الصندوق وقصص أخرى

شعرية اللغة وأوجاع الغربة والحروب

ألم الغربة الخانق، رائحة الموت تعشش في أيام الحروب الطويلة، صراع المرأة وجسارتها وسط كل المآسي، هذه المعاني الإنسانية وأكثر خطّتها العراقية ميسون مَلك في مجموعاتها القصصية «الصندوق.. وقصص أخرى» الصادرة حديثاً في المكتبات المصرية.

بقلمها نحتت ميسون مَلك صورة محددة الملامح للعراق الذي لا يعرفه الكثيرون، نظرة إنسانية عميقة إلى داخل المجتمع العراقي بتعقيداته، هذه الصورة بعيدة عن التنظير السياسي والتقسيم الطائفي المعتاد، رؤية إنسانية مفعمة بمشاعر امرأة تعرف مكنونات مجتمعها جيداً، وتعرف أكثر كيف تقدمها لقارئ بعيد عنه، ليرى صورة أكثر عمقاً ووضوحاً.

العراق الجوّاني

عنوان المجموعة القصصية «الصندوق» هو عنوان إحدى قصص المجموعة التسع، ولقصة «الصندوق» على وجه التحديد خصوصية، حيث تأخذ الكاتبة القارئ معها في رحلة شجية إلى العراق الجوّاني إبّان الحرب العراقية الإيرانية، نقلت ميسون أوجاع تلك المأساة ووقعها على الأسرة العراقية، وفي القلب منها المرأة، التي جسدتها «عائشة» الشخصية الرئيسية في هذه القصة، ويمكن أن نرى بلاغة التعبير في وصفها للحرب: «استمرت الحرب تتلقف، كنار وقودها بلا قرار، عمر الرجال، والقلوب واجفة، والأدعية الطالعة من أكباد الأمهات لا تصل السماء. وعندما تمّر الشهور وتبدأ الجثامين في الوصول إلى البيوت وتتشح الأمهات بالسواد والأخوات والزوجات بالسواد، يُلملم الناس خوفهم وأحزانهم في الصدور، ويهيأ لهم أنهم سائرون في درب يلفه ضباب كثيف يمتلئ بالرهبة والأسئلة الغامضة التي لا إجابات لها».

صراع داخلي

مثلما جسدت الكاتبة مآسي المرأة العراقية في الشأن العام، وتعاطيها مع الحروب، استطاعت أن ترسم صوراً أخرى أكثر تكثيفاً عن المرأة العراقية وصراعاتها الداخلية، التي لا تختلف كثيراً عن كل نساء الأرض، ويمكن أن نرى هذه الصورة مثلاً في قصة «الكابوس والرؤيا»، حيث تتبعت مشاعر امرأة حَملت في الخمسين من عمرها، وعلى وشك إجهاض الجنين، يمكنك أن ترى هنا مشاعر متدفقة متصارعة تعبر عن مكنونات امرأة تحاول أن تنتصر لصوت العقل، بينما قلبها يرجف، ونار مشاعرها تستعر.

شعريّة اللغة

اللافت في هذه المجموعة جمال اللغة وشعريتها، فأنت أمام نص نثري متدثر بجمال وعذوبة شعرية كاملة الأوصاف، إلى جانب الحيوية التي تنقلها إلينا الأسماء العراقية وبعض التعبيرات الدارجة في العامية العراقية، وصف تراكيب الأسرة العراقية وحميميتها، البيوت، والشوارع، والميادين، والزهور التي تكاد تشم عبيرها من الورق، كل هذا يأخذك بعيداً إلى عراق ميسون مَلك المشتهى وكل مهاجر أتعبه الترحال.

ميسون ملك كاتبة واقتصادية عراقية، نالت شهادة الاقتصاد من جامعة يورك في بريطانيا، وشهادة الماجستير من الجامعة الأمريكية في بيروت، عملت في مؤسسات عراقية ومصرية ثم انتقلت للعمل في الأمم المتحدة، حيث شمل عملها بلداناً متعددة في الوطن العربي وفي أفريقيا وجنوبي شرقي أسيا وأمريكا اللاتينية، لها مؤلفات بالإنجليزية في مجال التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ونُشرت لها قصص قصيرة بالعربية في مجلة الكرمل ومجلة أدب ونقد، وجريدة الحياة اللندنية، وتقيم حالياً ما بين مصر والأردن.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات