تمثل الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، في مصر مكتبة وأرشيفا وطنيا ثرا، يحفظ تاريخ البلاد ويتركز بمثابة ذاكرتها الحية. ولا تقتصر أهمية الهيئة على طبيعة أدوراها. إذ إنها تضم عدداً من المخطوطات الأثرية والوثائق القومية المهمة، التي تحكي تاريخ مصر، يقارب عددها 57 ألفا، ذلك بين برديات ومخطوطات أثرية ومستندات رسمية وحجج أوقاف، لتصنف طبقا لهذا المضمون، كأكبر مكتبة مصرية، إذ تأتي في مرتبة متقدمة على كل من مكتبتي: الأزهر والإسكندرية الجديدة.

لا تغفل الهيئة دورها في إمداد المكتبة العربية بعدد من الإصدارات الثقافية. فهي مسؤولة عن طباعة كتب التراث، والكتب التي تُحققها المراكز العلمية، كما تهتم بتنظيم الندوات الثقافية والفكرية والعلمية المختلفة، في قاعات خُصصت لمثل هذه اللقاءات، انطلاقا من إيمانها بدورها في المشاركة في الحوار الثقافي والفكري.

نشأة وتطور

أنشئت دار الكتب في عهد الخديوي إسماعيل، بعد اقتراح من علي باشا مبارك، ناظر المعارف، حينها : (وزير التربية والتعليم)، وذلك في العام 1870م. وكانت تحمل اسم "الكتب خانة".

وكان مقرها في درب الجماميز، في الطابق الأرضي ضمن سراي الأمير مصطفى فاضل، شقيق الخديوي إسماعيل. واحتوت وقتها، على عدد من الكتب والمخطوطات التي جُمعت من المكتبة الخديوية القديمة، وديوان وزارة الأشغال.

وغيرها من الكتب التي كانت متفرقة في عدد من الدواوين، ومن ثم استطاعت أن تحصل الدار على أول مجموعة كتب أجنبية في عام 1873، من خلال جمعية المصريات التي أنشأها عدد من العلماء الأجانب. وكانت الشؤون المالية للدار تتبع إلى وزارة الأوقاف، في حين كانت الشؤون الإدارية من اختصاص ديوان المعارف.

وفي العام 1903، تقرر نقل الدار إلى مبنى أُنشئ خصيصاً لها ولدار الآثار العربية، يقع في باب الخلق. لكن، وبسبب ضيق المبنى، شيّد مبنى جديد للدار في عام 1961، على كورنيش النيل، وجرى الانتقال الفعلي إليه في عام 1973. ثم افتتح بعدها، بأربع سنوات، أي في عام 1977.

ظلت دار الكتب تؤدي دورها كمكتبة وطنية وهيئة مستقلة بذاتها، حتى العام 1966، إذ أسست خلاله، دار الوثائق القومية التاريخية، بعد صدور قرار رئاسي: (رقم 450 لسنة 1966 )، يقضي بانضمام دار الوثائق إلى دار الكتب، لتصبح اسمها دار الكتب والوثائق القومية. وفي العام 1977، ضمت الهيئة العامة للكتاب إلى دار الكتب، لتصبح في النهاية: الهيئة المصرية العامة للكتاب. واستمر هذا الوضع، حتى صدور قرار بفصل دار الكتب والوثائق القومية، عن الهيئة العامة للكتاب. وذلك في 1993.

المكتبة الوطنية

يؤكد الدكتور عبد الستار الحلوجي، أستاذ علم المكتبات في كلية الآداب بجامعة القاهرة، أن دار الكتب هي المكتبة الوطنية للدولة، بما يعنيه ذلك من كافة الجوانب. فوظيفة المكتبة الوطنية لأي دولة، الأساسية، جمع تراث الأمة والمحافظة عليه. إضافة إلى تيسير تداوله وإتاحته لأبناء الأمة، جيلا بعد جيل. لذلك نجد أن المكتبات الوطنية في دول العالم، لديها قانون اسمه "قانون الإيداع".

وهو مُلزم لكل مؤلف، ان يرسل نسخا من كتابه الجديد. ويختلف العدد من دولة إلى أخرى. ويطبع رقم الإيداع في أول أو آخر الكتاب، كدليل على إيداعه في المكتبة الوطنية، بغرض ضمان أن تكون الكتب التي تُطبع في الدولة، جميعها، موجودة في دار الكتب. ويشير الحلوجي إلى مسألة مهمة في هذا الصدد، إذ لا يستطيع قسم الإيداع في الدار، مراقبة السوق ومعرفة كل ما يصدر من كتب. وبذا تقتصر وظيفته على استقبال ما يرد إليه من كتب، فالقانون لا يُفّعل بنسبة 100%.

ويضيف: " إن دار الكتب في مصر، من أقدم المكتبات الوطنية في العالم العربي، إذ أُنشئت بمبادرة من علي مبارك الذي اختار لها مكاناً في غاية الذكاء، آنذاك، وهو باب الخلق في وسط القاهرة. فكان المقر قريبا من الأزهر الشريف، ومن سوق الكتبيين - مثل الفجالة - وهكذا جسد مكانا مثاليا.. أما اليوم فالأمور تغيرت والقاهرة ازدحمت ولم يعد باب الخلق يعد وسط البلد. وكثرت الجامعات. وبناء عليه، لم يعد المكان مثالياً، بالإضافة إلى أنها لم تعد مكتبة بالمعنى المصطلح عليه. ولكنها أصبحت مقرا سياحيا".

ويبين أستاذ علم المكتبات في كلية الآداب في جامعة القاهرة، صعوبة انتقال وتردد الباحث على دار الكتب في منطقة "باب الخلق"، وعلى مبنى كورنيش النيل، إذا ابتغى الحصول على المعلومات التي يريد. ذلك بالإضافة إلى صعوبة وصول المستشرقين والأجانب إلى منطقة باب الخلق. علاوة على مشكلة المرور

. فهو مكان غير عملي على الإطلاق، مشدداً على ضرورة توجيه الجهود والأموال لبعث المكتبة من رقادها، كي تؤدي دورها على الوجه الأكمل. فهي تحتوي أكبر عدد من المخطوطات موجودة في العالم العربي. كما أنها غنية جدا بالمطبوعات والمخطوطات والجرائد والمجلات، التي لن نجدها في أي مكان آخر.

شريان

من جهته، يوضح عبد العليم إسماعيل، مدير تحرير سلسلة إشراقات في الهيئة العامة للكتاب، أن دار الكتب، دار وطنية تلعب دوراً مهما، على المستويين الثقافي والتاريخي، من خلال ما تُقدمه من خدمات للمواطنين والباحثين، ليس فقط للمصريين، إنما لكل الباحثين، من مختلف أنحاء العالم.

ويحكي مدير تحرير "إشراقات"، عن التطوير في السلسلة: "هناك بعض التجديدات التي تهدف إلى تحويل الدوريات الورقية كافة، إلى مادة إلكترونية، لغاية حفظها، وتوفير سهولة الإطلاع عليها. فالمادة الورقية لها عمر افتراضي تنتهي بعده.. كما أن هناك قسما للتوثيق، وهو تابع لقاعة الدوريات، منوط به توثيق جميع الأحداث التي تمر على الوطن.

عقل مصر

يشدد الكاتب والناقد محمود قاسم، على أن دار الكتب والوثائق القومية، تستمد أهميتها وقيمتها في المجتمع الثقافي، انطلاقا من كونها مكاناً يحفظ الوثائق النادرة التي تشكل تاريخ مصر. إذ يشكل توثيقا لأحداث تاريخية مهمة مرت على هذا الوطن، ولا يمكن قراءة تاريخ مصر بصورة جيدة وصادقة، إلا عبر الوثائق التي يحويها هذا الصرح الثقافي والتاريخي الحيوي.

ويضيف: "إن الدار تمثل (عقل مصر).. كان هناك قلق بالغ على دار الكتب، وعلى ما تحويه من وثائق قومية وتراث لا يعوض، خلال الفترات السابقة، خاصة بعد ان تعرض عدد من الأماكن فيها، إلى الحرق والاقتحام من قبل بعض الأشخاص غير المسؤولين، ذلك مثل ما حدث في المجمع العلمي، وكما حصل، أخيرا، في حريق شب في محكمة جنوب القاهرة الابتدائية، في باب الخلق.. إننا معنيون بالتنبه لأهمية الحفاظ على سلامة هذه الوثائق النادرة، فصونها ورعايتها حفاظ على سلامة هذا الوطن".

