طالما شكلت الموسيقى أحد أركان الإرث الإبداعي البشري، الذي يلقى عادة اهتماماً كبيراً من قبل عموم الناس، حيث يجد الكثيرون في الموسيقى، ألقاً نفسياً وروحانياً، فضلاً عن مساهمتها في تمكين النفس لتعيش حالات روحانية مختلفة.
وبالتالي الترويح عن النفس واخراجها من الملل، وكما وجد الأدب والشعر في الكتب، لم تقتصر الموسيقى على النوتات، وانما وجدت أيضاً في مجموعة كبيرة من المؤلفات التي لا تخلو أي مكتبة، كبرت أو صغرت، منها. وبالحديث عن المكتبات الموسيقية، لا بد أن يأخذنا الحديث في تشعباته نحو المكتبات الموسيقية الافتراضية، التي تزخر بها مواقع الشبكة العنكبوتية المختلفة، خاصة تلك التي تهتم بالموسيقى تحديداً، وتوثق لها ولتاريخها ولجديدها.
أثبتت تجربة موقع اليوتيوب، بلا شك، مدى إقبال مستخدمي الانترنت على الموسيقى، ليس بغرض الاستماع إليها فقط، وإنما لتحميلها على أجهزتهم الخاصة، بغية اصطحابها معهم في حلهم وترحالهم.
وقبل الحديث عن المكتبات الافتراضية الموسيقية، يجب الإشارة إلى طبيعة المحتوى العربي الالكتروني، حيث أشارت التقارير الأخيرة، إلى أن خدمة الانترنت في المنطقة العربية، بدأت تلقى إقبالاً منقطع النظير مع توفيرها خدمات للتواصل الاجتماعي وخدمات التجارة الإلكترونية والتبادلات والمعاملات التجارية والاقتصادية، لا سيما خلال العقد الماضي الذي شهد زيادة مطردة في أعداد المستخدمين.
وبينت الأرقام التي نشرها الموقع الإلكتروني العالمي "إنترنت وورلد ستاتس"، أن عدد مستخدمي الإنترنت في الشرق الأوسط، قفز إلى 77 مليون مشترك في نهاية عام 2011 مقارنة مع 3.3 مليون مشترك في العام 2000. وأشار التقرير إلى أن عدد مستخدمي شبكة الإنترنت في منطقة الشرق الأوسط، التي تضم عدداً كبيراً من الدول العربية، تضاعف أكثر من 23 مرة، منذ العام 2000 وحتى نهاية 2011.
ارتفاع عدد مستخدمي الانترنت في المنطقة بلا شك، ساهم إلى حد كبير، في توسيع نطاق المكتبات الموسيقية الافتراضية، خاصة مع الإقبال على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، التي عمقت الاهتمام بهذا الجانب، ورفعت نسبة تبادل الملفات الموسيقية. وفي نظرة سريعة إلى واقع المكتبات الموسيقية الافتراضية العربية، نجد أنها مختلفة نوعاً ما عن تلك الغربية، من حيث تنظيمها وإداراتها.
فمثلاً، المكتبات الموسيقية العربية ناجمة على ممارسات ورغبات فردية وليست رسمية، على عكس العالم الغربي الذي تحظى فيه هذه المواقع بإدارات رسمية، تتبع لشركات أو جهات، بعضها حكومي. ورغم ذلك لا يمكن الاستهانة بالجهد العربي المبذول، وإن كان فردياً. وحسب احصاءات موقع "عيون" الالكتروني، فهناك أكثر من 400 موقع متخصص في الموسيقى العربية تشمل منتديات ومواقع موسيقية ومواقع لفنانين عرب.
نجد في بعض المواقع الموسيقية العربية، حرفيه التنظيم، خاصة في عملية تقسيمها من ناحية أسماء المغنين وجنسياتهم، الأمر الذي ربما يسهل على الباحث عملية الوصول إلى الموسيقى أو الاغنية التي يرغب فيها. وفضلاً عن ذلك، ذهبت بعض المواقع إلى تفصيلات اكثر حتى تتميز عن غيرها، من قبيل إظهارها للمتصفح، بالأرقام، عدد الألبومات التي تضمها، وعدد المغنين وعدد زائري الموقع. وكذا توفير روابط أخرى تساعده في الوصول الى مواقع متخصصة في الموسيقى أو الغناء.
