مرثيّة تعيدُ مآثر الغائبين إلى ذاكرة الأحياء

«مذبح» هنري جيمس طريق لفهم الحياة

في «مذبح الموتى»، لم يقدّم هنري جيمس قصّةً، بل مرثيّة حقيقيّة تعيدُ الحياةَ للموتى، هؤلاء السّاقطين من ذاكرة الأحياء، وتعيدُ للغفرانِ مذبحهُ المتلألئ بمئاتِ الشّموعِ التي تنيرُ عتمة الرّوحُ في طريقها إلى الخلاص.

هكذا قدم الشاعر والمترجم والصحفي التونسي وليد أحمد الفرشيشي ترجمته لرواية «مذبح الموتى» الصادرة في ديسمبر الماضي عن دار «مسكيلياني» للنشر بتونس، حيث سعى إلى استعادة مدونة الروائي البريطاني من أصل أمريكي هنري جيمس (15 أبريل 1843 - 28 فبراير 1916) مؤسس وقائد مدرسة الواقعية في الأدب الخيالي، والذي يعده العديد من الأكاديميين أعظم أساتذة النمط القصصي.

ورواية «مذبح الموتى» نشرت ضمن مجموعة «خواتيم» في عام 1895، الى جانب مجموعة من القصص الأخرى، وهي تقع على الخط الحدودي للقصص الخيالية ويمكن تصنيفها ضمن النوع الفرعي من قصص الأشباح، وذلك بسبب الوجود القوي للمفقودين، حيث تتفادى سرد الأحداث المصطنعة لصالح علم النفس والتجليات الروحانية، التي تحتل مكانًا بارزًا في إبداعات جيمس. ومن ثم فهي حالة خاصة من الأدب الرائع.

منذ وفاة ماري أنتريم قبل زفافما، كان جورج سترينسوم لا يطاق، وعندما يموت أحد أصدقائه، أكتون هيج، الذي كان في نزاع معه، بدوره، قرر أن يكرس طقوساً لمخاطبة أرواح أقاربه وأصدقائه الموتى بإضاءة شمعة على كل مذبح تم تشييده في كنيسة كاثوليكية. لكن مع حرص استثنائي على عدم تكريم صديقه القديم.

بعد مرور بعض الوقت، لاحظ سترينسوم أن امرأة شابة تجلس في كثير من الأحيان لحظات طويلة أمام المذبح، وسرعان ما أصبحا صديقين، خصوصًا أن سترينسوم علم أن تلك المرأة كانت أيضاً على علاقة بصديقه اللدود أكتون وكان لديها في السابق سبب للشكوى منه لكنها غفرت له، وهي خطوة يرفض سترينسوم اتخاذها، وهذا الاختلاف في المواقف يطلق غيمة سوداء على العلاقة بينهما إلى درجة أنها تبعد كلا منهما عن الآخر.

بعد ذلك بوقت طويل، بينما كان يحتضر، يرى سترينسوم تلك المرأة عن طريق المصادفة ويتفق كلاهما على أن التشبث بحجته كان بلا جدوى، وأنهما تركا شخصًا ميتًا يقف بينهما ويحول دون سعادتهما.

من هناك، يتعلم سترينسوم الدرس، ويصبح على استعداد لمغفرة جميع أخطاء صديقه القديم، حيث إن الموت كفيل بالقيام بدوره.

الرواية، تحمل الكثير من المعاني التي تجعل قارئها ينظر إلى الكون والبشر والحب والحياة والأحداث بعين مختلفة، ويخرج من شرنقة الحقد والكراهية إلى نور التسامح والمحبة والسلام، وهي تفتح آفاقاً واسعاً عبر أدوات سردية متأتية من حرفية عالية ومن خيال شاسع عرف به الكاتب هنري جيمس، وما يزيدها ألقاً شاعرية الترجمة وقدرتها على النفاذ إلى ذات القارئ برغبة جامحة في التنافذ مع الماورائيات ودورها في حياتنا اليومية، وكيف للإنسان أن يعطي قيمة للحياة من خلال تعمقه في معنى الموت ليس كنقيض للحياة ولكن كامتداد موضوعي لها.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات