برناردين إيفاريستو في روايتها الفائزة بـ«بوكر»

«فتاة وامرأة وأخرى» كتابة صاخبة تنتصر للحياة

صورة

«فتاة وامرأة وأخرى» أكثر من مجرد رواية مجموعة من القصص، التي تتتبع مسار حياة 12 شخصية سمراء بريطانية ينتمين لأجيال مختلفة، وتتصل فيما بينها بدرجات متفاوتة؛ في لفتة أدبية تظهر ترابط المصائر والتكامل الفني للقصص.

إنه كتاب حقق لمبدعته جائزة «بوكر» الأدبية، وقد شاءت الكاتبة البريطانية من أصل أفريقي برناردين إيفاريستو من خلاله «جلب الحضور إلى الغياب» عبر إعلاء أصوات تعرّضت نموذجياً للتهميش والإغفال. وهذه مهمة يأخذها الأدب على عاتقه على نحو متزايد، ويميل الكتاب إلى تناولها عبر ألوان وأنواع أدبية مختلفة. التقاطع بين المصائر والقصص هنا، يشكل شعاراً وأساساً للقصة التي تروي إيفاريستو فصولها، عبر صفحات كتابها، الذي ينحو باتجاه الإضاءة على قضايا نساء العالم.

تسرد كل شخصية برواية إيفاريستو قصتها بلسانها، ونستطيع أن نراها بعيون الآخرين، حين يأتي دورهن لإخبار قصصهن في حبكة ممتعة، تتيح رؤية الفرد من منظوره الخاص، وعبر عدسات الآخرين. وهذا ينقلنا لسرد متعدد مستويات استقباله، وتتنوع محمولاته الانفعالية لتتيح للقارئ نظرة من زوايا متباينة.

منعطف

تنطلق رحلة إيفاريستو مع «آما»، المخرجة المسرحية البوهيمية وصديقتها «دومينيك» التي أدارت معها فرقة مسرحية لـ10 سنوات قبل الانطلاق إلى أمريكا وتعطي الدور لابنة «آما»، «تاز»، التي تتسلم إكمال القصة وتعرفنا بأصدقاء الجامعة.

تتسم «فتاة وامرأة وأخرى» بحسّ مسرحي قوي يعزى إلى مشهدية الخط السردي، وتملك كلاً من الشخصيات صوتاً متفرداً، حيث تبدو قراءة قصصهن أقرب إلى مشاهدة فصل مسرحي تؤديه امرأة واحدة، وتاريخ حياتهن يعرض ضمن حوار ذاتي أمام الجمهور.

وقد أقرت إيفاريستو بأن الكتابة المسرحية والخلفية الشعرية قد تسرّبتا إلى أوراق الرواية، التي أبدعتها وفق أسلوب أدب الخيال المنصهر، فجاء متدفقاً بحرية، غير مقيد بعلامات الوقف، مفعماً بإيقاع يقارب في أفضل تجلياته المقطوعة الغنائية.

«فتاة وامرأة وأخرى» تحكي عن الصراعات والحب والفرح والخيال، وقد نجحت إيفاريستو عبر لسان أبطالها بالاحتفاء بوجودنا وتدعيمه، وأظهرت أنه على الرغم من اختلافاتنا، فإننا في النهاية متصلون بطريقة ما.

6 سنوات

الرواية متشابكة الأحداث، وهي الثامنة للمؤلفة الإنجليزية، استغرقت كتابتها 6 سنوات، ونعرف من خلال فصولها، أن الشخصيات جميعها مترابطة بشكل ما، فهم إما أصدقاء أو أقارب أو متحابون مع اختلاف الحبكة الدرامية والتجارب والاختيارات التي تقوم بها كل شخصية.

تركز الرواية على قضيتين رئيستين هما العنصرية والنسوية؛ فالعنصرية لا زالت حاضرة في المملكة المتحدة، ونجد أن السود يناهضونها عن طريق «الشللية» أو مؤازرة الأبطال لبعضهم البعض في الأزمات، بالإضافة إلى التعامل بالتسامح واللين فيما بينهم، وحرصهم على أن يكونوا عائلة واحدة كبيرة في كل الأوقات.

قضايا

وترصد الرواية قضايا أخرى مثل قضية الحريات، وتشير إلى مستوى الحريات في بريطانيا المتدني عن الولايات المتحدة الأمريكية، حتى أن واحدة من الشخصيات وتدعى دومينيك تقرر مغادرة بريطانيا والذهاب إلى أمريكا بسبب شعورها أنها تعيش في الماضي وهي في بريطانيا، حتى وإن كانت النتيجة على الحائط تشير للعكس. وفي جانب آخر، تعرض الرواية أن السود في بريطانيا لا زالوا يحملون على أكتافهم عبأ «تمثيل العرق»، بمعنى أن أي شيء يقومون بفعله يتم تأويله على السود بأكملهم، أما الأشخاص ذوو البشرة البيضاء فلا يمثلون إلا أنفسهم بدون أية تداعيات عرقية.

لقد استعملت المؤلفة في الرواية العديد من اللهجات الإنجليزية الأفريقية، كما هو الحال في روايتها السابقة التي جاءت بعنوان «مستر لفرمان»، كلهجة الباتوا المستعملة في جامايكا، والبيدجن المستعملة في نيجيريا، والكوكني الموجودة في بريطانيا، بالإضافة إلى الإنجليزية العادية.

الهوس بالجمال

ومن القضايا الأخرى التي تعالجها الرواية فكرة الهوس بالجمال التي فرضها الإعلام على الساحة، فأصبحت كل امرأة ترى أنها إن كانت ليست بجمال نجمات السينما فلا حق لها في الوجود، وقد طرحت الكاتبة تلك القضية - وجميع القضايا الأخرى - بشكل غير مباشر وغير وعظي، أي عن طريق إلحاقها بالحوار بين الشخصيات، والحوار في الرواية سهل ممتنع إلى أقصى حد.

وأكثر ما يميز الرواية هو استعمال الكاتبة للدلالات الرمزية، التي لا تمر الواحدة منها مرور الكرام، ولكنها تخدم الحبكة الدرامية بشكل ما.

وهكذا نرى أن عالم إيفاريستو ليس مثالياً، ولكنه ساحر «سحراً واقعياً» إن جاز التعبير، ففي النهاية كل الشخصيات والأحداث مترابطة بشكل ما، والرواية تنتهي بحفل كبير تنظمه شخصية «آما»، وتحضره الاثنتا عشرة شخصية، فيشعر القارئ أنهن بالفعل عائلة واحدة كبيرة، تمثل نسخة جديدة من الواقع.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات