من عنوانه تبدأ الرحلة، ومع صفحاته ننطلق نحو فضاءات كثيرة، وبين أوراقه نحلق في عوالم جديدة، لنقضي بين أسطره أمتع الأوقات.. نتفاعل معه بعقولنا فيمدنا بما نحتاجه من أفكار وخيالات، ونتشربه بأرواحنا، فيكتمل في داخلنا الإبداع. إنه الكتاب، الذي خلق متعة القراءة، فوفر على الكثيرين عناء السفر، ليأخذهم على أجنحته في رحلة من نوع خاص.
تمثل القراءة رحلة شائقة، تمتزج فيها المتعة بالمعرفة، وكذا أداة يمكن من خلالها قياس حضارة كل أمة وقوتها، فالأمة التي تقرأ هي التي تمتلك المستقبل، فإلى أي مدى نمتلك المستقبل، وكيف هي علاقة شباب اليوم بالكتاب، وهل يغفون ويصحون على كتب الأدب العربي وغيرها، كما كان يفعل آباؤهم وأجدادهم؟
"لا أحب القراءة". بهذه العبارة بدأ خالد بلهول، طالب في السنة الثانية - تخصص هندسة الكترونية في "تقنية دبي"، حديثه، معترفاً أن زيارة المكتبة واقتناء أحد الكتب بهدف قراءته والاطلاع عليه، أمر مستحيل بالنسبة له.
ويحكي رأيه ومدى استعداده، بشأن محاكاة نهج الأفراد كافة في فترة الزمن الجميل في المجال وكتب الأدب العربي التي كبر عليها آباؤنا وأجدادنا : "هذه الكتب تحديداً، لا أفكر بقراءتها، فنحن اليوم نعيش في زمن يختلف عن زمن آبائنا وأجدادنا، فلدينا أحدث التقنيات: التلفزيون والحاسوب والـ"بلاي ستيشن" والـ"آي باد"، وغيرها. وهذه كلها تشكل لنا مصادر معلومات وثقافة. كما أن طريقة العرض فيها ممتعة وشائقة ومختصرة".
ويؤكد بلهول، أنه لم يتعود منذ الصغر على القراءة.
عوامل عديدة
يأسف راشد المفتول، نائب رئيس جمعية الخريجين في "تقنية دبي"، لحال الشباب اليوم مع القراءة. ويشدد على أنه يشعر بالضيق إزاء هذا الوضع: "أمة اقرأ لا تقرأ.. إن ثقافة القراءة، باتت تندثر، يوما بعد آخر. ولم يعد هناك إلا قلة قليلة جداً من الشباب القارئ".
ويشير إلى أن القراءة لم تعد هدفاً لدى الشباب، بل غدت وسيلة، إما للتخرج من الجامعات، أو لإشباع الهوايات. ذلك كتحديد القراءة في مجالات معينة". ولا يتردد المفتول في التأكيد على قيمة وأهمية كتب الأدب العربي التي تربى عليها جيل الأجداد، وهجرها القراء اليوم، لافتاً إلى أنها فقدت جمهورها بسبب تركيز المدارس على اللغة الانجليزية، ما جعل اهتمام القراء من الشباب يتجه نحو كتب الأدب الإنجليزي.
وأما عن قراءاته الشخصية، فيذكر أنه يقرأ خمسة كتب سنوياً، ويحرص على القراءة في مجالات تطوير الشخصية والقصص التاريخية والسير الذاتية.
محاولة فاشلة
يعترف محمد حسين، خريج جامعي -متدرب- أنه لا يقرأ، ولا يستوعب ما يقرؤه، ويوضح ذلك:" لا أقرأ أبداً، ومن المستحيل أن أقصد المكتبة للقراءة، وأشعر حين أمسك كتاباً، أني أهدر وقتي بلا أي فائدة، لأني ببساطة لا أفهم ما تحتويه الكتب، ولم أتعود منذ الصغر على أن أمسك كتاباً وأقرأ، كما أفضل دائماً الحصول على ملخصات تمنحني ما أبحث عنه بسهولة واختصار، وعادة ما ألجأ إلى القراءة الكترونياً. "
ويعترف حسين، أن عدم حرصه على القراءة أمر خاطئ، وأنه أضاع سنوات طويلة من عمره، بلا قراءة.
إهمال.. ونتائج
"لو كان الشباب يقرأ لما تحولت صناعة البحوث الجامعية إلى "بزنس". هكذا بدأت موزة العري، مفتش عمل في وزارة العمل في دبي حديثها حول الموضوع، موضحة أن عزوف الشباب عن القراءة جعلهم يلقون بِهَم بحوثهم على المكتبات.
تحرص موزة، كما تشير، على قراءة الصحف اليومية، كونها مهتمة بالتاريخ والقضايا السياسية. ولكنها تؤكد، في الوقت ذاته، أن ذلك غير كافٍ. وتعبر عن ضيقها من عدم نجاحها في توسيع دائرة قراءاتها. وتطرح هنا، تساؤلاً، ربما توفر الإجابات عليه، حلولاً ناجعة، مفاده: ما الدافع الذي يجعلنا نقرأ، فالبيئة العامة لا تحفز على القراءة، كما أن قراءاتنا، حتماً، ستكون باللغة الإنجليزية التي درسنا بها؟
خمسة كتب
يهوى أحمد الهاشمي، سنة رابعة إدارة أعمال في "تقنية دبي"، القراءة. ويميل إلى كتب التاريخ العربي والإسلامي. كما يضع لنفسه خطة تجعله يقرأ ما بين أربع إلى خمس كتب، سنوياً.
ويعبر الهاشمي عن استيائه من حال الشباب الذين انشغلوا عن القراءة بأمور أخرى. ويتابع:" مجرد الحديث عن القراءة يزعج هؤلاء الشباب. وتلاحظ أن أحدهم، يغير الموضوع فوراً، حين تحدثه في هذا الشأن.
وفي يومنا هذا أصبحت منافذ الإلهاء والترفيه غير الهادف، لدى الشاب، كثيرة. وهو ما يكفيه ليستمتع بوقته كيفما يشاء، طبعاً بعيداً عن الشكل المجدي البناء". ويلفت الهاشمي إلى أنه أسس مجلة رياضية مع مجموعة من زملائه في الكلية، وفي بداية العمل عليها واجه عقبات كثيرة. ولكن إصراره ورفاقه، كما يشير، جعل النجاح حليفهم.
رأي مغاير
يتفق فيصل الأميري، سنة رابعة هندسة ميكانيكية في كليات التقنية بالشارقة، مع حقيقة تراجع مستويات ونسب الشباب القارئ، حالياً. ولكنه يؤكد أن الوعي بأهمية القراءة ازداد في الفترة الأخيرة.
ويوضح رأيه: "القراءة مصدر الثقافة، وهي سبب التطور في مجال العمل. وساعد الانفتاح في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، على تعزيز مفهوم القراءة. كما أن الاختلاط بالثقافات المختلفة داخل الدولة، كان له أثر كبير في هذا الجانب".ويبين الأميري، أنه، شخصياً، يقرأ بنهم، في المجالات كافة، إلا انه يميل، غالباً، إلى كتب تطوير الشخصية والبرمجة اللغوية العصبية.
تباين
يرى عبد الرحمن إبراهيم يونس، مدير إدارة المكتبات العامة التابعة لهيئة دبي للثقافة والفنون، أن عزوف الشباب الإماراتي عن القراءة، نسبي. وهو ليس ظاهرة متعلقة بهم وحدهم، بل تشملهم مع مختلف فئات المجتمعات العربية المعاصرة، ذات الطبيعة الاستهلاكية، مشيراً إلى أن الانجذاب الشديد نحو تكنولوجيا الاتصال الحديثة كالهواتف النقالة والذكية وغيرها، أسهم في تقليل فرص الإقبال على القراءة التقليدية التي عرفناها في القرون الماضية.
ويذكر يونس، أن قراءات الشباب، التي يصنفها بمستوى النماء الجيد، بناء على تجربة المكتبات العامة التابعة لهيئة دبي للثقافة والفنون، تتنوع حسب ميولهم الشخصية وهواياتهم واحتياجاتهم المعرفية أو المهنية، مشيراً إلى أن هناك إقبالاً كبيراً نحو الأدب الروائي والقصصي العربي و العالمي، وروائع الأدب العربي الكلاسيكي والمعاصر. إلى جانب موضوعات إدارة الذات وعلم النفس الشخصي، وغيرها.
وسائل الاتصال في قفص الاتهام
أسئلة كثيرة وجهناها إلى المتخصصين في المجال الثقافي، وتوصلنا إلى حقائق أرقام مفزعة في هذا الشأن.
كما كشفت لنا الإجابات، مدى أهمية وضرورات العمل الدقيق، على خلق ارتباط بين الطفل والكتاب منذ الصغر. ويستعين هنا، الموجه الثقافي في وحدة الرقابة والتوجيه في الهيئة العامة لرعاية الشباب والرياضة، هاني محمد القاسم، بإحصائية أعدتها "اليونيسكو"، في عام 2011، تبين أن معدل قراءة الطفل العربي تصل إلى 7 دقائق سنوياً، مقابل 6 دقائق يومياً للطفل الأميركي، وأن الوطن العربي يصدر 5000 كتاب سنوياً مقابل 35000 كتاب تصدرها اليابان، و85000 تصدره أميركا.
ويشير القاسم إلى أن هناك عزوفاً كبيراً عن القراءة، ويفصل أسباب ذلك: "يعود السبب الأول، إلى الأسرة، التي لم تجعل من القراءة عادة يومية لدى أبنائها. كما أن أسراً كثيرة لا تمتلك حتى اليوم، مكتبة في المنزل، ما ينتج عنه قطيعة بين الطفل والكتاب. أما السبب الثاني فهو بفعل الدور السلبي لوسائل الإعلام التي لا تشجع أو تدعم القراءة، بالإضافة إلى قصور المناهج الدراسية التي تعتمد على الحفظ والتلقين، وكذا غياب الروح التشجيعية من قِبَل المؤسسات الثقافية".
%31
تؤكد إحصاءات إدارة المكتبات العامة التابعة لهيئة دبي للثقافة والفنون، بروز مستويات جيدة، إلى حد ما، في معدلات إقبال الشباب على القراءة، من بين مجموع المهتمين بالانضواء في عضويتها، أو الاستعارة منها، أو القراءة في فروعها وأجنحتها. ويوضح عبد الرحمن إبراهيم يونس، مدير الإدارة، وجود إقبال شبابي على القراءة واستعارة الكتب من "المكتبات العامة" التابعة لـ"دبي للثقافة".
ويضيف: :"بلغت نسبة الشباب الذين انضموا لعضوية مكتباتنا في الأعوام الخمسة الماضية، بهدف استعارة الكتب وقراءتها خارج المكتبة، حوالي 31% من إجمالي الأعضاء الجدد الذين انضموا إلى عضوية المكتبات خلال هذه الأعوام الخمسة، مقابل رسوم رمزية، ونعتقد أن هذه النسبة قابلة للزيادة، وعموماً فمن الصعب الحكم على معدلات ارتفاع أو انخفاض الإقبال على القراءة لدى الشباب، لأنه ربما يكون هناك زيادة في معدل القراءة إلكترونياً أو رقمياً".
وتؤكد تقارير ودراسات، متنوعة، في هذا الصدد، أن تركيز "المكتبات العامة" التابعة لهيئة دبي للثقافة والفنون، على فئات الشباب والأطفال، في برامج الاستقطاب للقراءة، لافت ومميز، كونها باتت تحقق بفضله، نجاحات مهمة على هذا الصعيد.
تاريخ القراءة.. قصة المعرفة
اقتفى الباحث آلبرتو مانغويل، في كتابه "تاريخ القراءة"، آثار «النصوص المكتوبة والمقروءة والمطبوعة»، عَبْر مختلف العصور التاريخية. إذ فتش عنها في الكثير من مكتبات العالم، لكنه بحث عنها داخل نفسه أيضاً. ويروي فيه قصة تاريخه مع القراءة، وتاريخها بالمطلق.
كما يحكي عن علاقته بالكاتب بورخيس في هذا الصدد. ثم ينتقل إلى بدايات الكتابة وإلى فنّ طباعة الكتب والأدب وشكل الكتاب، وإلى فعل القراءة وسلطانها. وكذلك يقدّم مانغويل نخبة من عظماء العالم الذين كانوا يكتبون ويحبون القراءة.


