فك رموز الحضارات القديمة في الأسطورة والفن والعمارة

انتشار الأساطير

لم يأل الإنسان جهداً في محاولة تفسير كل شيء يحدث حوله في الطبيعة، واضعاً كل ما يعترضه من ظواهر في ميزان عقله، ففسر كثيراً منها مستخدماً وسائل البحث العلمي والمعرفة، ووقف عاجزاً عند كثير، ذلك العجز أوحى إليه أن يبتدع الأساطير والرموز ناسباً إليها كل ما توقف عقله عن فهمه وقصر جنانه عن احتوائه.

يبرز كتاب «انتشار الأساطير.. فك رموز الحضارات القديمة في الأسطورة والفن والعمارة»، لكل من ماري دي جونز ولاري فلاكسمان، ترجمة عبدالله بن محمد، الحاجة الماسة للتعمق في فهم الرمزية القديمة باعتبارها جزءاً من ماضي البشرية وحاضرها.. بل هي في جوهر ذواتنا، وتمثل جزءاً لا يتجزأ من عملية تشكيل الوعي الجماعي للشعوب وترسيخها على مر الحضارات، حيث تحمل كل أسطورة أو خرافة، مجسدة في الرسم أو الغناء أو الآثار والصروح القديمة، طبقات مشفرة من الحكم والعلوم والحقائق المتوارثة عبر الأجيال.

ويهدف الكتاب إلى دراسة كيفية انتقال المعلومات بشكل فيروسي منذ آلاف السنين، أي قبل فترة طويلة من ظهور وسائل الاتصال الحديثة والإنترنت، من خلال النبش في ألغاز الماضي انطلاقاً من الأساطير اليونانية والرومانية الكبيرة ونصوص الأديان الرئيسة في العالم، مروراً بالفولكلور والحكايات القديمة والصروح والمعالم المقدسة، وصولاً إلى لوحات الكهوف ورموز «بطاقات التارو» الغامضة، لفهم تأثير ذلك في أنماط التواصل ونقل المعلومات الأكثر تطوراً اليوم.

ويرى مؤلفا الكتاب في خاتمتهما أنه «مهما تعددت القرائن التي تركها لنا أجدادنا، فإننا لم نعثر بعد على القطعة النهائية الثمينة لحل اللغز، والتي ستكمل صورة ماضينا، وذلك ببساطة لأننا لم نكن معهم حتى نراها».

وذلك أمر محبط في نظر المؤلفين، لعجزنا عن العودة بالزمن إلى الوراء لنشهد ولادة الفكر والمعرفة، ونسأل الأقدمين عن سبب كتابتهم للأساطير وروايتهم للحكايات، ولماذا بنوا الأهرام والصروح العريقة، ولماذا حفروا الكتابات الرمزية.

وفي ما يراه المؤلفان مفارقة، يستطيع الإنسان الآن الوصول إلى المريخ وتأسيس مستعمرة بشرية فيه، لكنه يعجز عن فهم رسائل الشعوب البدائية التي أرسلوها عبر أساطيرهم ونقوشهم ورموزهم وصروحهم.. وكيف صاغ الأقدمون أساطيرهم من خلال بحثهم في الطبيعة دون الحاجة لتبرير علمي، بل تركوا لأخيلتهم العنان لصياغة مذهلة لا تزال تدهشنا في عصرنا الحديث.

ويواسي الكاتبان نفسيهما بالقول إننا بقدر ما ننظر إلى تاريخ الكتابات والرموز والفن والهندسة المعمارية للأزمنة الغابرة في محاولة لفهمها، نترك اليوم كماً هائلاً من القرائن على النحو الذي نحن عليه، حيث سيأتي اليوم الذي يتم فيه فحص شعارات «نايك» و«ماكدونالدز» وعلامات «آي بي إم»، وسوف توضع روايات مثل "موبي ديك" جنباً إلى جنب مع «50 ظلاً رمادياً» في المتاحف مستقبلاً، كما ستعرض الشموع إلى جوار «آي فون»، في متحف لوسائلنا القديمة والبدائية من الاتصالات، حيث سيتحدث الناس بعد ألف عام غالباً، بشكل تخاطري ودون كلام، سيتم تفحص نسخ البرامج التي تشغل الناس حالياً مثل «أميركان آيدول»، إلى جانب أفلام نالت الشهرة في عصرنا هذا، إضافة إلى صرعاتنا في المكياج والملابس وطريقة عيشنا، كل تلك الأمور ستكون مثار فضول بشر بعد آلاف السنين، يبحثون ويدققون في الماضي كدأب الإنسان منذ وجوده، في محاولة فك رموز هوية الإنسان، وسر وجوده كنوع.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات