رواية مزخرفة بالشعر والفلسفة والسريالية

«عام القرد».. تحفة باتي سميث الممزوجة بالأحلام

صورة

تمر حياتنا بلحظات لا يعود فيها واضحاً ما إن كنا نحلم أحلامنا أو أنها تحلم بنا، لحظات يصفعنا فيها الواقع بقوة وحدّةٍ وزخم مفرط من الحقيقة لا يسعنا معها إلا أن نجلس على حافة الظنّ الحادة، ندلي أقدامنا نحو الحلم، على أمل بعض الوضوح وقوة الاحتمال، ومن ثمّ على تلك الأقدام المبلولة بالحلم نعاود الوقوف ونسير نحو الشك ونحلّق عالياً فوقه على أجنحة نسميها الأمل.

هذا ما تقدمه لنا الكاتبة والشاعرة باتي سميث بأناقة تفكير ومشاعر قلّ نظيرها في كتابها «عام القرد»، ليشكل تحفةً أدبية مدفوعةً بالحلم، مطالبةً بالحقيقة مزخرفةً بالشعر والفلسفة والسريالية والواقعية الأقسى المتمثلة بالأمل.

وفي حين استقلت باتي سميث في كتاب مذكراتها السابق «قطار العقل» موجة الوقت والتحول الموجه، جعلت من «عام القرد» متمحوراً حول الطبيعة الدوارة للوقت والوجود، وحول التاريخ الشخصي والثقافي والحضاري بما يعيد إلى الذاكرة أساطير سكان أستراليا الأصليين حول ألتيجيرا، أو الإله الخالق.

حلم وحقيقة

الرواية بجانب منها حلم وآخر حقيقة، تجري في مكان حيث «تخضع حدود الواقع لإعادة التصور»، تصطحب فيها سميث القارئ في رحلتين فريدتين: إحداهما يمكن تعقبها على خارطة، وأخرى أكثر غنى وتعقيداً تذهب بهم إلى مكان ما داخل القلب والعقل، فتسفر النتيجة عن سرد هجين يتوزع بين مدونة السفر، والمقال الذي يعكس واقع زماننا، والتأمل في الوجود على حافة عقد جديد من الحياة.

وفي حين تنطلق أحداث الرواية من فندق «دريم إن» الصغير في سانتا كروز، حيث سافرت سميث قبيل بلوغها عامها الـ 69، يتبدى عبر فصولها طابع الالتزام الشرس بمواجهة الحقيقة، ذلك الواقع المقلقل الذي نعيش فيه، واقع الاضطرابات والظلم الممهور بالسقوط البيئي والأخلاقي، إلا أنه من خلف الستار يظهر جبروت ما، من وراء الموت، وذوبان جبال الجليد وتحريف الحقيقة وسقوط العدالة، تستشعر سميث بروز شيء ما وتصرّ على الوجود كولادة قصيدة أو انفجار حمم بركان صغير، بروح من الإيجابية تحرّك الرواية برمّتها. إيجابية لا تبدو أنها إنسانية، بل جيولوجية الطابع، أشبه بإيجابية شجرة متجذرة بالزمن، في طبقات من ثقافات وحضارات كل الذين عاشوا وماتوا، حداهم الأمل أو أحبطهم اليأس، طافوا بحثاً عن المعنى أو سكنوا عالم الأحلام، في إيجابية الشك.

حوار دائم

ها هي لافتة الفندق تبث بها الحياة وتتحدث إليها وتتحوّل إلى محاوِرَتها الدائمة، وتطالبها بالاعتراف بالحلم، وتصرّ على قبولها بعدم الحقيقة، في حوارات شكلت المجاز الإبداعي الذي دعم أسس الكتاب. مجدداً في فصل آخر من الكتاب تتحدث سميث مع لافتة الفندق في مسعى يائس للعثور على الطمأنينة والوضوح وشعلة الأمل تلك، غير القابلة للانطفاء، فتقول: «لم أسأل اللافتة كيف سافر زوجي وابتعد في أيّما فضاء خصصه له الكون، ولم أطلب أن يكون ذاك قدر ساندي أو سام، فتلك أمور محظورة.. أعلم ذلك جيداً، لا يمكن للمرء أن يطالب بحياة، أو حياتين يعيشهما.. لا يمكن للمرء إلا أن يكفل أمل القوة المتزايدة في قلب كل امرئ».

أما إرنست رفيق أحلامها المتكرر، ذاك الذي التقته في مطعم على شاطئ فيرجينيا، بعينيه اللتين تحملان مسحة من الحزن والماورائية «المتغيرتين كخاتم مزاج تتراوح ألوانه بين الرمادي الصافي وبني الشوكولاتة»، فقد أخبرها ذات مرة بأن «بعض الأحلام ليست أحلاماً على الإطلاق، بل مجرد زاوية أخرى للحقيقة المادية».

بتأنٍ وانتظام، تتفتح لفافة جدارية متحررة من الطيف المسحور لذاك التفكير غير الاعتيادي، لتعكس الرسم الذي دأبت سميث تحيك خيوطه منذ البداية، وتذكرنا بأن أحلامنا، تلك الحيوات السرية للاوعي ليست مجرد استرسال أو ألعوبة، بل إناء حياتي نسكب فيه الواقع ونرفعه إلى أفواهنا لنترعه بحدةٍ أكبر.

سبر الأغوار

وتختتم سميث الكتاب بنوع من التكملة، حيث تسبر أغوار جحيم الخسارات في «عام القرد»، بدءاً من موت ساندي، ونفوق آخر حيوانات وحيد القرن الأبيض، ومذبحة أطفال المدارس، وظلم المهاجرين، وقتل المصلين وانتشار الأسلحة. وتصل بوضوح وصفاء إلى مصدر ظهور تلك الأشياء لترسم خط حياة وحيداً، فتقول: «هذا كل ما أعرفه.. سام قد مات، كذلك فعل أخي، وأبي وزوجي وهرتي، أما كلبي الذي مات عام 1957 فلا يزال ميتاً، ومع ذلك لا أزال أفكر بأن شيئاً رائعاً سيحدث.. ربما غداً، ربما في غد يلي أيام غد كثيرة متعاقبة.. لا أحد يعلم ما الذي سيحدث.. ليس فعلاً».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات