لوحة تشويق مفعمة بروح الماضي وعبق التاريخ، يرسمها مكنون متحف المخطوطات والرسائل في باريس، بما يشتمل عليه من قصص تحكي تاريخاً مهماً، وحيثيات كثيرة متنوعة في صميم وتفاصيل أحداث الماضي، وكذا ومعايشات وأحاسيس ومكابدات رجال شهيرين، من حكام وأدباء وعلماء عديدين. وجميعها مسطور بين جنبات رسائل ومخطوطات مهمة، لم يتمكن تقادم الزمن من حجب بريقها أو جعلها في غياهب النسيان، خاصة بفعل مثل هذا المشروع الفكري.
ومن بينها: وثيقة للويس الأول، ملك الفرنجة، مكتوبة باللغة اللاتينية، مؤرخة في العام 825م. ووثيقة لملك فرنسا جون الثاني، الملقب بـ«جون الطيب»، تدور قصتها حول فدية دفعتها فرنسا في حرب المئة عام، تحديداً في العام 1368. إضافة إلى رسالة لنابليون الأول، كان قد أرسلها إلى زوجته جوزيفين سنة 1796، يدعوها فيها إلى اللحاق به في إيطاليا. ويعترف لها فيها بشوقه الكبير.
ما يبدو لافتاً في طبيعة محتوى الوثائق في هذا المتحف الباريسي، عدم اقتصارها على المضامين ذات الصيغة التوثيقية التاريخية في منحاها السياسي. إذ نجد بين أركانه، مساحة رحبة مهمة، تحتضن رسائل متنوعة لأشهر رجالات العلم والفلسفة. ومن بين ذلك، رسالة للفيلسوف الفرنسي فولتير، الذي عاش في عصر التنوير، وجهها إلى الماريشال دو غيشيليو في عام 1752.
إلى جانب مسودة لمؤسس علم التحليل النفسي سيغموند فرويد، كتبها عام 1932، يسرد فيها وقائع معركته من أجل الاعتراف بهذا العلم والعمل به في أوروبا، وكذا مخطوطة أخرى لأحد أهم علماء الفيزياء في التاريخ، وهو أبو النسبية، ألبرت أينشتاين، تعود إلى العام 1939، وتحتوي حسابات ورسوماً توضيحية. وهناك أيضاً، رسائل متنوعة للجنرال شارل ديغول، تبرز واحدة منها بشكل لافت، وهي تلك التي تضمنت النداء الذي وجهه إلى الفرنسيين في عام 1940.
الوحيد المتخصص
لا تمثل الرسائل والخامات التدوينية في المتحف، إلا جزءاً من مجموع ما يتضمنه، إذ يشتمل على 70 ألف وثيقة ورسالة ومخطوطة قديمة، ذلك منذ إنشائه عام 2004، من قبل رجل الأعمال جيرار ليريتييه. كما أن هذا المتحف، الذي يقع في الحي اللاتيني ضمن الدائرة الباريسية السابعة.
والمتوزعة محتوياته على مساحة 600 متر مربع، يعد الوحيد من نوعه في هذا المجال، على صعيد أوروبا. ذلك كونه مخصص كلياً، للرسائل والمخطوطات والمراسلات النادرة، التي تضيء جزءاً من تاريخ فرنسا وتراثها. ففي الوقت الذي يعيش فيه العالم مراحل تسريع موسع في مساقات التطور الفكري والاجتماعي، بالاقتران مع التكنولوجيات الحديثة، نجد المتحف يلتفت إلى الوراء ليأخذنا في رحلة ممتعة عنوانها التشويق، إلى عمق الماضي، بدءاً من القرون الوسطى ووصولاً إلى الوقت الحالي.
وبذا يعيد الحياة إلى «أوراق قديمة»، ترك عليها سياسيون وأدباء ومثقفون وحكام وسياسيون بصماتهم، وتنبعث منها رائحة تجعل الزائر يغوص في عالمهم ويكتشف جوانب عديدة من شخصياتهم، الكثير منها كان خفياً بالنسبة للعامة، ذلك رغم أنهم أناروا البشرية وغيروا مجرى التاريخ بأعمالهم وإنجازاتهم.
يحكي محافظ المتحف، باسكال فولاشير، عن طبيعة محتواه، والأهداف والرؤى التي يعمل على تحقيقها: «عدد كبير من الوثائق والمخطوطات تصلنا إلى المتحف. إذ غدا بفضل توجهاته وشهرته، مقصداً وحضناً آمناً لنوعية هذه الكنوز الفكرية. ولا شك في أن ما يردنا على الدوام في هذا الإطار، ذات قيمة نوعية، كونه شاهداً على ماضينا وثقافتنا.
فهذه الرسائل والمخطوطات تراث حقيقي حيوي، بقي مدوناً وحاضراً وقتاً طويلاً، متحدياً عوامل الإهمال والإجحاف بحقه، حيث لم يول العناية اللازمة الحقيقية. ومن هنا تحديداً، تبرز لنا القيمة الكبيرة للمتحف. إذ ينفض الغبار عن مجموعة رسائل مهمة في تاريخ البشرية، ليعيد إليها حيوية النبض والتجدد، مؤشراً إلى جدوى وضرورات الرجوع إليها والاهتمام بها».
ويبين فولاشير ماهية الجدوى المتأتية من أعمال وتوجهات المتحف: «لا جدال في أن مجموع الوثائق التي يحويها المتحف، تشكل، وإلى جانب قيمتها التوثيقية والفكرية الثرية، ركيزة تثقيف وتنوير، نوعية، ضمن مناهج تعريف الناس، في العالم أجمع، على جوانب كثيرة، خافية من مضامين التاريخ الإنساني عامة، والفرنسي والأوروربي خاصة، وذلك بمساقاته السياسية والأدبية والفنية والموسيقية والعلمية.
إذ إن ما يوفره المتحف، وفق توجهاته، وعلاوة على المتعة الثقافية، إضاءته على جملة قضايا وحيثيات غير معروفة بالنسبة للناس، حول أحداث تاريخية شهيرة، وعن رجالات مبرزين، كان لهم كبير التأثير في حياة البشرية، على صعيد العلوم والسياسة والفكر والأدب. ولا شك في انه، وطبقاً لهذا الدور الذي يؤديه، بات بمثابة (مرجعية تاريخية شاملة)، لجميع الأفراد الراغبين في اكتشاف تفاصيل وخفايا أحداث متفرقة وشخصيات متنوعة، يحدثنا عنها التاريخ».
تجربة فريدة
لا تبارح المتحف روح الماضي، بعبق تاريخه ووهج ثقافته وعظمة رجالاته. فالزائر له، يلمس ويعيش، فور أن يدلف إلى أجنحته، أجواء لا تضاهى في قيمتها.
إذ يرتحل به إلى عطر عوالم الماضي عبر أسطر شائقة مدونة وموقعة بأسماء علماء وسياسيين وأدباء ومحاربين عظام.ولا يحار أو يتوه زائره، من أي الاهتمامات والتوجهات كان في مجال الاعتناء بالتاريخ. إذ يجد كل ما يبغيه، بصيغة إمتاع مميزة. وفي وجه عام، فإن من يقدم إليه، يعايش ويختبر وهج وجماليات الحنين إلى القلم حين يداعب برفق الكلمات والحروف. فيضعها على صفحات بيضاء.
جدوى
يهوى المخرج الفرنسي الشاب، من أصل عربي، ياسين بداي، وهو أحد زوار المتحف، الكتابة باليد، رغم أنه يمتلك، كغالبية الشبان في سنه، جهاز كمبيوتر من أحدث الطرز، بمقدوره أن يغنيه عن القلم. إضافة إلى مجموعة وسائل اتصال متطورة. إلا أنه، كما يبين، يفضل الكتابة باستخدام القلم. كما أنه متعلق بالرسائل التقليدية.
وفي هذا السياق، يحرص باستمرار، على التبحر في الاطلاع على تدوينات رسائل ومخطوطات قديمة، متمايزة. وبناءً على هذا هو متابع لزيارة «متحف الرسائل» الباريسي. ويحكي ياسين عن تفضيله ذاك:
«تكشف الكتابة باليد، جوانب مهمة متنوعة من شخصية الإنسان. وأعتقد أن رؤية رسائل ومخطوطات كتبها علماء وملوك وباحثون، أمر يجعل الشخص منقاداً بشعور غريب يتملكه، ليبدو وكأنه يحاكي هؤلاء العظماء، جميعهم، ويحتك بهم، بشكل مباشر، إن هذا المتحف يلهمني الأفكار الإبداعية.
