أصداء ونقاشات متفرعة، أفرزها، أخيراً، إعلان إحدى شركات تكنولوجيا الحاسب الآلي، اختراعها تقنية تشبه القلم العادي، مزوّدة بخاصية فريدة من نوعها، إذ تُحوّل ما يكتب، مباشرة، إلى الكمبيوتر أو الهاتف الذكي. وكذا تسجل الصوت وتجعله كلمات مقروءة. إذ برزت إلى الواجهة، تساؤلات وتخمينات عديدة، حول مستقبل الكتابة والإملاء -عقب مسار الدورة التطورية التي مرَّتا بها- .
وطبعاً، ليس بمقدورنا، ونحن نتبين ونستقرئ أبعاد هذا الابتكار الجديد، تجاهل علاقته أو ارتباطه ، في شكل ما، بقضية محورية باتت تحضر بقوة، حالياً، تتلخص في صحة أو حقيقة إنتاج التقنيات الحديثة وعوالمها، هوة ثقافية شاملة، متنوعة الاتجاهات، في عالمنا العربي.
" وداعاً للقلم".. هكذا، ربما، يتلخص جوهر ما سيتأتى وينبني، مستقبلا، على مضاعفات الاختراع الجديد ودوره، والذي مصيره تغييب استخدام القلم، ولو بعد حين. ولا شك أن هذا الواقع، ستصاحبه جملة إشكالات وإفرازات، تدور في جوهرها، حول تأثير فقدان لمسة القلم وحميمية تقليد الكتابة عبره، على المنحى والمضمون الابداعي لدى الأدباء والكتاب.
وذلك إضافة إلى مجموعة جوانب أخرى، لا يمكن حصرها، تتعلق وتتجسد، ربما من خلال وجود هذا الابتكار كنموذج، بحقيقة إسهام التقنيات الحديثة، والتكنولوجيا العصرية، في توسيع مساقات الهوة الثقافية في العالم العربي. . وكذلك التأثير بشكل لافت، على قدرات ومهارات الطلبة، العلمية والأدبية والإملائية.
دورة تطور وارتقاء
تشابكات ومعضلات لا نهاية لها، رافقت عملية تطور الكتابة، منذ البدايات. ولكنها، إلى حد ما، لم تكن عاملا هداما في مسار الارتقاء الثقافي والفكري. ولكنها، في جميع الحالات، شرعت تبرز منذ استهلالات استخدام القلم العادي، ومن ثم تتابعت لنواجه في محطة جديد، عملية ترجمة وعكس ما نسمعه أو نفكر فيه إلى استخدام لوحة مفاتيح جهاز الحاسب الآلي "الكيبورد".
وكذا ما يرافق ذلك من حيثيات ومسائل تنضوي في جوهر عمليات لغوية كثيرة، أبرزها الإملاء ومستوى الكتابة. ومن ثم وصولا إلى نهاية الدورة التي ترجع إلى بدايتها بشكل جديد، وذلك عن طريق ذلك القلم، المخترع أخيرا، الذي يجمع بين القلم العادي والحاسب ويوفر عناء وصعوبات الإملاء، بفضل برامج مهمة تجعله يصوب الأخطاء تلقائياً.. إلا أنه علمتنا التجربة، ومع ما تأتى بشأن مخاضات التطورات السابقة في تقنيات عملية الكتابة، أن نقيس بدقة، مدى وماهيات الايجابيات والسلبيات، الناتجة عن مثل هذه الابتكارات، على مستوى الثقافة.
تاريخ وحلول أولية
عكف المتخصصون والعلماء، مع بداية ظهور مشكلات الكتابة والإملاء في الحاسب الآلي، وبروز تشعبات كثيرة لها، على البحث عن أسباب تلك الصعوبات، وتوصلوا إلى أبحاث ودراسات مكنتهم من إصدار طرق وحلول عديدة، من أجل الحفاظ على القواعد الصحيحة للإملاء والكتابة.
وتركزت تلك الحلول، جميعها، على تحسين المنظومة التعليمية وتطوير قدرة المعلمين في مساعدة الطلاب على استيعاب وحفظ قواعد الإملاء الصحيحة، خاصة في مراحل التعليم الأولى.. ففي هذا الوقت كان العنصر البشري، أساس المشكلة، من دون تدخل أي مؤثرات أخرى..
أما الآن، فالوضع أصبح أكثر تعقيدا واتساعا، حتى أوشكت تلك الدراسات، على أن تصبح بلا قيمة عملية أو علمية بالأساس، بعد ظهور ذلك المخلوق الغريب الذي استطاع أن يجمع كل معطيات المعادلة في يده: الحاسب الآلي.. وأيضا عقب انتشار أجهزته بشكل واسع. إذ أصبحت أمرا لا غنى عنه في حياتنا، ضمن أماكن العمل والمنازل..
وكذا فإنه توغل بقوة في المؤسسات التعليمية والمدارس، إلى أن باتت شاشته بديلاً عن صفحات الكتب الورقية.. وكذلك أخذت لوحة المفاتيح بديلة عن القلم، ومثلها التسجيلات الصوتية الذكية، التي برزت بديلة عن الإملاء المنطوق.
يوضح أستاذ التاريخ الاجتماعي، الدكتور محمود متولي، أن هناك هوّة ثقافية، نجدها تتفاقم بصورة قوية، وربما ستتضاعف وتتواتر، خلال الفترة المقبلة، مع تزايد الوسائل التكنولوجيا التي تُقزّم الاهتمام باللغة العربية وتنتصر لعصر الآلة، ومن ثم تخلق أجيالا لا يعرفون القلم. ويرى أن الدول والحكومات، تتحمل، بالتالي، عبء مهام جسيمة في هذا الخصوص، أولها تبني مناهج عمل علمية لنشر اللغة ودفع النشء إليها، وتحبيبهم بها.
يؤكد خبراء ومعنيون، أنه في المراحل التعليمية الأخرى( المتقدمة)، أصبح هناك تناقض في تبادل الأدوار، بين القلم ولوحة المفاتيح. فعلى سبيل المثال، في مراحل التعليم الجامعي ربما يكون الطالب قد تعوَّد بالفعل، على الاستغناء عن القلم. ولكن يحتمل أن يكون الدكتور الجامعي لا يزال محتفظا بالقلم كأداة تعليمية.
وربما العكس أيضا، إلا أن كل الطرق والاتجاهات، تؤدي إلى الاستغناء عن القلم واستبداله بلوحات المفاتيح، فمثلا شرعت، حالياً، المؤسسات جميعها، التي كانت تعتمد على طرق الكتابة التقليدية الورقية، تعتمد على الطرق الإلكترونية الحديثة، وبذلت جهدا مكثفا من أجل تهيئة موظفيها للاستغناء عن القلم، كما الحال في المؤسسات الصحافية والهيئات الحكومية.
ونجد أن هذا الامر، شاع كذلك، وبجلاء تام، لدى الأدباء والمبدعين والشعراء، والذين ارتبط القلم بهم بشكل وثيق، حتى ان البعض عدّ القلم سلاحه أو صديقة، ذاك كما قول المتنبي:
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
وتشير آراء خبراء ونقاد، كثر، إلى أنه، وعلى الأرجح، ربما لن تستغني تلك الشريحة من المبدعين :( الادباء والشعراء)، عن القلم، أبداً، مع هذا الاختراع الجيد. ولكن يحتمل بروز عوامل قوية، تجبرهم على ذلك، كتلك التي جعلتهم يتجهون، قبلاً، إلى أخذ لوحة المفاتيح صديقة، وبديلا، في الغالب.
علاقة
لا يرى عضو مجمع اللغة العربية، الدكتور محمد الجوادي، أن القلم يمكن أن يغيب عن المشهد الابداعي، أو أن يمحو أثره أي ابتكار تقني. ويوضح رأيه: " لن يحل الحاسب الآلي، مكان القلم..