ويشير قاسم إلى احترامه الأصوات التي تنادي بفصل دار الكتب عن دار الوثائق القومية، ليكون لكل منها دور تقوم به بشكل منفصل ومستقل. ويشرح ذلك: "إذا كان الفصل بغرض مزيد من التخصص فهو شيء يُفضل.. خاصة وأن دار الكتب والوثائق القومية، كانت قد فُصلت من قبل، عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.

وطالب قاسم أن يزداد اهتمام الدولة بهذا الصرح المهم وأن يتاح للمواطنين العاديين، الاطلاع على الوثائق القومية، وليس فقط للباحثين، خاصة أن عددا كبيرا منها، مرت عليه عشرات السنوات، وأرى أن يحصل ذلك، تحت إشراف مدروس ومخطط، ووفق آلية تضمن الحفاظ على سلامة هذه الوثائق.

%30

تحرص الدار، بين فترة وأخرى، على دعوة المواطنين، من مختلف الشرائح والجهات، إلى الاشتراك فيها، منفذة ذلك عبر برنامج عمل مخطط ونوعي. وتعمل في هذا الصدد على تدعيم أطر تحفيزهم وتشجيعهم في هذا الاتجاه، بفضل ما تقدمه من عروض تخفيض كبيرة، من وقت إلى آخر، على أسعار كتبها، والتي وصلت في مرات كثيرة إلى 30%.

وما يلفت المتابع والمراقب، اعتناء الدار، باستمرار، بتطوير آليات عملها، على مختلف الصعد. وفي هذا السياق، تتسم الوثائق الموجودة فيها بأنها مؤمنة ومحمية طبقاً لنظام عالي الجودة، لا يمكن اختراقه. وذلك من خلال كاميرات مخصصة، تشتغل طبقا لنظام "مورس" الخاص بتأمين المخازن وغلق آلي لأبواب المخازن وإجراءات يصعب اختراقها في عملية تداول الوثائق بين النظام الإلكتروني واليدوي.

 إطلاق مشروع توثيق ثورة 25 يناير المصرية

أطلقت الهيئة، مشروعــاً متخصصاً، يعنى بتوثيق ثورة 25 يناير، وتتولى مسؤولياته، لجنة محددة، شُكلت لتنفيذ هذه المهام. وذلك بهدف جمع المادة المتعلقــة بالثــورة وتصنيفها وأرشفتها، ومن ثم إتاحتها للجمهور، لاحقاً.

ويبدو لافتا، تأكيد الكثير من المثقفين والمتخصصين في المجال التوثيقي والمكتبي، على ضرورة التوسع في إطلاق مزيد من برامج التطويــر والتأهيل الخاصة بها، ذلك كونها، كما يؤكدون، الذاكرة القومية. ويرى المعنيون، في الصدد، أنه لا بد أن تكون مرجعيتها وتبعيتها، مباشرة، إلى رئاسـة الجمهورية، بفعل ما تتضمنه من مواد قيمة ومهمة، تكوّن في المحصلة، تــراث وفكر ومفردات الثقافــة الوطنية.

وهكذا، تتوافر لها، بفعل تلك التبعية، أطر دعم واهتمام مضاعفة، تنسحب في مردودها الإيجابي على تطـوير آليات العمــل فيها، ضمن مختلف القطاعات، وتجاوز مختلف العقبات والروتين المعوق للباحثين بحيث يغدون قادرين على التزود بما يحتاجونه منها، من دون ضــرورة لانتظارهم صدور تصريحات تسمح بهذا، تأخذ في الوقت الحالي، وقتاً طويلًا.

دورات وندوات متخصصة

 تحرص الدار على تنويع أشكال نشاطها الثقافي الفكري. وتبــادر انطلاقاً من مقتضيات هذا الحرص، لتنظيم ندوات ودورات متخصصة في شتى حقول الفكر والعلوم، إذ يشرف عليها باحثون، وتقام في قاعات مستقلـة، حديثــة ومزودة بكافة التجهيزات اللازمة. كما أنها لا تتناســى دورها في إمـــداد المكتبـــة العربية بعدد من الإصدارات الثقافية. إذ تبقى مصدراً حيويــاً لطباعة كتب التراث، والكتب التي تُحققهـــا المراكــز العلمية.