لا تنفصل رؤى الحرص على الإبداع الحر والفكر النير عن عوالم النشر والانشغال في تقديم كتاب نوعي إلى القارئ، وبينما تذكر دار الشروق للنشر والتوزيع، في مصر، التي لا تنفك تضع مسألة دعم القراء والكتاب، هدفاً محورياً، معتنية بتحمل المسؤولية كاملة، ضمن سياق ترسيخ أطر النهوض بمستوى الثقافة العربية..

هكذا، وبفضل تلك المرتكزات، نجحت الدار، وبفضل امتلاكها آليات عمل متقنة، في تحقيق إنجازات مهمة، استطاعت معها، إمداد الساحة الثقافية بكتب تثقيفية وإصدارات متميزة، يسندها برامج تسويقية متطورة.

وبذا غدت، بفعل ما قدمته من ممارسات في الحقل، أنموذجاً متقدماً، مهماً، على صعيد حرفة النشر والتوزيع. وكذلك نظراً للأسماء والمؤلفات التي قدمتها إلى الساحة، وكذا الإنجازات التي حصدتها. إذ بات ينظر إليها الكثير، على أنها دار نوبل العالمية ورافد البوكر العربية.

يجمع متخصصون في مجالات النشر، على أن دار الشروق تمكنت، باقتدار، من صوغ مفاهيم جديدة في صناعة النشر العربي، لم تكن موجودة من قبل. إذ إنها من أوائل دور النشر التي احترمت حقوق الملكية الفكرية وشراء الحقوق من ناشرين أجانب. ويضاف إلى ذلك نجاحها في بيع حقوق نشر العديد من كتبها العربية، إلى اللغات الأجنبية، كالإنجليزية والفرنسية والألمانية والكورية والتركية.

وأفلحت، كونها الأبرز على الساحة الدولية، في نسج علاقات وثيقة مع كبريات دور النشر العالمية، في دول العالم كافة، مثل: أميركا وبريطانيا وفرنسا وهولندا وأسبانيا وإيطاليا واليابان. ومن بين تلك الدور: أكسفورد، ماكملان، سكولاستيك.

ريادة

يتابع القائمون على الدار، التأكيد، بشكل نظري وفي أوجه ترجمات عملية متنوعة، على أنها صاحبة رسالة قيمة راقية، ترمي في ظلها إلى رفد المخزون الثقافي والحضاري الإنساني. واستطاعت بفعل هذا التوجه، تحقيق الريادة في نجاحاتها بقطاع النشر. ذلك بأشكال عديدة.

وهذا طبعاً، من دون أن تغفل تقديم منتج فكري غني، قوامه فرادة المحتوى وتنوع مساقات وألوان فنون الأدب والثقافة، التي تعنى بتولي مسؤوليات تقديمها، ذلك من غير أن تغفل عن عكس وتجذير قيم ومفاهيم العمل بموضوعية، مع الاقتداء بالوسطية والتركيز على قبول الآخر، غاية إحداث أرضية مجتمع متحضر منفتح في فكره ورؤاه.

حكاية فرادة

تنفرد دار الشروق، بأنها نشرت مؤلفات أبرز شخصيتين فكريتين في العالم العربي، حصدتا جائزة نوبل، في الأدب: نجيب محفوظ - 1988. وفي الكيمياء: أحمد زويل 1999. كما ارتبط اسمها بكثير من الكتاب، الذين حصلوا على جائزة البوكر العربية، كبهاء طاهر ويوسف زيدان.

مواكبة دائمة

لم تكن دار الشروق لتتخلف، يوماً، عن مواكبة أبرز وأحدث التطورات المهنية في فضاءات النشر. وبذا بقيت سباقة في الأخذ بأي منجز جديد، على هذا الصعيد. فحصلت على حقوق النشر الرقمي لكبار الكتاب، كنجيب محفوظ ومحمد حسنين هيكل والشيخ محمد الغزالي وآخرين. إضافة إلى تأسيسها شركة إعلامية لإنتاج البرامج الوثائقية.