والعكس صحيح، فالاثنان تربطهما علاقة مع العقل البشري والكتابة والقراءة والتعلم، وتوصَّلت من خلال دراسات عديدة، إلى أن أجهزة الكمبيوتر حققت نجاحًا أكثر في الحفاظ على قواعد الإملاء والكتابة الصحيحة، بعيدا عن الطريقة البدائية وعنصر الصواب والخطأ، وخاصة مع بداية ظهور الآلات الكاتبة قديما، كما تبين لي أن المشترك بين العنصرين، وجود الأوامر العقلية والدوافع النفسية، ذاتهما.
محاذير واعتبارات
وفي السياق نفسه، يشير الخبير اللغوي علي حامد، إلى أهمية التزام المعنيين، بمنهج دقيق وحذر في جوهر هذه العملية: " كان يمثل الاعتماد على أجهزة الحاسب الآلي في المنظومة التعليمية، بالنسبة إلينا، مشكلة كبيرة في التعوُّد والتأقلم مع الوضع الإلكتروني الجديد.
وأيضا نقل ذلك إلى الطلاب في المدارس، ولكن الأمر يحتاج إلى تعميم؛ أي التأكد من أن جميع الطلاب والمدرسين، يمتلك أجهزة حاسب آلي، وأيضا لابد من الحذر من شيء خطير، وهو أن الاستغناء عن القلم مبكرا، ربما يؤدي إلى جهل الطلاب بقواعد الإملاء، بفعل الاعتماد الكلي على الحاسب، وهنا لا مفر من إتقانهم الطريقة الأولية ومن ثم الاعتماد على الحاسب الآلي، ذلك مثل الحال في العمليات الحسابية البسيطة التي يقوم بها الحاسب، ولكن على الطالب أن يتعلَّم الاعتماد على عقله تماما".
ميزات
يُرجح متخصصون أن يكون لدى أجهزة ودور النشر، ارتباطا بقضية وأبعاد الاختراع الاخير، رأي آخر في فرض الوسائل الجديدة على الكتاب والمفكرين، وإجبارهم على الاستغناء عن القلم. ويستشهدون بآرائهم عن تجاربهم حول استخدام القلم، إذ يتفاوت الأدباء في مستوى حبهم له وتمسكهم .
ولكنهم، يجتمعون، في الغالب، على رأي يقضي بضرورة استخدام الحاسب بديلاً، ذلك لما يتمتع به من مزايا عديدة، منها: السرعة في الكتابة وتصحيح الأخطاء والمراجعة اللغوية، توفير الوقت والجهد والورق، طريقة الحفظ واسترجاع المحذوف، التخلص من مشكلات صعوبة فهم الخط اليدوي إذا كان صاحب الخط تنقصه ميزة جمال الخط.
صراع أدواته القلم ولوحة المفاتيح
لم تكن هناك مشكلة حقيقية في الكتابة والإملاء، مع بداية انتشار أجهزة الحاسب الآلي في المؤسسات التعليمية، إلا أن بدء الاعتماد عليها كبديل عن الوسائل التقليدية، مثل القلم، أدى إلى ظهور نوع من الصراع بين العادة القديمة والتكنولوجيا الحديثة، وذلك ليس خصيصاً لدى الطلاب، ولكن أيضا بالنسبة للقائمين على العملية التعليمية.والصعوبة تكمن في إقناع المعلمين الذين نشؤوا على استخدام القلم عشرات السنين، أن يتجهوا إلى لوحة المفاتيح كبديل
حقائق ومزايا يحتمل أن تقلب الصورة وتغير النظرة
يُرجح متخصصون أن يكون لدى أجهزة ودور النشر، رأي آخر في فرض الوسائل الجديدة على الكتاب والمفكرين، وإجبارهم على الاستغناء عن القلم. ويستشهدون بآرائهم عن تجاربهم حول استخدام القلم، إذ يتفاوت الأدباء في مستوى حبهم له وتمسكهم. ولكنهم، يجتمعون، في الغالب، على رأي يقضي بضرورة استخدام الحاسب بديلاً، ذلك لما يتمتع به من مزايا عديدة، منها: السرعة في الكتابة وتصحيح الأخطاء والمراجعة اللغوية، توفير الوقت والجهد والورق، طريقة الحفظ واسترجاع المحذوف.




