تحتل الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكانة بارزة على الساحة الثقافية، ليس في مصر وحدها. إنما في العالم العربي أجمع، كونها حملت على كاهلها مهمة نشر الوعي والثقافة العربية، والارتقاء بفكر القارئ العربي.

 ولم يتوقف دورها عند ذلك الحد. إذ إنها حريصة على فتح نافذة يطل منها القارئ على عوالم مختلفة. فهي مهتمة، على الدوام، بتصدير النتاج الفكري واستيراده، وفق صيغ وآفاق عالمية. ذلك من خلال الاهتمام بالترجمة عن اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية، لتغدو بهذا، صرحاً ثقافياً مهما، يمثل حضناً وأرضا خصبة للفكر والثقافة في العالم العربي.

أنشئت الهيئة المصرية العامة للكتاب بقرار جمهوري، رقم 2826، في سنة 1971، تتبع طبقا له، إلى وزارة الثقافة. ومن ثم مرّت الهيئة بجملة تطورات هيكلية طيلة تاريخها ومراحلها. إذ كانت، وبموجب ذلك القرار، تضم: دار الكتب والوثائق القومية، دار التأليف والنشر. ولاحقا فصلت دار الكتب عنها، لتصبح هيئة ثقافية مستقلة بذاتها، ذلك وفق قرار مستقل: رقم 176، صدر عام سنة 1993. ونفذ عمليا، في العام 1994.

شهدت الهيئة مراحل ومشروعات تطوير وتحسين نوعيين، على صعيد مضمون أعمالها وآليات تعاطيها وتأثيرها في الوسط الفكري والثقافي العام. وكان لافتا في هذا الإطار حرص الدكتور أحمد مجاهد، خلال فترة توليه رئاستها، على وضع خطة عمل دقيقة ومحكمة لها، تسير عليها في صيغة حيوية تعكس قيمة دورها كونها المؤسسة الرسمية الأولى لصناعة الكتاب.

وذلك بوجهة ومنوال اشتغال تغطي معهما كافة فروع المعرفة ومتطلبات القراء. واعتنى الدكتور مجاهد بضرورة أن تضم منافذ البيع التابعة للهيئة، صالات تسمح بإقامة الندوات الثقافية لتكون منافسة قوية للمكتبات التي تتبع هذا النهج، مؤكداً سعيه المستمر لاستقطاب كبار الكتاب، مجددا، للنشر عبر الهيئة، بالتوازي مع توسيع الاهتمام بالمواهب الشابة.

ويقول في هذا السياق: «لعبت وتلعب الهيئة دوراً تنويرياً وتثقيفياً في مصر والعالم العربي. وهي، على مدار التاريخ، إذ كانت وتبقى ذخراً قوياً ومرجعاً رئيسياً لكافة الباحثين في شتى البقاع العربية، لما تتضمنه من كم ونوع على صعيد المؤلفات المتنوعة. كما أنها نجحت في استقطاب أبرز الباحثين والكتاب، لنشر إنتاجهم العلمي، فضلاً عن إثراء حركة الترجمة لنقل الثقافات المتنوعة».

آليات محكمة

يؤكد الدكتور محمد سلمان، مدير عام النشر في الهيئة العامة للكتاب، أن عمل الهيئة، حاليا، قائم على النشر، على اعتبار أنها هيئة عامة للكتاب، فالكتاب هو «العمود الأساسي في الهيئة»، ويضيف، حول منوال نشر الكتاب: «يتقدم المؤلف بالمادة المكتوبة إلى إدارة النشر، التي لديها، بدورها، مجموعة من الفاحصين في مختلف المجالات، تضمهم لجنة الفحص.

فيُعرض عليها الكتاب وتبت اللجنة فيه، إما بالرفض أو بإجازة النشر، أو بإضافة بعض التعديلات واستكمال جزئية ما أو حتى حذف جزئية أخرى، وفي حالة رفض اللجنة للكتاب يُسلم مرّة أخرى إلى صاحبه، اما عند الموافقة على النشر، فيدرج الكتاب في إطار خطة الهيئة للنشر لينتظر دوره في الطباعة. وهذه الفترة يحتمل أن تطول أو تقصر، ذلك حسب ترتيب الكتاب».

ويلفت سلمان إلى عدم وجود تابوهات أو محاذير تعمل الهيئة طبقا لها، أوتحدد من خلالها ما تقبله أو ترفضه في عملية النشر. فهذا أمر يحدث من خلال أسس علمية، ولكن الرفض يكون لأسباب فنية وعلمية بحتة، كأن يكون هناك شعر لا يخضع لأوزان أو لأنماط الشعر. أو لوجود رواية لا تتبع الأسس الفنية في كتابة هذا النوع الابداعي الفني، أو كتاب هو عبارة عن نقل من الانترنت، وهكذا.

نوعان

ويوضح مدير عام النشر في الهيئة، أن عملية النشر ضمنها تتوزع على نوعين: الأول، النشر العام، ويمثل العمود الأساسي للهيئة، إذ يضم كافة الأصناف، من إبداع شعري وروائي وقصصي أو الكتاب السياسي والعلمي والاقتصادي وكذا الدراسة النقدية وما إلى ذلك. وبالنسبة للنوع الثاني، فهو يتجسد في السلاسل، إذ ترتبط السلسلة بجزئية معينة.

ولا يفوت سليمان، التشديد على الاهمية الكبيرة التي توليها الهيئة، للترجمة عن اللغة العربية إلى اللغات الأجنبية الحية. ويلفت في هذا الاطار، إلى أنه كان هناك مشروع عمل في السياق لدى الهيئة، قديما، يدعى: «تصدير الفكر العربي». إذ عني بترجمة بعض الكتب إلى لغات مختلفة لتعريف العالم بالإنتاج الأدبي والفكري المصري في العصر الحديث.

لكنه تعثر وتوقف لأسباب مالية. ذلك كون المؤلف يريد مستحقاته المادية قبل ترجمة كتابه، وهذا بالإضافة إلى تكاليف ترجمة الكتاب ومن ثم مراجعته. كما يبين مدير عام النشر في الهيئة أن فكرة وجود قسم يضم عددا من خريجي اللغات ضمنها، لا يمكن تطبيقه حاليا. فإنتاج الهيئة لن يكون بالقدر الذي يسمح في إنشائه بصورة دائمة. ولكنه يعتقد أن هذا الامر، ربما سيشهد انفراجة ما في القريب العاجل.

1955

يشرح عزت عبد العزيز، مدير تحرير «مشروع الألف كتاب» في الهيئة، ماهية هذا المشروع الرؤيوي الذي تتبناه الهيئة قائلاً: «إنه المشروع الثاني الذي تطلقه الهيئة في مجال الترجمة عن اللغات الأجنبية، ذلك حرصاً ورغبة منها، في إطلاع القارئ العربي على كل ما يصدر في العالم الغربي، من كتب، ذلك في المجالات كافة.

إن الهدف من المشروع هو أن يكون نافذة يطل منها القارئ العربي على المجتمعات الغربية وكل التيارات الثقافية». ويشير عبد العزيز إلى أن بداية المشروع الأولى، كانت في العام 1955، بإشراف من الإدارة العامة للثقافة، التابعة لقسم البحوث والترجمة في وزارة التربية والتعليم، إذ اهتم بفروع المعرفة كافة، وأول عناية خاصة لأمهات الكتب العالمية والكلاسيكيات، كما شمل العلوم البحتة والتطبيقية.

وكذا المعارف العامة والفلسفة وعلم النفس والديانات والعلوم الاجتماعية، واللغات والفنون الجميلة والأدب والتاريخ والجغرافيا والتراجم. لكن توقف العمل به في العام 1969، لأسباب مادية. ويتابع حديثه عن تاريخ وإنجازات المشروع، فيقول: «انطلق مشروع الألف كتاب، الثاني، في العام 1986، في زمن رئاسة سمير سرحان للهيئة، استكمالا للمشروع الأول. واهتم حينها، بالتطور التكنولوجي والالكتروني، للبقاء على اتصال بالثورة العلمية والثقافية الموجــودة في العالم المعاصر».

ويبين عبد العزيز أن الأمانة العلمية التي تتبعها الهيئة عند ترجمتها النص الأجنبي للغة العربية، بالإضافة إلى وجود «فلاتر» تستخدمها دوما، ركائز تدعم قيمة جودة نتاجها في الإطار، فبعد أن تدرس اللجنة النص وتوافق على نشره، يرسل إلى أحد الأساتذة المتخصصين في هذا الفرع، لإبداء رأيه من الناحية العلمية. فيفحصه ويدرسه بشكل جيد، قبل أن يعتمد نشره. اما عن الأسباب التي يحتمل أن تقف حائلاً أمام الموافقة على ترجمة أحد الكتب، فيقول مدير تحرير «الألف كتاب» في الهيئة:

«إن الترجمة حالة من الإبداع. فالمترجم ينقل ثقافة وحس مجتمع ما، إلى مجتمع آخر. وهما طبعا مختلفان في الثقافة واللغة والعادات. وفي كل شيء، وهو في هذا يؤدي دور فنان عبقري لا يخضع لزمان أو مكان. وعندما يقدم مقترحا الى الهيئة، لترجمة كتاب ما، يُعرض على لجنة الترجمة برئاسة رئيس تحرير السلسلة محمد عناني.

والتي تبدأ في دراسة المقترح وصلاحيته للنشر، ومن ثم تبين مدى كونه يتوافق مع الفلسفة العامة للنشر داخل الهيئة. وإذا كان سيخدم القارئ والمثقف المصري والعربي. إن هذا المشروع يصب في سياق رفد رؤى الهيئة في هدفها المحوري، منذ إنشائها، المتمثل في «مصلحة القارئ» أولاً وأخيراً، فالكتاب ينشر الوعي والمعرفة، وهو وسيلة للتنوير. وليس لدينا نوعية معينة من الكتب ترفض الهيئة نشرها. فكل الكتب خاضعة للفحــص، وبعد موافقة اللجنة المعنية، نبدأ في الحصول على حقــوق النشر، ثم يُترجم الكتاب ونعهد به في النهاية إلى متخصص في مجال الكتاب.

وتدور ماكينات الطباعة ليظهر الكتاب بين دفتي غلاف». ولا بد من الاشارة هنا، إلى أنه مر المشروع الثاني من سلسلة الألف كتاب، منذ بدايته، بثلاثة رؤساء تحرير: الكاتب والصحافي لمعي مطيعي، المترجم أحمد صليحة، محمد عناني. كما أنه هناك في الهيئة سلاسل ونوافذ أخرى لنقل الثقافــة العربية إلى الخارج، من خلال ترجمة التراث العربي والكتب العربية المعاصرة في شتى المجالات. إذ إنها تهتم بتصدير الفكر واستيراده .

نشاط متكامل

يشدد ممدوح بدوي، مدير عام إدارة المعارض في الهيئــة، على تتابع التوسعات والاعمال التطويرية لديها، على صعيد تنظيم معــرض الكتاب، والمشاركة في المعارض العالمية. ويحكي عن ذلك: «تشارك الهيئة في عدد كبير من المعارض ضمن مجموعة من الدول العربية، منها الشارقة الدولي للكتاب، الدوحة للكتاب، اربيل للكتاب، الكويت للكتاب، صنعاء للكتاب، تونس للكتاب، الجزائر للكتاب.

كما تشارك في المعارض الأجنبية في: باريس ولندن وطوكيو وأميركا وفرانكفورت واسطنبول. ولا بد من التذكير هنا، أن دور الهيئة في المعارض لا يقتصر على عرض الكتب الصادرة عنها، وإنما تحرص، وفي عدد من المعارض، على التعاون مع اتحاد الناشرين العرب لتنظيم عدد من الندوات الثقافية».

 

 

 

360

 

 

 

يصل عدد السلاسل في الهيئة المصرية للكتاب إلى 30 سلسلة تقريباً، لكل منها خطة عمل، فمن المفـــترض أن يصدر عن كل سلسلة كتاب واحد شهرياً، أي 12 كتابا في العام، ومن بين السلاسل: سلسلة الألف كتاب ــ خاصة بالترجمات، سلسلة الأعمال الكاملة ــ وتعنى بإصدار الأعمال الكاملة للكُتاب العرب، سلسلة الإبداع الشعري ــ خاصة بالشعر فقط، سلسلة الكتابـــات الجديـــدة، تأخذ فيها الكتابة منحى فنيا مختلفا ورؤيــــة إبداعية جديدة.

وهنا أيضا، سلسلة مصريات، التي تهتم بالنصوص الفرعونية القديمة، وغالباً تكون ترجمات. وسلسلة التراث، المعنية بتراث كتابات تراثية لكُتاب مبرزين، أمثال :الجاحظ وابن قتيبة وابن مندور، وهي سلسة متخصصة تعمل على اختصار التراث، في جزء او اثنين، ذلك بينما تكون في الأصل تمتد إلى 10 أو 15 جزءا.

 

 

 

 

19

تنقسم إصدارات «مشروع الألف كتاب» في الهيئة، إلى 19 فرعاً: الموسوعات والمعاجم، الدراسات الإستراتيجية، قضايا العصر، العلوم والتكنولوجيا، الاقتصاد والعلوم الإدارية، مصر عبر العصور، الكلاسيكيات، الفن التشكيلي والموسيقى، الحضارات العالمية والتاريخ، الجغرافيا والرحلات، الفلسفة وعلم النفس، العلوم الاجتماعية، المسرح، الطب، الصحة، الأدب واللغة، الإعلام، السينما. إضافة إلى كتب عديدة أخرى، غيرت الفكر الإنساني. كذلك الأعمال المختارة.

 

استراتيجية ثقافية

 

تتولى الهيئة مسؤوليات تنظيم المعرض الدولي للكتاب في مصر، في يناير من كل عام، في أرض المعارض في القاهرة. وهو المعرض الثاني على مستوى العالم من حيث عدد الناشرين. ومن بين المعارض المهمة التي تقيمها الهيئة، أيضا: «معرض الإسكندرية للكتاب»، وهو معرض دولي كذلك، يضم بعض الناشرين العرب. كما انها تنظم مجموعة من المعارض في محافظات مصرية مختلفة، غاية تعميم الفائدة الفكرية في كافة انحاء ومناطق مصر، وذلك مثل: المنصورة وأسيوط.