية الفرنسية، لم تمتد إليها بعد، يد بالبحث أو الدرس. وهذا بينما حظيت المجموعات العربية في مكتبات غربية أخرى، مثل مكتبة الكونغرس، بحظ أوفر من الدراسات والكتابات المختلفة. ووصل عددها في الكونغرس 73.214 ألف كتاب.