ويعد موقع "طرب" من أشهر المواقع الالكترونية المتخصصة في الموسيقى والألبومات الغنائية العربية. إلا أن إدارة الموقع ذهبت بعيداً فيه، نحو تخصيص زوايا للمسلسلات المختلفة بكل جنسياتها، وكذلك الألعاب والصور والأفلام وغيرها، وبالنظر الى طبيعة محتواه الموسيقي، نجده غنياً بشتى انواع الموسيقى العربية، التي قسمها بحسب الدول العربية.
اضافة إلى أنواع موسيقية اخرى، مثل البرازيلية والايرانية والتركية والفرنسية والهندية ومكسيكية والافريقية والارجنتينية. كما عملت ادارته على توفير القطع الموسيقية والأغاني، بصيغ مختلفة، من بينها: أم بي ثري:" MP3 ".
وذلك لتسهل على المتصفح، التعامل معها، وتحميلها الى مختلف الأجهزة التي يتستخدمها، وفضلاً عن ذلك، حمّل الموقع مجموعة البومات ضخمة وعادة تكون مصنفة، حسب اسم المغني، وراعى ايضاً عملية تحديث محتواه من الأغنيات، من خلال تحميل الأغنيات الحديثة، خاصة تلك التي تطرح في الأسواق على صورة "سنغل" (منفردة).
وكذلك، وتحت شعار "اكبر تجمع ودليل موسيقى عربية على الانترنت" يعمل موقع "موالي"، الذي يضم أعمال نحو 4573 مغنياً، و10831 مقطع فيديو، و8889 البوماً و116551 أغنية، واكثر من 100 الف صورة. ويتجاوز عدد أعضائه، حاجز الثلاثة ملايين عضو، كما يضم محتواه البومات تعود إلى عام 2000.
ويمثل "ميوزيك نيشن"، أحد المواقع الموسيقية المتميزة عربياً. ورغم حداثته، تمكن من تكوين محتوى موسيقى عربي لا بأس به. ونشط الموقع الى جانب ذلك، في توثيق أخبار الفنانين عموماً، واجراء الاستفتاءات المختلفة التي باتت مصدراً لبعض وسائل الاعلام العربية.
تخصص واحتراف
أخذت المكتبات الموسيقية الافتراضية في العالم الغربي، اتجاهاً اخر، وبدت متخصصة أكثر من العربية، وكذا محترفة أكثر من ناحية التنظيم والتوثيق، إلى درجة أن بعض هذه المواقع تخصص في نوع موسيقي محدد، كالروك اند رول أو موسيقى الكانتري (الريف) وخلافهما.
وبالطبع، حملت المكتبات الموسيقية الغربية، طابعاً رسمياً، فإما أنها تابعة إلى جامعات ومعاهد موسيقية، أو إلى شركات تعمل في المجال، ومنها:" وارنر ميوزيك"، التي خصصت بجانب موقعها الرسمي، موقعاً أخر لموسيقى الجاز فقط وهو (www.warnerjazz.co.uk)، وجمعت فيه ألبومات مغني الجاز، المتعاقدين مع شركة وارنر ميوزيك، بالاضافة الى سيرة المغني الفنية وبداياته ومجموعة من صوره وكليباته خاصة، وكافة ألبوماته.
وبما لا تكفي زيارة واحدة إلى موقع مكتبة جامعة ييل الأميركية (www.library.yale.edu) للتعرف عليه، لا سيما وأن هذه المكتبة، تعد حالياً من أكبر مكتبات البحث في الولايات المتحدة الأميركية، حيث تقع مكتبتها في 20 بناية، وتضم الى جانب المكتبة المركزية، مكتبة اخرى تحمل اسم باينكي (Beineke Library)، وهي مخصصة للمخطوطات والكتب النادرة.
وتضم مكتبة ييل 12 مليون مجلد، إضافة إلى معلومات بمختلف الوسائط، القديمة منها والحديثة، وتشتهر المكتبة بمجموعاتها الخاصة من الكتب النادرة والمخطوطات والأرشيف والخرائط والصور وتسجيلات الفيديو والنوتات الموسيقية والأعمال الفنية ومواد البحث الأخرى الفريدة. كما تمتلك المكتبة عددًا كبيرًا من المجموعات الرقمية، ولذلك فهي تعد مناسبة جداً لمحبي الموسيقى والباحثين في مجالاتها المختلفة.
والمتمعن في موقع المكتبة يكتشف ان ادارتها لا تكل جهداً عن مواصلة الأرشفة والاحتفاظ بروائع الموسيقى العالمية، وبحسب آخر التقارير الصادرة عن إدارة المكتبة، أضيف إلى مكتبة الموسيقى الكلاسيكية، خلال يناير الماضي، 647 ألبوماً موسيقياً، بينها 10519 مقطعاً، وأبزرها 316 ألبوماً من تسجيلات "ديكا ودوتشيه غراموفون"، التي أسست أصلا العام 1898.
وتتبع حالياً إلى مجموعة يونفيرسال ميوزك العالمية، وتضم هذه الألبومات، تسجيلات نادرة لسمفونيات موزارت وبيتهوفن مع بيرجيت نيلسون ولورين مازيل وغيرهم، كما تضم أيضاً مجموعة مقطوعات موسيقية مشهورة جداً، تعود إلى العصور الوسطى. كما اتفقت ادارة المكتبة أخيراً مع شركة وارنر جاز، على تزويدها بأكثر من 2000 ألبوم جاز.
وفي المقابل، يوفر موقع "ارشيف الانترنت" (https://archive.org)، كمية هائلة من الألبومات الموسيقية والحفلات المباشرة ومقاطع الفيديو وغيرها، وبحسب الاحصاءات، فالموقع يمتلك أكثر من مليون و537 تسجيلا صوتيا، ولديه نحو 112777 حفلة موسيقية، بالإضافة إلى أكثر من مليون و150 ألف كليب غنائي، كما يوفر أيضاً أكثر من 3 ملايين مقالة تتحدث عن الموسيقى.
وهناك أيضا، موقع "اكسفورد ميوزيك أون لاين" (www.oxfordmusiconline.com)، الذي يضم أكثر من 55 ألف مقالة متخصصة في الموسيقى، وغير ذلك الكثير.
"ماي سبيس".. عالم المواهب والإبداعات
تحول موقع" ماي سبيس" الاجتماعي، منذ ان اطلق في العام 2003، والذي اسسته شركة "سبيسفيك ميديا " ومغني البوب المعروف جاستين تمبيرلانك، إلى أحد أشهر المواقع المتخصصة في الموسيقى واكتشاف المواهب الغنائية. فمن خلاله، تمكنت مواهب عديدة، من الصعود وتحقيق الشهرة، مثل :جاستين بيبر. وفي يونيو الماضي، وصل عدد زائري الموقع من اميركا فقط، الى 25 مليون شخص. ووصل عدد موظفي الموقع الى اكثر من 1600 موظف.
«يوتيوب».. إمكانات مميزة في الأرشفة الموسيقية
يعد موقع يوتيوب حالياً من أبرز المواقع الالكترونية المتخصصة في ارشفة الموسيقى والكليبات الغنائية، اضافة الى الافلام السينمائية. وجنحت ادارة الموقع في الاونة الأخيرة، الى تخصيص قنوات تضم اعمال المغنين، بحيث يمكن لصاحب القناة، نشر كليباته وأخبارة الفنية مباشرة، مع المحافظة على كامل حقوق الملكية الفكرية الخاصة به. وتحول، أخيراً، الى مصدر مهم جداً لعشاق الموسيقى حول العالم.
ثقافات وأنغام وموقع
لعل أكثر ما يميز المواقع الموسيقية العربية، على الانترنت، عدم اقتصار بعضها على الموسيقى العربية، فهي تشمل أيضاً مجموعة كبيرة من الألبومات الموسيقية والغنائية الغربية والهندية. وتلك التي تتبع الى ثقافات مختلفة بعيدة عن المنطقة العربية.


