رواية تستحضر الأسطورة في معالجة موضوعات راهنة

«كل شيء».. ميلودراما «أوديب» بصيغة عصرية

صورة

وصلت رواية «إفريثينغ أندر»: « كل شيء محكوم» للكاتبة البريطانية، ديزي جونسون، إلى القائمة الطويلة لجائزة مان بوكر 2018، ووصفتها الكاتبة فال ماكدرميد، بأنها «تغيير عصري في سيرة أوديب لسوفوكليس، مع استحضار للعالم الطبيعي بحساسية تستثير الشر».

الرواية تقلب الأساطير الكلاسيكية الإغريقية والحكايات الشعبية الأوروبية إلى طابع أدبي عصري، وتأخذ القراء إلى أماكن غير مألوفة في إنجلترا العصر الحديث، وسبق أن نشرت الروائية عام 2016 مجموعة قصص قصيرة بعنوان «فن»، محيطها الأراضي الرطبة في إيست انغليا وسط مخلوقات الأنهر وعفاريت المستنقعات لمعالجة موضوعات كفقدان الشهية والعنف المنزلي والخلاف الزوجي.

لكن روايتها الأخيرة تستحضر وحوشاً أكثر تعقيداً على أنهار أكسفوردشير، تعيد مزج أسطورة أوديب في ميلودراما عائلية مضطربة بين أم بابنتها داخل بريطانيا المعاصرة. وقالت الكاتبة في مقابلة معها على موقع جائزة «مان بوكر» إنها أرادت «الكتابة عن النساء الأمهات والبنات اللاتي يجدن صعوبة في تواجدهن في أدوارهن».

وفي الحبكة، تسعى الفتاة غريتل إلى استعادة علاقتها بولادتها سارة التي هجرتها بعمر 16 عاماً، لكن ما إن تجتمع بها حتى تتعقد تلك الرغبة ويزداد الماضي حضوراً مع تكشف الأساطير الشخصية التي تجمعهما.

تتدفق ذكرياتها تدريجياً عن تلك السنوات الجامحة: تتذكر المفردات الخاصة بطفولتها وتلك اللغة التي ابتكرتها مع والدتها، والسنوات التي قضتها في منزل عبارة عن قارب على النهر، والفتى الغريب ماركوس الذي جاء للبقاء على القارب في فصل الشتاء بعد ارتكابه جريمة قتل في حالة من الجنون، وذلك الوحش «البوناك» الذي يعيش في قعر النهر ويخطف الحيوانات والأطفال.

ماذا حصل بينها ووالدتها على القارب؟ لا بد من أنه شيء رهيب، هي لا تذكر جيداً، ولا بد من المزيد من التعمق، تترك عملها في مجال تصحيح القواميس في أكسفورد وتنطلق لتجمع نتفاً من ماضيها، حيث تعود الأسرار والنبوءات تنبض بطريقة مأساوية.

وتكتب غريتل: «الأماكن التي ولدنا فيها تعود إلينا، تخفي نفسها على شكل صداع نصفي أو أوجاع أو أرق. تمثل الطريقة التي نستفيق فيها أحياناً ونحن نسقط، نتحسس طريقنا إلى مصباح السرير، متيقنين أن كل ما بنيناه ذهب أدراج الرياح في الليل. نصبح غرباء للأماكن التي ولدنا فيها.

لن تتعرف علينا لكننا نتعرف عليها على الدوام. هي نخاعنا، يجري زرعها فينا، إذا ما قلبنا جلدنا من الخارج إلى الداخل، ستكون هناك خرائط منقوشة في الجانب الخطأ من جلدنا، لكي نجد طريق العودة، لكن ما هو منقوش على الجانب الخطأ من الجلد، ليست الأقنية ومسارات القطارات والقارب، لكن دائماً أنت».

لكن مشروعها للحصول على معلومات من والدتها يزداد صعوبة بسبب الخرف الزاحف، وهي تمضي تناجي نفسها في سرد انسيابي يأخذ طابع الحب والكراهية، تقول لوالدتها التي استقدمتها للعيش في منزلها إنها تعتقد أحياناً إنها ثابرت على الاتصال بمشارح المستشفيات: «للتأكد أنك لن تعودي».

الرواية مبنية حول ثلاثة فصول تمر مراراً وتكراراً: «الكوخ»، «النهر»، « الصيد». الفصل الأول يدور عن منزل معزول، حيث غريتل حزينة وحيدة، الثاني خلال إقامة الأم والابنة على قارب لسنوات عدة، والثلاث يوضح بحث غريتل عن والدتها وماهية وحش النهر الذي تطلق عليه، هي وأمها، «البوناك». فهذا الوحش برأسين يشكل رمزاً ينذر بمأساة.

سراب الحرية

شخصية أوديب في الرواية تمثلها مارغو، الفتاة الصغيرة بقصة الشعر القصيرة، وقد يكون «البوناك» سبب هجران مارغو في مكب للقمامة كطفلة، بأسلوب سوفوكليس، وإلى ارتكاب جريمة فيما بعد في نوبة من الجنون. كل ذلك يجري التنبؤ له من جانب فيونا، التي تفجر القصة على نحو غير متوقع.

تقول سارة لغريتل في الرواية: «لا مفر. فإن الطريقة التي سننتهي عليها مرمزة فينا من اللحظة التي ولدنا، وأي قرارات نتخذها هي مجرد سراب، أطياف لإقناعنا بالإرادة الحرة». وفي النهاية لا شيء يمنع الكارثة التي تتنبأ بها فيونا، فالمأساة حتمية إذ لا شيء أكثر إخلاصاً من جونسون للمادة المصدر، أوديب، لسوفوكليس. والنتيجة هي ميلودراما من الغرائبية بصيغ إيقاعية شاعرية.

أسرار العالم الطبيعي

وإلى جانب الأساطير والحكايات، تستقي الكاتبة أيضاً من أسرار العالم الطبيعي لتعثر على انتمائها وحبها الضائع. تعيد تخيل منظر الأنهار الطبيعي، تخبرنا أن من يترعرع بالقرب من المياه مختلف عن غيره، فنحن محكومون، أما حياتنا فتقررها التلال والأنهار والأشجار، وفي الحفر تحت السطح، تقول غريتل لوالدتها: «كنت أنت النهر الفوضوي ولحاء شجر الصنوبر المذروف في الصيف والأرض المليئة بأفخاخي المعدنية».

وتقدم جونسون فنتازيا بتفاصيل واقعية عن حياة الريف في إنجلترا، وبأسلوب انسيابي تضفي أجواء من الرهبة المأثورة على الأماكن.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات