تتمتع مكتبة مدبولي، بمكانة كبيرة لدى طلاب العلم والثقافة والمعرفة، ليس فقط في مصر، وإنما في الوطن العربي كله. فهي مكتبة تتسم بالعراقة والأصالة. إذ تستمر بالعطاء المتميز ورفد الساحة الثقافية بأبرز المؤلفات، منذ إنشائها عام 1958، أمام مقهى ريش الذي كان يعد أكبر تجمع لكتاب ومثقفي وسياسي مصر، ذلك الوقت، ومن ثم لتنتقل المكتبة بعدها، إلى موقع جديد هو أمام تمثال طلعت حرب، تحديداً سنة 1974، وهي باقية في ذلك المقر إلى الوقت الحالي.
لا يمكن أن نفصل أو نغفل في حديثنا عن تاريخ ومنجزات مكتبة مدبولي، التطرق إلى قيمة دور وأعمال صاحب هذا المشروع الثقافي الأهم بين دور النشر والطباعة الخاصة في مصر، الحاج محمد مدبولي محمد حسين. فهو من استطاع أن يؤسس لمنارة ثقافية نوعية في العالم العربي، بدأ مشروعها من الصفر. ولكنه، متسلحاً بالصبر والتصميم، أفلح في بلوغ مرامه. وجعل من مشروع المكتبة، رقماً مهماً في ساحة النشر والفكر والثقافة، على صعيد مصر والعالم العربي.
سيرة وبدايات
ولد الحاج مدبولي في إحدى قرى محافظة الجيزة، عام 1938. وبدأ عمله كبائع جرائد في سن صغيرة جداً. ولم يتجاوز عمره، حينها، الست سنوات.
إذ1 ورث المهنة عن والده، متعهد بيع الكتب والمجلات. وبتوالي الأيام، كانت طموحات هذا الطفل الصغير وأخيه، تجعلهما يعملان ليل نهار، لتحقيق حلمهما. وبذا استطاعا، بعد انتهاء العدوان الثلاثي على مصر، إنشاء دار للنشر، باتا يسهمان عبرها، أثناء تلك الفترة، في انتعاش الحياة الفكرية والثقافية في البلاد، والتي ظهرت كنتاج لثورة يوليو 1952.
مثقفون وسياسيون .. وصداقات
شهرة ومكانة كبيرتان، شغلهما الحاج مدبولي في الأوساط والمحافل الثقافية والسياسية العربية. ولم يكن مستغربا أن تربطه علاقات صداقة عميقة، بمثقفين وسياسيين، كثر. ومن بينهم، الكاتب الصحافي محمد حسنين هيكل، الذي استعان بمدبولي ليمده بالكتب من الخارج، عقب أن أبعده الرئيس الراحل محمد أنور السادات عن عمله في صحيفة «الأهرام».
وكذا عن شغل أي مناصب أخرى. وكان لافتاً، رغم الصداقة التي كانت وثيقة جداً، بين الحاج مدبولي وأديب نوبل نجيب محفوظ، لم ينشر الأول لمحفوظ، أي عمل، ذلك بحكم ارتباط محفوظ مع "مكتبة مصر للسحار".
لم تقف حدود صداقات الحاج مدبولي عند لون أو اتجاه واحد من الأدباء والفكرين والسياسيين. إذ اعتنى بتنويع وتوسيع شبكة علاقاته، من دون حصرها بطيف محدد. وهكذا بقي موقع تقدير واحترام، من الجميع، بفضل تعاطيه وكذا جهوده المهمة على صعيد الثقافة والنشر. وقال عنه الكاتب الراحل أنيس منصور، مرة:
«عندنا في النشر أيضا، واحد اسمه (أبو جلابية).. أشهر ناشر وأشجع وأوسع أحضان تضم الباحثين والشبان». ولا مفر هنا، من أن نذكر أنه كان قد افتتح مكتبة مدبولي، ثلاثة وزراء: كمال رفعت - وزير العمل، محمد أحمد - وزير الحربية، الأديب ووزير الثقافة يوسف السباعي. ورافقتهم في حفل الافتتاح، كوكبة من المثقفين والمفكرين، فضلاً عن رؤساء التحرير.
كما تميزت علاقة صداقة الشاعر الراحل نزار قباني والحاج مدبولي، بالصدق والشفافية. ووصف الثاني تلك العلاقة، أنها عشرة. وكان نزار قباني قد حرص على تكثيف تعاونه مع دار مدبولي، إذ أعطاها سبعة عشر كتاباً له، لطبعها في مصر، مشاركة معه. وخاطب الحاج مدبولي، معقباً على ذلك الخيار: «إن أموالي في جيبك أكثر ضماناً لي من البنك».
24 قضية
نهج ومبدأ أساسيان، وجها أعمال ورؤى مكتبة مدبولي، منذ البدايات. لكن تلك الركائز كلفت الحاج مدبولي الكثير من المعاناة والمتاعب. إلا أنها لم تثنه أو ترده عن مبتغاه. فطالما بقي القارئ جوهر الهدف وغاية العمل. وبذا رسخ إيمان المكتبة بحق القارئ العربي في الإطلاع على كل ما يُكتب، كميكانيزم موجه. ليكون له الحكم، بذلك، وفي نهاية الطاف، على شتى القضايا والأمور التي تحدث في مجتمعه.
وكان من نتائج تلك التوجهات، أن غدت المكتبة، خاصة في حقبة محددة، في موضع وموقف لا تحسد عليه، أكثر من مرة، لتصل محصلة القضايا التي زُج باسم المكتبة فيها، إلى 24 قضية.
ورغم أن جزءًا منها كان في عهد عبدالناصر، إلا أن الرجل (الحاج مدبولي)، لم يكن ليتراجع أو يتوانى، يوما، عن إعلان عشقه عبدالناصر. وهو كثيرا ما ردد وأكد، وفي شتى حواراته قبل وفاته، أن عصر عبدالناصر، تميز بأنه توافر على مساحة حرية أكبر من ما هي عليه في العصور التالية.
ظاهرة مصرية فريدة
يرى الكاتب الصحافي صلاح عيسى- رئيس تحرير جريدة "القاهرة" الثقافية، أن لمكتبة مدبولي قيمة تاريخية، كونها مكتبة لتوزيع الكتب وداراً للنشر. فهي من أوائل المكتبات التي حرصت على توزيع الكتاب العربي في مصر، مضيفاً أن المكتبة أتاحت للمثقفين المصريين قراءة الكثير من الكتب التي تُنشر في العالم العربي، خاصة في بيروت، حيث كان يصعب وصولها للقاهرة، ولم يكن هناك من يستوردها ويعرضها للبيع سوى مكتبة مدبولي.
ويشير عيسى إلى التحول الكبير الذي حدث في الوسط الثقافي العربي، حين شرعت مكتبة مدبولي، في نشر كتب تتعلق بالشؤون العربية والصراع العربي الإسرائيلي، فضلاً عن ما كانت تنشره للكتاب والمثقفين المصريين، في الوقت الذي قاطعت فيه دور نشر رسمية مجموعة من الكتّاب. إذ كانت تتولى هذه المهمة وتنوع إنتاجها بين المضمون البحثي الأدبي، والروايات والدواوين الشعرية والأعمال السياسية. كما تولت المكتبة، مهمة توزيع هذا الإنتاج.
شهادة
وعن الحاج مدبولي نفسه، يقول عيسى: «طالما بقي ويبقى مدبولي، بمثابة الظاهرة التي تدعو إلى الإبداع؛ لأنه شخص عصامي كان له ذوق خاص في اختيار الكتب والكتّاب الذين يراهن عليهم كناشر، معتمداً على فطرته السليمة للغاية. رغم أن مستواه التعليمي كان محدوداً».
ويصر عيسى، على أننا معنيون، وفي الوقت الحالي أكثر من غيره، بتوجيه رسالة شكر إلى الراحل الحاج مدبولي، مؤكداً دوره في مساعدة الكثير من الشباب الذين أصبحوا الآن من كبار المثقفين. إذ كان يراعي الظروف المادية لهؤلاء الشباب.
ويقول في هذا الصدد: «كان الحاج مدبولي يسمح لنا بأخذ الكتب ودفع ثمنها حين تيسر لنا الظروف ذلك، وهكذا فإنه ساعد كتاباً كثيرين من الذين أصبحوا الآن، في مصاف المشاهير.. إنه بحق، ظاهرة مصرية ذات طابع خاص، تكللت في أنه أصبح أكبر موزع صحف في العالم العربي، وأهم ناشر، يملك مكتبات في لندن ودول عربية أخرى.. ولا ننسى هنا أنه تفرع عن مكتبة مدبولي مجموعة دور نشر تابعة لأولاد أخيه».
أفضال لا تنسى
لا يتردد الكاتب والناقد، الدكتور محمد حماسة، في تقديره لأفضال مكتبة مدبولي، على جيل كامل من المثقفين المصريين والعرب. إذ طالما شكلت، في موقعها وسط القاهرة، مقصداً وعنوناً براقين لعشاق الكتاب والثقافة بصنوفهـا وحقولها.
ويضيف: «نشأ جيلنا وتثقف من خلال هذه المكتبة، حيث كانت تأتي لنا ببعض الكتب، التي يعز علينا الحصول عليها في المكتبات الأخرى خارج مصر، خاصة في المكتبات العربية.. ولا أبالغ أبداً حين أقول إنها أوجدت حركة ثقافية عالية المستوى، من خلال الكتب التي نشرتها، فأسست معها وعبرها، جيلاً كاملاً من المثقفين. ذلك رغم أن مؤسس المكتبة، الحاج محمد مدبولي، لم يكن يجيد القراءة والكتابة. لكنه، فعلياً، قاد نهضة ثقافية في الوقت الذي لم تقم فيه مؤسسات كبرى بمثل دوره».
رجل مهم بجلباب بسيط
ظل الحاج مدبولي متمسكاً بجلبابه المصري، البسيط، ذلك رغم كل النجاحات التي حققها بامتلاكه واحدة من أكبر المكتبات ودور النشر والتوزيع والطباعة، وشغله مكانة ثقافية واجتماعية مهمة. ولم يكن ليدع تلك المكانة والشهرة اللتين بلغهما، تبعدانه عن البساطة والتلقائية، والانهماك في هم الثقافة والفكر، بعيداً عن حب الظهور والزعامة.
انتقادات وتهديدات.. وتوجه ثابت لم يتوقف
لم يدع الحاج مدبولي، أياً من المواجهات والعوائق، تردعه عن مقتضيات مبدئه ونهجه في عوالم النشر. وهذا ما كلفه الكثير. ففي عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، وتحديــداً في 1991 صدر بحقه، حكم قضائي بالسجن مدة عام كامل؛ ذلك لتوزيعه كتاب «مسافة في عقل رجل»، لعلاء حامد، الذي رأت المحكمة أنه مسيء للذات الإلهية. ولم ينقذ الحاج مدبولي من تنفيذ الحكم سوى أصدقائه من المثقفين، الذين توسطوا لدى مبارك ليوقف تنفيذ الحكم.
وطالما تعرض الحاج مدبولي لانتقادات وتهديدات من قبل الجماعات الإسلامية، دافعها توزيعه كتب علمانيين، وفقاً لرأيهم، مثل مؤلفات: الدكتوره نوال السعداوي، والكاتب نصر حامد أبو زيد. إلا أن جميع تلك القضايا، لم تكن يوماً، لتفلح في إثنائه عن عزمه.. وهكذا تابع حرصه على الاستمرار في عطائه ضمن حقل الثقافة والمعرفة، بحرية كاملة، إلى أن توفي في العام 2008. وظلت مكتبته، بعده، قائمه ترفد الساحة الثقافية بأبرز المؤلفات، لتبقى تستكمل الدور الذي بدأه مؤسسها، الحاج محمد مدبولي.
كتب خاصة إصدارات 2013
تتابع مكتبة مدبولي تطوير مساقات عطائها في ساحة الفكر والثقافة في مصر والعالم العربي. وهكذا شرعت تنشر كتباً من نوعيات جديدة. ويمثل كتاب «صحوة شعب وحضارة أمة.. رؤيتي لعقد اجتماعي جديد»، للكاتب سامي الزقم، أحدث إصدارات مكتبة مدبولي لعام 2013 .
ويتحدّث عن ثورة 25 يناير. وهناك أيضا: «الربيع العربي.. ثورات لم تكتمل بعد علاقات العرب عبر العصور ومستقبلها بعد ثورات الربيع العربي» للدكتور مصطفى إسماعيل حسين، «تاريخ مصر من عصر مينا إلى ثورة 25 يناير 2011» لكريمة حسن الديب.
كتب ممنوعة
قدمت مكتبة مدبولي العديد من الكتب الممنوعة، خاصة في فترة ما بعد النكسة في العام 1967. إذ منعت، حينها، مجموعة كتب من قبل النظام الناصري. إلا أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر أتاح لمدبولي نشرها.
ومن هذه الكتب: ديوان "هوامش على دفتر النكسة" لنزار قباني، الذي حجب جميع الأغنيات التي قدمته للناس من الإذاعة المصرية. وكذلك نشر الحاج مدبولي أشعار أحمد فؤاد نجم. ورواية «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، بعد أن ظلت تطبع لسنوات في بيروت، من دون أن تكون متاحة في مصر، ذلك باستثناء مكتبة مدبولي.



