من يستطيع أن يقرأ اسم دار نشر «بنغوين» اللندنية العريقة ولا يتذكر طائر البطريق، بإطلالته الجميلة؟ وكذلك اللون البرتقالي؟

كثيرون اعتادوا على معرفة «بنغوين» على أنها علامة وشعار ممهور برمز: "البطريق الصغير" البارز على أغلفتها. وأيضاً باللون البرتقالي الذي اتخذته الدار نافذة جمالية بهية، تفتح معه أفق عوالم المعرفة بنكهتها وبواباتها التصميمية الجاذبة.

ارتكزت فلسفة هذه الدار العريقة، منذ البدايات، على فكرة نشر رواية عالية الجودة بتكلفة زهيدة، بحيث تكون صالحة للبيع في محطات السكك الحديد، وخاصة الروايات البوليسية الإنجليزية، مثل روايات أغاثا كريستي، التي من الممكن أن يستمتع القراء بقراءتها على متن القطارات اللندنية.

 في حين كانت المجلات الشعبية هي السائدة في تلك الأماكن، عند باعة السجائر والمتاجر الصغيرة. ومن ثم ظهرت أول كتب غلافها من الورق المقوى، تحمل شعار البطريق عن دار «بنغوين». ذلك في صيف العام 1935.

وسرعان ما لقيت هذه الفكرة اهتماماً كبيراً، إذ بدأ الجميع نشر كتب ورقية الغلاف. وبات هذا التوجه يحوز شعبية واسعة حول العالم. وانتشر هذا الأمر، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية.

وكانت هذه فكرة بسيطة للغاية. لكن آثارها كانت هائلة، كونها أتاحت الثقافة للجميع. وعلى الرغم من أن تلك ليست المرة الأولى التي تصدر فيها كتب بأغلفة ورقية، إذ كانت قد ظهرت طبعات بأغلفة رقيقة لأعمال كلاسيكية قبل عقود من ذلك.

ولكن منشورات «بنغوين» حظيت بأعداد هائلة من القراء. وباعت بنغوين ثلاثة ملايين نسخة في العام الأول، وهو العام الذي شهد ما يعرف بـ«الكساد الكبير». وحققت توسعاً جذرياً في حقل ترسيخ الثقافة الجماهيرية.

وكانت تكلفة الكتب تصل إلى نحو نصف الشلن فقط، أي ما يعادل علبة من السجائر. ولاقت هذه الطبعات تشجيعاً قوياً من كبار الكتّاب والأدباء، أمثال: جورج أورويل، وبرنارد شو. كما أن هذه الدار، أغاظت دور النشر الأخرى، لأنها شكلت منافسة كبيرة لها.

رؤية ونهج

جاءت فكرة تأسيس سلسلة بنغوين للنشر، إثر رحلة قام بها ألن لين، مؤسس الدار، مع أغاثا كريستي في عام 1934، وذلك عندما وقف معها على رصيف محطة إكستر للقطار، باحثاً عن كتاب جيد للقراءة، ولم يجد هناك ما يشد انتباهه. وفكرته تلك الملّحة، كانت تنحصر في إصدار كتب تباع بأسعار زهيدة، مثل علبة السجائر. وتمتلك بدورها، جاذبية خاصة.

وأعلن لين في سياق توضيحه توجهات الدار، "أن التصميم الجيد ليس أكثر كلفة من الرديء". وغدا ذاك القول نهجاً سار عليه الناشر منذ ذلك الوقت، مختاراً تصميماً بسيطاً، ومعتمداً على شبكة بألوان متعددة: البرتقالي للروايات، الأخضر للبوليسية، والأزرق للأعمال التي تتناول سيرة حياة الشخصيات المعروفة، والوردي لكتب الرحلات والمغامرات.

سمات وقاموس

إن الصرامة التي طبقت فيها الألوان، وكذا منوال الشكل على مطبوعات «بنغوين»، كانت من أسباب استمرارها. وفي خمسينات وستينات القرن الماضي، كان لوصول خبير الطبع الإيطالي جان تشيكولد والمدير الفني الإيطالي جيرمانو فاسيتي، تأثير كبير على تأكيد التصميم الخاص بدار «بنغوين»، خاصة تصميم الأغلفة لسلسلة أعمال شكسبير.

وكان دورهما كبيراً وحيوياً في تقديم التصميمات المتعلقة بالزخرفة والفنون التخطيطية. ولكن، في خلال مسيرتها، لجأت بنغوين إلى تغيير نمط أغلفتها من وقت لآخر، غاية رفع المبيعات من ناحية، وإحداث صورة جديدة لمطبوعاتها، تواكب الزمن.

ومن الأغلفة البرتقالية، إلى تلك التي تحمل كلاسيكيات الفن العالمي. وكذلك لوحات كبار الرسامين العالميين. وإلى وضع صور من الأفلام أو المسلسلات التلفزيونية المستوحاة من تلك الأعمال. كما أصبح اقتناء الطبعات المميزة بالنسبة للدار، مهماً للقراء العاشقين لتلك الأعمال.

ترويج محكم

ركزت دار بنغوين على تصاميم أغلفتها، بشكل حيوي، فاستقدمت وضمت إليها مصممين مبرزين في جميع مجالات الفنون: الأزياء، المعمار، والتصوير. ومن بين هؤلاء: مصمم الأزياء بول سميث، مصمم الأحذية مانولو بلانيك، المعماري رون أراد، المصور سام تايلور وود.

واختار كل من هؤلاء، الرواية التي يريد تصميم غلافها، فاختار بول سميث رواية «عشيق الليدي تشاترلي» للروائي البريطاني دي.اتش. لورنس، بفعل حبه الشديد للرواية. واختار بول غلافاً من القماش الأبيض، طرز عليه العنوان واسم المؤلف وباقة زهور ملونة.

أما مانولو بلانيك، مصمم الأحذية الشهير، فاختار رواية «مدام بوفاري» لغوستاف فلوبير، ليصمم لها الغلاف. ويقول بلانيك انه اختار الرواية لأن الشخصية الرئيسية فيها لا تستطيع السيطرة على مشاعرها.

وأضاف انه على غير عادته عند تصميم الأحذية، حين يرسم القدم والحذاء فقط، فإنه مع الغلاف قرر تخيل مشهد كامل للبطلة، يعكس شخصيتها اللعوب. وهو ما مثل تجربة جديدة لبلانيك، الذي يضيف أن ذلك «شيء جديد بالنسبة لي. ولكني تمكنت من أن أضيف إليها زوجاً من الأحذية، فهي ترتدي أحذية جميلة».

وبالنسبة للفنان البريطاني تايلر وود، الذي صمم غلاف سكوت فيتزجيرالد «رائق هو الليل»، اختار صورة بالأبيض والأسود، لشاب أنيق يضع يده في جيبه، عاكساً ملامح من شخصية البطل ديك درايفر.

ولكن المفاجأة هي في تصميم رواية «الأبله» للروائي الروسي فيودور دوستويفسكي، التي لا تحمل أي غلاف على الإطلاق. فغلافها هو الصفحة الأولى من الرواية، ويقول عن ذلك مصمم الغلاف، رون أراد: «الكتاب يصبح أكثر شفافية بهذا الشكل. إنه يتحول إلى أثر قديم داخل غلافه البلاستيكي».

واللافت أنه قررت دار بنغوين نشر 1000 نسخة من هذه الأعمال بالأغلفة الجديدة، في مجموعة محدودة، تباع كل نسخة منها بـ100 جنيه استرليني.

قضية ومحاكمة

قبل خمسين عاماً، أصدرت محكمة بريطانية قرارها ببراءة دار بنغوين من تهمة ترويج المجون والفحشاء، في قضية رواية دي. ايج. لورنس: "عشيق الليدي تشاترلي". ولا تزال أصداء هذا القرار تتردد في الأوساط الأدبية، بسبب الانقلاب الذي أحدثه في المشهد الثقافي البريطاني.

ولم تكن لأي من أنماط هذه القضايا آثار اجتماعية وسياسية، تضاهي النتائج التي ترتبت على محاكمة دار بنغوين في عام 1960، في قضية عشيق الليدي تشاترلي. ويقول الكاتب دومنيك ساندبروك في هذا الصدد، إن دور القرار الذي أصدرته المحكمة لصالح دار بنغوين في تحديد شكل بريطانيا في القرن الحادي والعشرين، يفوق دور مئات السياسيين مجتمعين.

ويعتبر القانوني جيفري روبرتسون، أن الحكم كان خطوة حاسمة نحو حرية الكلمة المكتوبة، ولكن محاكمة الرواية، مثلت المعركة الأولى، ذات الدلالة الرمزية، ما بين القوة الأخلاقية لليبرالية الإنجليزية والعصا الغليظة لمن سماهم جورج اورويل :"أصحاب السراويل المخططة الذين يمسكون مقاليد السلطة".

وكانت إجازة الرواية بقرار من المحكمة، إشارة البدء لمعارك أخرى، تكللت بالانتصار في مضمار حقوق الإنسان، منها: حق الإجهاض، إلغاء عقوبة الإعدام، رفع الرقابة على المسرح، إصلاح قوانين الطلاق.

وحتى صدور الحكم لصالح دار بنغوين في 27 أكتوبر 1960، كانت عقوبة السجن مسلطة على ناشر أي كتاب مشكوك باحتوائه على المشاهد الإباحية. وكانت تلك انطلاقة جديدة في عالم النشر ضد تسّلط الرقابة. وتربى جيل كامل على مطبوعات "بنغوين"، حيث كانت الرفوف مشهداً مألوفاً عند جيل الستينات من القرن الـ20.

تميز

رخيصة وخفيفة

تتركز الرؤية الرئيسية لأعمال وتوجهات بينغوين، على إنتاج كتب رخيصة وخفيفة. ومثلت الكتب التي كانت تنشرها في هذا الإطار والنهج، مساق تشجيع

وتحفيز للكثيرين من ذوي الدخل المحدود، على المطالعة. وهو ما أطلق الكتاب في جميع أماكن المسافرين. بل إنه شجع على القراءة التي أصبحت جزءاً من عادات الإنجليز. وتؤكد الشهادات والآراء، أن الناس لا تزال تجمعهم علاقة حب بالكتب في شكلها الورقي المادي.

 مشاهير في "بنغوين"

نشرت «بنغوين» للكثير من مشاهير الكتّاب باللغة الإنجليزية. وكان أولهم: ارنست همنغواي وأغاثا كريستي وجورج اورويل وبرنارد شو. وهو ما عزز مكانتها كدار نشر كلاسيكية جادة.

ولا تتوقف دار "بنغوين" عن الإبداع والتجديد. إذ أعادت إطلاق مجموعة الكلاسيكيات الحديثة، وبدأتها بكتاب «الأوديسة» لهومر، الذي كان باكورة مطبوعاتها في عام 1946. كذلك أطلقت مجموعة جديدة من الكلاسيكيات الحديثة، التي ضمت إليها الكثير من الأعمال المعاصرة، مثل: «شيفرة دافينشي» لدان براون، وذلك في مجموعة أطلق عليها: «رد كلاسيكس».

75 عاماً وحكاية الريادة لا تعرف السكون

لا يزيد تقادم السنوات، "بنغوين"، إلا شباباً وألقاً وحضوراً مؤثراً في ساحات الفكر والثقافة، على امتداد العالم. وها هي الدار، تنخرط، بقوة، في مساقات النشر الرقمي، بشكل موجه ومنهجي، محققة بذلك امتداداً لريادة مشروعاته.

وكان لافتاً، تميز احتفالها في العام 2010، بمرور 75 عاماً على إنشائها، إعلانها جملة تطويرات وتحسينات في أعمالها ورؤاها. وكانت قد شهدت مدينة بريستول البريطانية، في العام المذكور، احتفالاً شارك فيه جمع من الأكاديميين ومقتني الكتب النادرة وهواة المطالعة، وقد نظم الاحتفال بمرور 75 عاماً على تأسيس دار بنغوين للنشر، إذ تعد المدينة مقر انطلاقتها. وحضر الاحتفال، أبرز الناشرين والأدباء والكتاب، في بريطانيا والعالم.

وأوضح سايمون اليوت، بروفيسور تاريخ الكتاب في جامعة لندن، في الحفل، أن الفكرة كانت تتركز على إنتاج كتب رخيصة وخفيفة، وان كتب بنغوين التي كانت تنشرها بهذا الشكل، شجعت كثيرين من ذوي الدخل المحدود، على المطالعة.

 برسيتول - بنغوين وحدة حال

يضم أرشيف بنغوين، الذي يوجد في جامعة بريستول، كل ما أصدرته الدار من كتب، إلى جانب كنز من المواد الأخرى عن عملها، من دفاتر حسابات إلى رسائل بين المؤلفين ومحرري الدار ومئات من الوثائق القانونية. ويرى متخصصون كثر، أن بنغوين، غدت تمثل، حالياً، جزءاً من تاريخ مدينة بريستول، مسقط رأس مؤسس الدار ألن لين.

ونقلت صحيفة الغارديان، عن ألن لين، قوله ذات مرة، إن جيل الشباب لا يعرف دار بنغوين، في حين "أننا تربينا مع كتبها التي كانت مشهداً مألوفاً. إذ يمكن التعرف عليها فوراً على رفوف الكتب، في أي مكتبة من العالم".