إذ كانت باكورة إنتاجها فيها، حلقات مع الباحث والصحافي محمد حسنين هيكل، بثت على قناة الجزيرة التلفزيونية، وتركت صدى ونجاحاً كبيرين، ومن ثم طرحت في على أقراص DVD، ذلك استكمالاً لحلقات بيع المنتج الثقافي، في صوره المتعددة، خاصة في ظل توسع مفهوم النشر ليشمل وسائل رقمية جديدة.

المعلم

تتنوع أشكال إسهام دار الشروق في إذكاء مشروعات تطوير أعمال النشر، ذلك بصفة مؤسساتية وفريدة، في آن واحد. وبذا بذل مديرها، محمد المعلم، جهوداً بارزة في أعمال تأسيس اتحاد الناشرين المصريين. إذ توجت إسهاماته في هذا الصدد، بجعل الاتحاد ينال مكانته ودوره، بفاعلية وتأثير، ما أفرز تعزيز مساقات الارتقاء بالثقافة العربية، عامة.

وكذا مواكبة تطورات المهنة وإضفاء تجديدات تلائم روح العصر. وانتخب رئيساً لاتحاد الناشرين المصريين والعرب، دورات عديدة. كما كان لافتاً، تركيزه على ترسيخ توجهات الدار في مجال النشر الرقمي في العالم العربي.

ونجح في جعل الاتحاد، بعد غياب عن الساحة الدولية لـ 104 أعوام، عضواً فاعلاً في اتحاد الناشرين الدولي، ومن ثم انتخب، أخيراً، عضواً في اللجنة التنفيذية ضمنه.كذلك اختير من قبل اتحاد الناشرين الدولي، عضواً في لجنة حرية النشر والتعبير.

بداية قوية

يسرد مصطفى الفراماوي، مدير تزويد مكتبات دار الشروق، ومضات في محطة تطورها وارتقائها، يبين معها، أن الدار أخذت على عاتقها، منذ البدايات في النصف الأول من القرن الماضي، الالتزام برسالة الثقافة الرزينة البناءة، بجانب التركيز على قيم العمل الفكري الاجتماعي. وبذا، حسب الفراماوي، كانت وتبقى صاحبة رسالة ثقافية سامية.

ويضيف: "حصدت دار الشروق، نتيجة سياسات ورؤى عملها تلك، العديد من الجوائز العالمية والعربية والمحلية، في مجال النشر، كجائزة الآفاق الجديدة، عامي 2000 و2002، من معرض بولونيا لكتب الأطفال، الذي يعد أهم وأكبر معرض لكتب الأطفال في العالم.

وكذا حصلت عام 1982 على جائزة ليبزيغ في الإخراج والرسم والطباعة.. وعلى مدى ثلاثين عاماً، شاركت في الكثير من معارض الكتب العربية والعالمية. وهي تصنف كأول دار نشر مصرية تشارك في أهم وأكبر معارض العالم: (معرض فرانكفورت)، كذلك في معرض بولونيا".

اتجاهات

يؤكد مدير تزويد مكتبات دار الشروق، تنوع مجالات الكتب التي تنشرها الدار، لتشمل شتى المجالات: السياسي والثقافي، العلمي، الفني، الفلسفي، الديني، عالم الطفل، كل العلوم الاجتماعية. ويوضح أن الكتب الأدبية والروايات والمجموعات القصصية والشعر، هي الأكثر رواجاً، لدى الدار، قبل الثورة، أما بعدها، فالإقبال تحول إلى الكتابات السياسية والتاريخية والقانونية.

أطر تطوير

يشرح مصطفى الفراماوي، منوال ومحطات، تطوير وتجديد دار الشروق: "كان لدينا، في عامي 1987 و1988، فرع وحيد في ميدان طلعت حرب، أما في العام 2000، فأصبحنا نملك عشرات الفروع، منها: المهندسين، الزمالك، طلعت حرب، مصر الجديدة، مطار القاهرة، الإسكندرية، ستي ستارز.. ونعتني، في جميع تلك الفروع، أن نعرض لزبائننا، بشكل أسبوعي، الكتب الأكثر مبيعاً. كما نرشح لهم كتباً عديدة، ونمنحهم بطاقات عليها خصومات، لنوفر لهم منتجاً ثقافياً يلبي احتياجاتهم الثقافية، ويحفظ مدخراتهم من الهدر.

وذلك علاوة على تنظيم الندوات وحفلات توقيع الكتب. إن جهودنا في الصدد، تمثل إثراءً للثقافة، ووسيلة للجمع وتوفير أجواء اللقاء، بين الكتّاب وقرائهم. وهي أيضاً، مناسبات وفرص جيدة لتقديم تحليل أدبي وافٍ للقصص والروايات التي يبدعها هؤلاء الكتاب".

اتجاهات وتنوع

يوضح أستاذ الأدب المقارن في جامعة القاهرة، أحمد عتمان، أهمية الدور الثقافي لدار الشروق، كونها تعتني بنشر كتب الاتجاهات الحديثة في الأدب، وتتنوع إصداراتها بين الفلسفة والدين والأدب والفن والسينما. وكل هذا التنوع، برأيه، يثري الثقافة العربية، ودعم ذلك قدرتها على مواجهة تحديات السوق، ذلك رغم تعرضها للخسارة في أحيان كثيرة.

ويتابع: "أشجع القائمين على الدار لمتابعة هذا النهج، والحرص على تطوير مسيرتها الثقافية، وأحثهم على ضرورة إعادة طباعة ونشر الكتب التراثية القديمة والمخطوطات النادرة، حتى تقوم بدور تكاملي، ذلك مع مشروعات الأحياء الثقافية القديمة، كصور الأزبكية. فلا شك أنهم يغامرون في سوق ثقافية مليئة بالتحديات في زمن الفضاء الإلكتروني".

ويلخص عتمان رأيه وانطباعاته بشأن الدار: "إنها خزانة للمعرفة، كونها بمثابة كنوز ثقافية، هي وغيرها من المكتبات التي على شاكلتها، فدوماً لا غنى لأي مثقف عن المكتبة، على الرغم من ما يتيحه لنا الفضاء الإلكتروني، وهنا نجد "الشروق" ومثيلاتها، تعزز من أهمية الكتاب للقراء، وتؤكد أن دوره الثقافي أبدي، ذلك خاصة وأنها تلبي طلبات واحتياجات المثقف بالماهية التي يريدها..

وأريد أن أشير هنا، إلى أنني أغضب كثيراً عندما أرى المكتبات في وسط البلد، تحوّلت محال أحذية. وكأن عقول الناس تحولت إلى أقدامهم. كما أن اللافت لدى دار الشروق أنها تشجع الشباب على القراءة، من خلال تقديم العروض المغرية للشراء، وتقديم كاتب القصة أو الرواية، في ندوات ثقافية أو حفلات توقيع الكتب.

فتلك وسيلة التقاء مثمرة معرفياً وفكرياً؛ لأنها بذلك كسرت الحواجز الجغرافية والثقافية بين القارئ والكاتب. وتبقى ميزتها، أنها تعرف جيداً احتياجات ومتطلبات السوق، وتنشر الجديد والمثير من الكتب، دون أن تجعل الهدف التجاري أولوية تقصي جميع الاعتبارات الأخرى.

دور مزدوج

يوصف الناقد الأدبي، صالح السيد - رئيس مجلس إدارة جريدة أبناء الشرق، أهم سمات دار الشروق، من وجهة نظره: "إن أهم ما يميز دار الشرق، إعادتها طباعة الكثير من كتب كبار المشاهير، كعبدالرحمن الشرقاوي . وهذا غير الإضافة المرتبطة بدعم وشهرة الكثير من الكتّاب الذين لم تتح لهم فرصة الظهور والشهرة، كمكاوي سعيد.

