في حضرة الكتاب يحلو الصمت، وفي غرف الأدباء والشعراء تحديدا، يتألق هذا الصمت مع شموخ وأناقة المكتبة المنزلية، التي تصطف على أرففها الكتب، كما تتناسق وتنتظم الأفكار والمشاعر والتجارب بين أسطرها. فتكون ونيس الوحدة ورفيق الغربة وغذاء العقل والروح، لتتوحد مع صاحبها في لحظة تأمل، وتصبح تحفة فنية لا يكتمل المنزل من دونها، ولا تتنفس جدرانه في غيابها.

لكل أديب وشاعر حكاية عشق تجمعه بمكتبته الخاصة، ما يجعل منها بطاقة هوية تعكس ملامح شخصيته، فمع كل كتاب قصة، ووراء اختياراته رغبات عبرت عن نفسها.

تجولنا مع عدد من الأدباء والشعراء الإماراتيين، في مكتباتهم المنزلية، وتعرفنا على قصصهم مع العقول التي تعيش على أرففها.

تنوع

في مكتبة الكاتب والناشر جمال الشحي ما يزيد عن 3000 كتاب، تتنوع بين الأدب والتاريخ والجغرافيا وأدب الرحلات والقصص والروايات، مرتبة بطريقة عرضية تبرز أغلفتها. ويحكي الشحي عن مذهب شغفه بالكتب، شكلا ومضمونا:" أعشق الأغلفة الجميلة، وأحرص على إبرازها بطريقة مميزة، ما يجعل من المكتبة المنزلية تحفة فنية، وغالبية الكتب لدي، عربية..إنها باللغة التي أهواها".

بدأت علاقة الشحي مع المكتبة، كما يقول، منذ الصغر، مشيرا إلى أن وجود منزله في جوار أقدم مكتبة في الشارقة، كان له أكبر الأثر في توثيق ارتباطه بعالم الكتب، مؤكدا أنه لا يزال يحتفظ بكتبه القديمة، التي كبر معها وحرص على نقلها لمكتبته الكبيرة اليوم.

ويقول في هذا الصدد: " منذ صغري وأنا أقرأ كتبا أكبر من المناسب لسني. وقررت أن أكمل حياتي مع الكتب وبينها، مهما حصل. وها هو منزلي اليوم عبارة عن سيناريو متكامل من الكتب. فلا يكاد أي شخص يخطو خطوة إلا ويجد الكتب تحيط به من كل جانب".

يشير الشحي إلى تأثره الكبير بالأدب العالمي في القرن التاسع عشر. ويوضح ذلك: "كان الأدب الروسي، المسيطر في تلك الفترة، وهو ما زاد ميولي نحو الأدب الكلاسيكي، خاصة أنني كبرت مع (البؤساء) و(الأخوة كارامازوف) و(الحرب والسلم) و(الجريمة والعقاب).

وأنا أحرص على قراءة روايات باولو كويلو وغابرييل غارسيا ماركيز. ومن الكتاب العرب، يعجبني الأديب والكاتب الطيب صالح، الذي جذب انتباهي بمجرد قراءتي روايته العالمية (موسم الهجرة إلى الشمال)، وكذا الأديب عبد الرحمن منيف".

 لا يزال الشحي يذكر"شاهندة"، أول رواية إماراتية للكاتب راشد عبدالله النعيمي. ويفخر بإعادته نشرها مرة أخرى، من خلال دار النشر التي يملكها ويديرها (كتّاب)، ذلك لقيمتها الأدبية الكبيرة، كما يعتز بالكتاب الإماراتيين، أمثال: ياسر حارب ومحمد خميس.

ويرى أنهم يقودون حركة الكتابة، في الوقت الحالي. لعشقه الكتاب، سافر الشحي إلى القاهرة بحثا عن رواية"مئة عام من العزلة". هذا ما يبوح به، مبينا أنه عمد إلى ذلك بعد أن بحث عنها طويلا ولم يجدها، ما اضطره للسفر، بحثا عنها.

"مكتبات لا واحدة"

كان التعلق بالكتاب، إلى حد العشق، محور تحفيز ودفع، جعل الشاعر والإعلامي خالد الظنحاني، يعمد إلى أن يخصص في كل بيت يملكه، مكتبة. ففي بيته في الفجيرة، واحدة تضم مجموعة قيمة. وفي الآخر في دبي، واحدة غيرها. وكذا، هناك في سيارته مكتبة متنقلة ترافقه أينما ذهب وحل.

ويتحدث عن تفاصيل هذا الهيام بالمكتبات والكتب: "لا أجد في لحظات الانتظار أفضل من الكتاب، أقلب صفحاته وأبحر بين أسطره، وأصطحبه معي أينما اذهب، وحدث كثيرا أن أنهيت قراءة كتب ما، في لحظات الانتظار في السيارة".

تضم مكتبات الظنحاني كتبا متنوعة، في الأدب والشعر والفلسفة والتاريخ والسياسة وتطوير الذات. فهذه المجالات جميعها، يرى أنه لا بد أن يكون الكاتب ملما بها، ليفيد القراء بقيمة ومضمون مهمين ثريين.

يشعر الظنحاني بحميمية من نوع خاص، تجمعه بالكلمة المقروءة. الا انه، وفي التحديدات، يفضل تغليب قراءات لبعض الكتّاب. ويشرح هذا النهج: "تأخذني روايات غابرييل غارسيا ماركيز، إلى عالم واسع لا حدود له. كما تعجبني كتابات الأديب جابر عصفور. ومن الإماراتيين أقرأ ل: ياسر سعيد حارب، أحمد راشد ثاني".

وعن أحد المواقف التي لا ينساها الظنحاني، في سياق موضوع الكتب والمكتبات، يقول: كنت مدعوا إلى إحدى الأمسيات الشعرية في براغ، العاصمة التشيكية. وبعد انتهائها، تجولت في أرجاء المدينة. ولفت نظري طابور طويل جدا، يصطف الناس فيه، واحدا تلو الآخر. فأثارني الأمر، وتوقعت أنهم بانتظار عرض فيلم سينمائي أو بغرض الدخول إلى مكان ترفيهي ما، أو غير ذلك.

لكني دهشت كثيرا، حين عرفت أنهم يقفون أمام مكتبة صغيرة، بانتظار توقيع أحد الكتّاب الزائرين، إصداره الجديد. وما أثار إعجابي أكثر، هو كون غالبية الجمهور من فئة الشباب. إنه موقف لا أنساه أبدا".

تجديد دائم

تزخر مكتبة الشاعرة الهنوف محمد، بكتب الشعر، بأصوله وأنواعه، حيث تبرز فيها براقة ترفل بالبهاء والدلال، كونها تحوز الأولوية لدى الهنوف، والتي تحكي عن ذلك: "أحرص على امتلاك كتب الشعر. ففي مكتبتي كتب الشعر الجاهلي والإسلامي.. وكذلك مجموعة مؤلفات شعرية تعود إلى مراحل أدبية مختلفة، وإلى جانب ذلك، أهتم بكتب الفلسفة وعلم النفس والروايات".

لا تستطيع الهنوف مقاومة كتابات أدونيس، فالفكرة لديه تستفزها. وتقول في هذا الخصوص: " تجذبني كتابات هذا المبدع، فقلمه متميز جدا، وإبداعه متجدد في كل مرة". تؤكد الهنوف، أن قيمة الكتاب تكمن في ما يمنحه إلى صاحبه. وهذا ما يجعلها تجدد في قراءاتها، وتتبرع ببعض ما قرأته منها، للمكتبات العامة. فالفائدة يجب أن تعم، والكتاب الجيد يجدر أن يحصل عليه الجميع.

وتعترف الهنوف بأنها مقصرة في هذه الفترة، في القراءة. وتعبر هنا عن رغبتها في أن تتفرغ للكتابة والقراءة.

حب يزداد

منذ فترة مبكرة في مراحل حياتها، بدأ عشق الكتاب يتمكن من الشاعرة شيخة المطيري، فشرعت في تكوين مكتبتها الصغيرة، من خلال تجميع كتب المناهج المدرسية، في نهاية كل عام. وتتحدث عن ذلك :" كنت أدور في أرجاء المدرسة نهاية كل عام. وأجمع كتب اللغة العربية وأضعها في مكتبتي، كما كنت أستعير من مكتبة والدي، بعض الكتب وأخبئها لدي. حتى اكتشف الأمر، فأصبح يهديني كتبا باستمرار".

وهكذا، أصبح لدى المطيري، في الوقت الحالي، كما تقول، مكتبة منزلية كبيرة، تضم قرابة ال 5000 كتاب، تتنوع بين مجالات الأدب والشعر واللغة والنحو والمعاجم والتفسير. كما زاد حبها لكتب المخطوطات، من خلال عملها كباحثة في مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، فأصبحت تجمع فهارس المخطوطات في مكتبتها أيضا.

تتنوع قراءات المطيري، لتشمل، طبقا لما توضحه، مجالات عديدة. وتقول في هذا الشأن: " أقرأ في الشعر والفلسفة والتصوف واللغة. وكنت في البداية، أركز على أشعار مانع سعيد العتيبة. وثم، من بعده : سلطان الحبتور وشهاب غانم. كما كنت مولعة بالشعر الجاهلي وبعده بالشعر الحديث. ولكني بت أقرأ للجميع، لأحصل على عناصر الفن والأدب كافة، لدى كل مبدع".

علاقة خاصة

 ليس خافيا، أن المكتبة المنزلية، غدت، حاليا، قريبة ومحببة من نفوس غالبية افراد المجتمع، بشرائحهم وفئاتهم المتنوعة، خاصة مع ازدياد الوعي بقيمة القراءة. لكن تلك العلاقة، تبقى تحوز خصوصية وفرادة لدى الادباء والمثقفين، عامة. فهي قريبة من الروح، ورفيق الدرب، كما يحبذ بعضهم تسميتها. وهنا تجد منهم من ينظر إليها على أنها حصاد نهم تنوع الاهتمامات القرائية، طوال سنين العمر. وبهذا هي بالنسبة لهم، جزء مهم من الشخصية.

وكثيرا ما نقرأ أو نطالع صفحات كثيرة، عن تفضيلات قراءات أدباء عديدين، نتبين في ثناياها أنهم حريصون، على إبقاء المكتبة، الجزء الأهم في البيت، وكذا على تكرار ترتيبها ونبش محتوياتها. وحفظ مؤلفات محددة في مكان باز ضمنها.

مشروعات حيوية ومبادرات بناءة

 تعتني دولة الامارات، بتنويع أشكال ومساقات تشجيع الاسر، على جعل المكتبة نواة رئيسة في المنزل، وكذا حرص الاهل على دفع الاطفال ليتعلقوا بها ويقبلوا على القراءة.

وهكذا عمدت الجهات الحكومية، وشبه الحكومية، على رأسها "وزارة الثقافة" و"دبي للثقافة والفنون" و" أبوظبي للسياحة والثقافة " و"ثقافية الشارقة"، إلى إطلاق جملة مبادرات، فكرية ثقافية متخصصة في هذا السياق، تشجع افراد المجتمع على القراءة. وتستقطب الادباء والمثقفين للاسهام في هذا الشأن.

وتبرز في الاطار، مبادرة "ثقافة بلا حدود" في الشارقة، الذي اطلق مشروع "مكتبة في كل بيت"، القاضي بجعل المكتبة المنزلية، ظاهرة حيوية منتشرة في مختلف المنازل، ضمن كافة المناطق. ونجح المشروع في تحقيق أهداف مرحلية كثيرة له، منذ انطلاقه، قبل سنوات.

وكان لافتا أيضا، اهتمام " دبي للثقافة"، بتوسيع أشكال نشاطاتها الثقافية والاجتماعية، في المكتبات،وحضهم على اقتناء الكتب المختلفة في مكتبات منزلية خاصة بهم.

 حاجة عصرية

وموضع تنافس

 أصبحت المكتبة المنزلية، في وقتنا الحالي، غير مقصورة، فقط، على الادباء والمثقفين والمهتمين. فكافة الأسر باتت تهتم بحضور المكتبة كركن أساسي في المنزل، وربما تختلف أشكال الاهتمام بمدى تألق تصاميمها لكن الثابت، أن النسبة الغالبة من الاسر العربية، في الامارات وغيرها من الدول، لم تعد تغفل إبراز المكتبة في المنزل، وإبرازها في تصاميم فنية حيوية. وكذا تعمد تزويدها بمختلف صنوف المؤلفات الثقافية والعلمية والفلسفية. وربما يصل الامر احيانا، حدود التنافس والمباهاة بين العائلات، في هذا الصدد.