كثيراً ما لعب أدب الرعب، بمظاهره وتجلياته المتنوعة، دوراً مهماً في حياتنا وثقافتنا ونشأتنا. فهو، وحتى لو أنه ما تمظهر بلبوس أدبي جلي، لم يكن غائباً عن تراثنا الثقافي الشفاهي في العالم العربي.
فقديماً تضمّنت حكايات جداتنا ومروياتهن الكثيرة، في أجزاء منها، ما يثير الرعب والخوف في نفوس الأطفال، بل والكبار أيضاً، مثل: قصص: العنقاء، الأشباح، الغول، السحر والشعوذة. وكذا نجد في التراث العربي المكتوب، تجسيدات بانورامية عدة في هذا الخصوص، منها في: ألف ليلة وليلة.
وأيضاً في جملة حكايات أخرى ذات طابع أسطوري. لكن، واقع الحال ينبئ بتراجع أو تلاشي حضور هذا النوع من الآداب والثقافة المجتمعية. إذ إنه، ورغم الخلافات حول جواز تصنيفه في خانة الأدب، بدا، أخيراً، بعيداً عن الوجود والتأثير في المكتبة العربية، خلافاً للحال في شتى الثقافات والمجتمعات الأخرى. فما الأسباب؟ وكيف بمقدورنا تفسير وتحليل ذاك الغياب؟ وما هي الحلول التي بمقدورنا إيجادها؟
آراء متباينة
أدباء ومثقفون عرب، كثر، يرون أن مختلف التجارب الإبداعية الأدبية العربية في هذا الحقل الأدبي، لم تتطور إلى مستوى نستطيع معه أن نطلق عليها تسمية «أدب الرعب». فالأساطير والقضايا التي تشكل محورها، وكذا طبيعة المعالجات ضمنها، لا تعينها أو تؤهلها لتكون أدباً متخصصاً في الرعب، يقف على أرضية ثابتة، بمقدوره معها، منافسة نوعي الأدب «السياسي والاجتماعي».
كما أنه، ورغم محاولات في المجال، نجدها تصطدم بالرأي القائل، إن أدب الرعب أدنى أنواع الأدب، ويأتي في المرتبة الثانية، لتصبح النتيجة الطبيعية لذلك، أنه بإمكاننا أن نذكر عشرات الكتاب الغربيين الذين اهتموا بهذا الأدب، في حين لا نذكر سوى أسماء قليلة، تعد على أصابع اليد الواحدة، تعنى في هذا المساق، ضمن عالمنا العربي.
جذر
تؤكد الناقدة الدكتورة أماني فؤاد، أن أدب الرعب موجود في الأدب الغربي والعربي، من قبل أن يتبلور في شكل رواية. وذلك يتضح، طبقاً لرأيها، من خلال، الملاحم القديمة والأساطير الفرعونية وشتى الحضارات القديمة، إذ تبرز أنواع من الوحوش، تكرس في النفس البشرية، عند سماع الحديث عنها، أو القراءة حولها، الخوف والهول.
وتشدد أماني على أن هذا المساق الإبداعي، ليس بالجديد أو المستحدث. فهو أدب ظهرت أصوله في أولى الحضارات. وتضيف: «إن شكل أدب الرعب بدأ يتبلور ويأخذ شكل الرواية والقصص في عصرنا الحديث، معتمداً في كثير من الأحيان، على القصص الأسطورية والملاحم الإغريقية والفرعونية.. وبالطبع فإن أدب الرعب الحديث يهدف إلى بث التوجس والقلق في نفوس القراء. ونجد أنه أصبح هناك روايات كاملة، قائمة على التخصص؛ حيث يكون الرعب فيها البطل الأساسي، وليس فقط جزءاً منها».
وتلفت الأديبة المصرية، إلى اختفاء الدراسات العربية التي تتناول تحليل ودراسة أدب الرعب، ذلك رغم وجود العديد من النماذج الأدبية المتميزة، التي تندرج تحت مسمى أدب الرعب، قدمها كتّاب عدة، مثل: طارق إمام صاحب رواية «الحياة الثانية لقسطنطين كفافيس». فهذا العمل، حسب رأيها، ولو أنه ليس إبداعاً يؤطر في «المرعب»، إلا أننا نشعر ونحن نقرؤه، طوال الوقت، بأن هناك حالة من الرعب تجتاحنا؛ لأن طريقة عرض الرواية فيه، محاطة بنوع من الغموض والغرابة.
وتتابع: «أعتقد أن الغرابة، وخاصة في سياق حضورها ضمن أدب الرعب، تفترض وجود مسافة بين المستقبل وما يستقبله من رسالة.. وأنا أرفض اقتصار مفهوم (الغرابة) على الجانب المقلق وغير الآمن والمكتظ بالأشباح والخوف وغير المألوف، فالغرابة تتضمن أكثر مما يخيف الإنسان أو يشعره بالوحدة، فهي مساحات أخرى يمكن أن تسكن في طرقها ودهاليزها، عوالم الدهشة والتعجب، وكذا الخيال المضيء، لا المعتم فقط. فالشعور بالغرابة ربما يكون نتيجة اتساع العالم أكثر مما يتصوره الإنسان».
بين الرعب والخيال العلمي
يفرق الأديب عبدالوهاب الأسواني، بين أدب الخيال العلمي وأدب الرعب الذي يعتقد القراء أنه لا يعكس أو يلاقي اهتماماتهم. ولكنه يرى أن حالهما وطبيعة النظرة إليهما والتقليل من شأنهما في عالمنا العربي، تتطابق تماماً. ويفسر ذلك عبر تشريحه واقع أدب الخيال العلمي، الذي ينظر إليه على أنه خطوة إلى الأمام في عالم الأدب.
ولكنه لم يأخذ حقه في الأدب العربي. ويرجع الأسواني السبب في ذلك، إلى أن الاختراعات في عالمنا العربي، تكاد تكون معدومة، وأن العلماء في بلادنا لا ينجحون إلا إذا غادروها. ويضيف: «انطلاقاً من هذا الأساس فإن أدب الخيال العلمي يُنظر إليه على أنه من الدرجة الثانية.. رغم أنه يحتاج إلى خيال كبير وواسع وتجربة حياتيه كبيرة، ذلك كي يضفي معه الكاتب، على عمله، واقعية شائقة. وكي يزود عمله بشيء من الحيوية ليجذب القارئ إليه».
ويقول الأسواني: «يُخيل إليّ أن الذين يكتبون الخيال العلمي، وكذا أدب الرعب في بلادنا، لا يهتمون كثيراً بما يمكن أن يسمى بالجاذبية.. فعلى سبيل المثال، يكاد أدب الكاتب الراحل نهاد شريف، يكون أقرب إلى المقالات منه إلى حيوية الرواية. وأجد أنه طالما دخل هذا النوع في أدبنا العربي فهو حتماً سيتطور».
ويحكي الأسواني عن أدب الرعب: «المشكلة أن القارئ المعاصر لن يتقبل هذا النوع من الأدب، خاصة أننا نرى في السينما الغربية أنواعاً من الأفلام تكاد لا تحترم خيال المشاهد، فهي أقرب ما تكون إلى خيال الأطفال من الإنسان الراشد».. وأنا شخصياً، لا أرى في الرعب شيئاً يجذبني..
فنحن نقرأ (ألف ليلة وليلة) على أساس أنها تراث. إلا أننا لا نقتنع بما تقدّمه من إغراء في الخيال، لكننا نعجب بالخيال حين ما نراهم يصفون لنا جزيرة تتحرك بمن عليها، وفي النهاية يتضح أنها سمكة كبيرة. إننا نقرأ هذا من دون أن نضع في أذهاننا أننا سنكتب أدباً يشبهه، لأن قارئ الرواية المعاصر لن يتقبل منا ذلك، فهو يهمه أن يرى نفسه في العمل، وأن يرى مشاكله السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعاطفية، لاسيّما وأن قارئ الرواية، حالياً، عادة يكون من المثقفين الحقيقيين».
تصنيف وأسباب
يرى الناقد والكاتب الصحافي محمود قاسم، أن تجربة أدب الرعب في عالمنا العربي، ليست قديمة، إنما بدأت عندما لاحظ بعض الكتاب انجذاب الشباب لأفلام الرعب التي انتشرت عبر شرائط الفيديو، مع اختفاء جملة «للكبار فقط».
ويضيف: «إن بعض الكتاب، مثل أحمد خالد توفيق، بدأ ينخرط في هذا النوع من الأدب، من خلال الترجمة عن أعمال غربية. ومن ثم اتجه إلى الكتابة الإبداعية الخاصة به في هذا الحقل.. وبطبيعة الحال، فإن هذا المساق الأدبي الإبداعي، غير موجود في مجتمعاتنا العربية، بالصورة نفسها، الموجود عليها في الغرب، حيث لاقى هناك إقبالاً شديداً».
ويجزم قاسم بأن قصص الرعب ليست أدباً، شأنها في ذلك شأن القصص البوليسية والخيال العلمي، واصفاً هذه القصص بأنها درجة ثانية من الأدب، ومؤكداً أن الأدب لابد أن يتحدث عن موضوعات خاصة بالإنسان. ويدلل على صحة رأيه بأن هذا النوع من القصص لا يحصد الجوائز العالمية في الأدب، كجوائز الدولة أو نوبل. إذ يُنظر إليه على أنه كتابة للتسلية.
كما يعتقد أن اهتمام الغرب بهذا المجال من القصص، ربما يعود في جزء منه، إلى أنه أرض خصبة للأفلام السينمائية التي تلاقي إقبالاً كبيراً من الجمهور. ولكن هناك أسباب أخرى لاهتمام الغرب بهذا النوع. والدليل أن أعمال الكاتب ستيفن كينغ لم تحول كلها إلى أفلام سينمائية، ومع ذلك فإنها تشهد رواجاً وإقبالاً، كونها تشبه حياة الناس.
ويتابع: «العالم العربي لا يعرف أيضاً أفلام الرعب بالشكل المعروف في الغرب، بفعل أسباب متعددة، من بينها جوانب تقنية تتعلق الآليات المستخدمة والموسيقى، وكذلك غياب نصوص مكتوبة بحرفية عالية. إن هذا المجال هو عبارة عن منظومة متكاملة، والمؤسف أنها تغيب عنا».
حساسية الفنان
تبين تحليلات وآراء أدبية متخصصة، حول فلسفة وجود تيار مرعب في الأدب، أنه، ورغم التراكمات الحضارية والمدنية، بدأ الإنسان، في ظل اتساع المدن، يشعر بانحساره داخل نفسه، وبذا لم تعد الحياة حميمية، كما كانت. فحدث تباعد في العلاقات البشرية، وأصبحنا نعيش في عالم من الغربة. والإنسان بطبيعة الحال، يخاف ما يجهله، ثم يتخيل أشياء تدعم خوفه..
ولا شك هنا أن الفنان هو أكثر إنسان مستعد لاستشعار هذا العالم الممتلئ بالغربة. فيعمد إلى خلق عوامل موازية لهذا الواقع، تظهر فيها موروثات أسطورية وعادات وتقاليد خرافية، كما في روايتي: «المندل» و«صانع المفاتيح» للكاتب أحمد عبداللطيف. ويفضل بعض النقاد، من أبرزهم الدكتورة أماني فؤاد، أن نطلق على نوع هذه الروايات، اسم أدب الفانتازيا والواقعية السحرية، وليس «أدب الرعب»، كونه غريباً وليس مرعباً. ولكنه يحتوي في بعض أجزائه، أدب رعب، والخوف من المجهول.
الفلسفة والأدب في قالب روائي
يستهجن أدباء عرب عديدون، اتهام البعض لأدب الرعب بأنه أدنى أنواع الأدب، أو أنه يأتي في الدرجة الثانية بين أنواع الآداب. وتوضح آراء كثيرة من بين هؤلاء، أن الحكم على العمل الروائي، منبعه التقنيات الفنية والآليات التي يستخدمها الروائي، وليس من خلال الموضوع الذي يتناوله، مشددة على أن الأدب الذي فيه نوع من الغرابة أو الرعب، كان قد بدأه روائيون كبار
.وهو فعليا، مدرسة ادبية فلسفية متكاملة. وفي هذا السياق، تلفت الناقدة المصرية أماني فؤاد، إلى أن وزير الثقافة، سابقا، في مصر، الدكتور شاكر عبدالحميد، قدم كتابين نقديين، تكلم فيهما عن الغرابة في الفن والأدب، ورصد من خلالهما كيف يمكن أن يكون الفن غريباً، وكيف يمكن أن يصبح أدب رعب أو خوف وتوحش.وتشرح رأيها :
«أتفق مع الدكتور شاكر عبدالحميد، حول أن الغرابة من الممكن أن تنبع من خلق عالم أكثر اتساعاً من الواقع الذي يعيشه الإنسان، مثل خلق علاقات بين كائنات بشكل غير موجود على أرض الواقع، كما حدث في رواية فؤاد قنديل (روح محبات). فأدب الرعب يأتي من خلال أحلام سيريالية وأشباح تتجول مع الشخصيات، وكذا وجود طقوس غريبة يوظفها الروائي».