وهذا لا يحجب حقيقة انه تعامل معها كبار الأدباء والمفكرين في مصر والوطن العربي، وهو ما يشكل إضافة ثقافية تحسب لها. ذاك إلى جانب ارتقائها بطبيعة المنتج الثقافي من حيث الشكل والإخراج والألوان والطباعة والورقة، كما أضفت عليه شكلاً جمالياً يليق بمنتج ثقافي راقٍ ينافس الروايات العالمية. وأود هنا أن ألفت إلى أن انتقاد البعض لهم، لأسعارهم، لا أجده صائباً، فأسعارهم تماثل أسعار الكتب في مختلف الدول العربية".

البدايات

1968

تأسست دار الشروق في عام 1968 على يد أحد رواد النشر الحديث، محمد المعلم، الذي بدأ مسيرته في أوائل الأربعينات من القرن الماضي، إذ استهلها بنشر كتاب علمي مبسط للعالم الفيزيائي مصطفى مشرفة. وكانت تلك بداية قوية ساعدته على استكمال مشواره الثقافي الرائد، وشاركه في تأسيسها إبراهيم المعلم الذي ساهم في توسيع النشاط الثقافي لها، ليس في القاهرة فحسب، بل في بيروت أيضاً، حتى أصبحت من أهم دور النشر في مصر والوطن العربي. وسميت بداية "دار القلم".

واللافت أنه تتنوع أشكال إسهام دار الشروق، حالياً، في إذكاء مشروعات تطوير أعمال النشر، ذلك بصفة مؤسساتية وفريدة، في آن واحد. إذ كان قد بذل مديرها، محمد المعلم، جهوداً بارزة في تأسيس اتحاد الناشرين المصريين. وتوجت إسهاماته في هذا الصدد، بجعل الاتحاد ينال مكانته ودوره، بفاعلية وتأثير، ما أفرز تعزيز مساقات الارتقاء بالثقافة العربية، عامة. وكذا مواكبة تطورات المهنة وإضفاء تجديدات تلائم روح العصر. وانتخب رئيساً لاتحاد الناشرين المصريين والعرب، دورات عديدة.

 موئل فكري يجمع عراقة الإنجاز والألق المتجدد

 حرصت دار الشروق، منذ البدايات، على جعل رؤى النشر لديها، محكومة بالقيمة والدور الجدي. وبذا استطاعت استقطاب أهم المؤلفين، وكانت الخيار الأمثل بالنسبة للمؤلفات ذات النوعية الفريدة. وتوجت مسيرتها في هذا الصدد، بأنها غدت الدار العربية الوحيدة التي نشرت كتباً فازت بجائزتي نوبل العالمية، والبوكر العربية. كذلك نشرت دار الشروق لكبار الكتاب والأدباء، مثل:

أنيس منصور، محمد حسنين هيكل، بلال فضل، علاء الأسواني، سيد قطب، توفيق الحكيم، محمد السلماوي، عبدالوهاب المسيري، صلاح عبدالصبور، فاروق جويدة، جمال الغيطاني، محمد سيد طنطاوي، محمد سليم العوا، أحمد كمال أبو المجد، عبدالوهاب مطاوع، محمود شلتوت، أحمد بهجت، الشيخ محمد الغزالي، يوسف إدريس، إبراهيم عبدالمجيد، إبراهيم أصلان، محمد عمارة، نجيب محفوظ، طارق البشري، بطرس بطرس غالي.

 محتوى ثقافي راق بروح شبابية

 تؤكد دار الشروق، حرصها على تجديد مضامين عملها، ومحتوياتها الفكرية، وضخت دماء جديدة في طبيعة محتوى الكتب لديها، عبر تقديم مؤلفات لكتاب شباب، كأحمد مراد صاحب فيرتيجو وتراب الماس، وغادة عبدالعال، وحلمي التوني. وغيرهم الكثير. وهكذا أرضت جميع الأذواق الثقافية، كما أفلحت في التنويع بالإصدارات بين الأجيال، الماضية والحالية، ذلك في مزيج راقٍ لا يخلو من الفكر والتنوير والثقافة.