طاولات مبعثرة على كامل مساحة المقهى الصغير. رفوف كتب تعانق جدرانه، تعري الكلمات وتجعلها في متناول عشاقها. ونادلات بلباسهن القصير وشعورهن الشقر، يتسابقن في تلبية طلبات زبائن ينهمكون في البحث والتفتيش، لاختيار الكتاب الأفضل، الذي سيكون رفيقهم بـ"مقهى الكتاب".

 إن تلك المفردات، ليست توصيفاً سوريالياً، أو أنها نوع من التخيل القصصي. إنما هي، فعلياً، حكاية وحال مقهى شهير في عاصمة الأنوار، باريس، يمثل أحد مقاهي الكتب التي تعد على أصابع اليد، حيث ظهرت، خلال السنوات الأخيرة، مزاوجة بين المكتبات والمقاهي. ومنها: "لو كافي ليفر"، الموجود في الدائرة الباريسية الرابعة

إنها أماكن متعة وتثقيف، فريدة. غدت علامة فارقة مميزة في باريس. ففيها تذوب رومانسية الكلمات بخفة ولذة أطباق المائدة الفرنسية. واللافت أنها تلقى إقبالاً كبيراً، وسط الفرنسيين المولعين بالمطالعة، وحتى بين السياح والأجانب الذين يعتنقون الفكرة، شيئاً فشيئاً. إذ صاروا يجيؤون من أجل خصوصية المكان، التي لا يجدونها في أي مكان آخر.

تنميق وتزويق وقيمة

آراء وتخمينات كثيرة، تطرح حول جذر فكرة هذه المقاهي، وأصلها. لكن الثابت أنها أصبحت موضع تقدير وثناء من الجميع. إلا أن هذا لم يحل دون متابعة البعض، السؤال عن أساس نشوئها. وهكذا أطلقت تفسيرات وتحليلات كثيرة. فمنهم من يعتقد أن الفرنسيين أخذوها من البريطانيين، المولعين بدورهم، في القراءة والديكور.

وفي العموم، يبدو أن الفرنسيين، أجادو وأبدعوا في تطوير وتنميق هذا المذهب الثقافي الترفيهي، وذاك الابتكار العذب. فغدو يطورون الفكرة ويجملونا، إلى أن بلغت مستوى ارتقاء مميزاً، بات بمقدور الزبون معها، خلال زيارته المكان، أن يحظى بخيارات انتقاء قرائية، متنوعة، تهيؤها له مجموعة رفوف من الكتب والمجلات، تشكل قوام مكتبات قيمة، تزين محيط أركان هذه النوعية من المطاعم والمقاهي، ومن ثم ليكون قادراً بهذا، على الاستمتاع بالقراءة والمطالعة، بينما هو يرتشف كوب القهوة، أو أثناء تناوله طبق الطعام فرنسي.

شعبية هائلة

حلة بهية جميلة يكتسي بها "مقهى الكتاب" أو "لو كافي ليفر"، الموجود في الدائرة الباريسية الرابعة، إحدى أنشط أحياء العاصمة باريس ثقافياً وترفيهياً، المعروفة بازدحام مقاهيها ومعالمها، ليل نهار، حيث تضم: مقر بلدية باريس "أوتال دو فيل"، مركز جورج بومبيدو، برج سان جاك، وشاتلي لي آل.

منذ نحو خــمس سنوات، يسكن "لو كافي ليفر" الدائرة الباريسية، وصيته ذاع بين الباريسيين، بفضل الأجواء الخــاصة التي تنبعث منه. وهــكذا صار كثيرون يفدون إليه، من أجل الاستمتاع بجلسات شرب القهوة، المــمزوجة بطــعم الثقافة، إذ بمقدورهم القراءة من الكتب المصنفة على رفوفه، وكذا متابــعة فعالـيات جلسات القراءة التي تنظم فيه، بين الحين والآخر.

قصة البدايات.. وأسرارها

"كانت فكرة توفير الكتب في المقهى، في البدايات، ترمي إلى إيجاد ديكور بانورامي، جاذب. لا أكثر". هذا ما يؤكده مالك "لو كافي ليفر"، هيري كريستوف، في استهلال حديثه عن المقهى.

ونجاحاته ونمطه. ويضيف: "انطلقت تلك الفكرة بفضل نصيحة مهندس كنت قد كلفته بإنجاز ديكور المقهى - المطعم، لأننا كنا نريد إحداث جو عائلي يجعل الزبائن يشعرون وكأنهم في بيوتهم. وذلك بان نوفر: طاولات مصنوعة من الخشب، مدفأة، مكتبة مصنفة فيها الكتب القديمة والجديدة، جناح للأطفال، طعام فرنسي من النوع الذي كانت تحضره أمهاتنا وجداتنا في السابق".

يتابع كريستوف سرد تفاصيل حكايات البداية في عمل هذا المقهى، مشيراً إلى كيفية تحوله إلى هذا الطابع: "بعد أيام قليلة على افتتاح المقهى - المطعم، شرع زبائننا يجلسون فيه بأريحية تامة. وباشروا يتصرفون وهم جالسون ضمنه وكأنهم في بيوتهم. وبذا أخذوا يتعمدون التفتيش في أرفف الكتب الموجودة، وانتقاء أحد المؤلفات.

ومن ثم جلبه إلى الطاولة التي يجلسون عليها، ثم بدء قراءته بينما يرتشف كل منهم قهوته، أو يتناول طعامه. وطفقوا يقرؤون تلك الكتب في المقهى، فرادى أو جماعات. وبرزت هنا مسألة جديدة، مهمة. إذ عمدت مجموعة من الرواد، إلى جلب كتب جديدة، لتثري بها مكتبة المقهى".

إذاً. لم تكن شاكلة المقهى ونمطه هذا، مرسومين ومخططين على هذا النحو. إلا أن أطوار القصة الخاصة به، وتبدلات الحال ضمنه، جعلته يتمظهر في صورة مغايرة، فريدة وجاذبة. ومن ثم لتتطور العلاقة بينه وبين زبائنه، سنة تلو الأخرى، ليأخذ الكتاب، فيها ومعها، مكانة حيوية مهمة، لدى الزبائن. ومن بين هؤلاء، السيدة موريال، التي اعتادته، أو حتى أدمنته، كما تقول، منذ نحو عام.

حيث تسكن في دائرة باريسية بعيدة، لكنها حريصة على أن تأتي إليه، في كل مرة تتيح لها أجندتها ذلك. وترى موريال (49 سنة) أن "لو كافي ليفر"، مكان جميل ومثير جداً، مؤكدة أن الكتب الموجودة فيه كانت سبب تعلقها به، فهي مولعة بالمطالعة، خاصة الأدب الفرنسي، والذي تتوافر مؤلفاته بكثرة، على رفوف المقهى.

كما أن الأجواء في المقهى، تجعلها تشعر وكأنها في بيتها. وتقول في هذا الخصوص: "اكتشفت في هذا المقهى كتباً لم أجدها حتى في المكتبات العمومية، بعضها قديم يذكرني بطفولتي، كما أن المكتبات في باريس مزدحمة، خاصة في نهاية الأسبوع، لذلك آتي إلى هنا لأعمل وأطالع، وأتمتع بطبق شهي كذلك.. إنه أمر نادر جداً أن نجد كتباً في مقهى أو مطعم، تلك متعة كبيرة تبعثها لذة اقتسامنا المطالعة والحديث عن الكتب والمؤلفات مع الأصدقاء، حول مائدة شهية، ففي المكتبات يمنع الحديث أو الأكل".

موئل السياح

ديانا وغينتار، سائحان سويسريان، لا يوفران أي فرصة يتيحها وقتهما، لزيارة المقهى. وهما يزورانه، كما يشيران، للمرة الثالثة. وهما حريصان، طبقاً لما يقولانه، على أن يزوراه فـــي كل مرة يقدمان فيها إلى باريس. توضح ديانا رأيها حول قيمة المقهى وأهميته بالنسبة لها:

"ترك هذا المكان، بصمته في قلوبنا. ذلك منذ المرة الأولى التي جئنا إليه فيها، قبل سنتين، إذ شعرت بحنين إلى طفولتي، لأنه ذكرني بمقهى قديم أغلق أــبوابه اليوم في سويسرا، كنت أذهب إليه مع جدتي التي كانت تصطحبي لقراءة بعض كتب الأطفال".

من جهته، يشرح غينتار أسباب تعلقه بهذا المقهى: "الكتاب هو تغذية للفكر والروح، وأن تستطيع التمتع به في جو عائلي كهذا، أمر رائع. أنا لم أشاهد هذا من قبل. واصطحبنا معنا هذه المرة، ابنتنا ذات التسعة أشهر. سنقرأ لها كتاباً للأطفال باللغة الفرنسية، من مكتبة المقهى. نعلم بأنها لن تفهم منه شيئاً، لكن، على الأقل، عندما تكبر، سنذكرها يوماً أننا اصطحبناها إلى هذا المكان الجميل، لعل ذلك يقوي من رغبتها في قراءة الأدب الفرنسي. وتعود هي كذلك يوماً، لتقرأ كتاباً لأبنائها في المكان ذاته".

9000 كتاب

يضم "لو كافي دو ليفر"، المفتوح على مدار أيام الأسبوع، أكثر من 9000 كتاب. والنسبة الغالبة بينها، هي من كتب الأدب الفرنسي. وبعض المؤلفات الموجودة فيه يشترى من أسواق الكتب القديمة "لي بروكونت". أما الآخر، فيقدمه الزبائن من مكتباتهم الخاصة، والقسم الثالث تهديه دور نشر فرنسية مشهورة ومبتدئة.

وبين الحين والآخر، يتيح صاحبه المجال لمحبي القراءة، كي ينظموا جلسات قراءة جماعية، يقوم عليها كتاب أو أشخاص عاديون، ربما لا تجمعهم المهنة نفسها. ولكن يربط بينهم الكتاب..إذ يجري النقاش، بعدها، حول القصة في الكتاب، وأيضاً اللغة المستعملة وجمالية كلمات المؤلف.. والعملية يحتمل أن تدوم دقائق قليلة، أو تستمر ساعات متأخرة من الليل.. إنها متعة تذوب فيها الكلمات على طاولة تحليها أطباق فرنسية لذيذة.

 مقهى الكتاب.. عوالم الفكر ومتعة الترفيه

 يتميز "لوكافي ليفر" في العاصمة الفرنسية، باريس، أنه من المقاهي القليلة المفتوحة على مدار الأسبوع. وهو ما يتيح توافر جملة سمات إيجابية تمده بالقدرة على احتضان رواد من نوعية خاصة، وبالتالي، استطاعته نسج وشائج علاقات عميقة معهم. فمن يفد إليه، مؤكد أنه يفضله إلى درجة التعلق، ليجعل بهذا، إجازة أو ساعات نهاية الأسبوع، بالنسبة لهذا الزائر، ممزوجة بنكهة خاصة.

إذ يختار معها أن ينحاز لأوقات ترفيه هادئ في حضرة جماليات الكتاب. وكان البارز، تعمد إدارة المقهى، إدخال مجموعة تحسينات وتطوير، أصبح معها يرفل بحلة بهية، ويمتاز بأشكال تنظيم محكم. وهو ما غدا يجعل الإقبال عليه كبيراً، تحديداً في نهاية كل أسبوع، ليحظى الزائر، بمتعة الجلسة والقراءة.

وذلك أن الكتاب، بداية، وسيلة جمالية لديكور المقهى لا غير. ومن ثم تحول ضمنه، بعد أسابيع.. ثم أشهر، إلى عامل أساسي لجلب الزبائن، حتى انه اشتق اسمه منه: "لو كافي ليفر"، أي: "مقهى الكتاب". والبارز أن كثيراً من الزبائن الذين يعملون في محيط المقهى، يأتون لتناول الغداء فيه، قبل أن يعودوا إلى ملفاتهم وعملهم، بعد أن يكونوا قد حلقوا في فضاءات فكرية ممتعة.

 الثقافة والتجديد صنوان في باريس

 لا تعترف عاصمة الأنوار، باريس، بحدود معينة لأنواع التطوير في مضامين العمل الثقافي الاجتماعي، وأشكال تجليات أنشطته. فلا تنفك تبتدع، كونها عنواناً فكرياً لامعاً، وبفضل طبيعة وسمات أهلها، ألواناً شتى في حقل آليات جذب الناس إلى القراءة. وهكذا، وعقب أن عرفت المقاهي فيها، منذ زمن بعيد، كأحد أبرز مطارح القراءة. ها هي في تجليات صور نمط مقاهي الكتب الحديثة، تغدو مكتبة في مقهى.

 هيري كريستوف:

تبرع الزائرين ودور النشر وعمليات الشراء مصادر أساسية للكتب في المقاهي

موريال:

اكتشفت في "لو كافي ليفر" كتباً لم أجدها حتى في المكتبات العامة.. إنه يوفر مناخات نوعية بعيدة عن الازدحام وفيه أتمتع بطبق شهي وأنا أقرأ

ديانا:

ترك المقهى بصمته في قلوبنا منذ المرة الأولى لزيارته قبل سنتين ومعه شعرت بحنين إلى طفولتي

غينتار:

اصطحبنا معنا هذه المرة ابنتنا ذات التسعة أشهر لنقرأ لها كتاباً للأطفال باللغة الفرنسية من مكتبة المقهى