فهو كنز مرجعي يقدم لنا التاريخ مكشوفاً من زواياه الدقيقة المتعددة، كاشفاً عن عظمة وتميز الرجالات المؤثرين في تاريخ البشرية، ومبدياً، بما يتضمنه، قيمة ما أنجزوه وتركوه. إنني، فعلياً، استمد من أجوائه ومحتوياته، قوة تدفعني إلى الأمام. إنه أمر غريب حقاً، ما يحدث لي عند زيارة هذا المتحف. إذ أجد أن العودة إلى الماضي، مصدر قوة ودفع لنتقدم إلى المستقبل».
3400 ق م
تتمثل أقدم مخطوطة يحتويها المتحف، بوثيقة تجديد لامتيازات ممنوحة لـ «أبيي دو كوربي»، في العام 825، موقعة من قبل الإمبراطور لويس الأول وابنه لوثر الأول: وهما على التوالي: ابن وحفيد شارلمان أو (كارل الكبير)، حكما الإمبراطورية الكارولنجية. أو كما يطلق عليها كذلك: مصطلح «إمبراطورية الفرنجة».
ولكن تلك الوثيقة، ليست الأقدم. فهناك أخرى غيرها، أكثر قدماً، وهي ألواح من الطين من بلاد الرافدين، مكتوب عليها نصوص بالكتابة المسمارية: (كتابة متداولة لدى الشعوب القديمة في جنوب غرب آسيا، تعرف على أنها أول كتابة لدى البشرية، تعود إلى العام 3400 قبل الميلاد).
وتقيم الرسالة أو المخطوطة وفقاً لسمعة مؤلفها، أو سمعة وصيت المرسلة إليه بالنسبة للرسائل. وكذلك، قيمة ما تحويه، والحالة التي حفظت فيها المخطوطة، إضافة إلى عدد الصفحات التي تحويها وحجمها وعمرها.
نموذج مثالي ونجاح مستمر
حقق «متحف الرسائل» في باريس، نجاحات نوعية، جعلته يتفوق على غيره من المتاحف المماثلة. وبات يجسد في هذا الخصوص، نموذجاً مثالياً مهماً على صعيد أوروبا. ويلحظ المتخصصون أن هذا المتحف أفلح في توسيع أطر الاهتمام والتوسع الخاصين بسوق هذه النوعية من المتاحف. فحفز جهات ومستثمرين في القارة، على الاعتناء بالمجال بوجهة علمية مدروسة، تدعم وتدفع وتيرة ازدهارها وانتعاشها.
خمسة محاور ونشاط ثقافي متنوع
يقدم المتحف، كما يؤكد محافظه باسكال فولاشير، كنوزاً معرفية تأريخية، لا تقدر بثمن، موزعة على خمسة محاور. وهي: التاريخ، الفنون، الأدب، العلوم والموسيقى. كما أن القائمين عليه، حسب فولاشير، حرصوا على جعل محتوياته بمثابة كتاب مفتوح، يسهل الاطلاع على مضمونه.
فلا يواجه الزائر أي عقبة على صعيد توفر الشروح والخلفيات التعريفية الخاصة بكل الوثائق والمحتويات ضمنه. إذ إن كل مخطوطة مزودة بنص تعريفي موسع، يبين تاريخ ومهام وإنجازات صاحبها. وكذا ظروف تدوينها وما صاحبها من أحداث ومجريات.
واقتدى مسؤولو المتحف بهذا النهج، كما يشير محافظه، حرصاً منهم على تقديم المعرفة الشاملة والمتنوعة للزائر، بشكل يجعله يعيش الماضي مع رجالاته وأحداثه، بأدق التفاصيل، وبصورة غير مجتزأة. كذلك لا تقف حدود نشاطات المتحف عند هذا الحد، إذ إنه، وبالإضافة إلى ما يقدمه ويتيحه للجمهور الزائر، على مدار شهور السنة، يعتني في تنظيم برنامج متنوع من المعارض الوطنية والدولية. إلى جانب إقامة ورش ودورات تدريبية تعريفية، دورية.



