عمل ينضح بانجذاب مبكر لتقديس السوداوية خلف واجهة الحلم الأميركي

«مساحة للحلم».. سيرة ذاتية هجينة بطلها لغز جميل

صورة

إن كانت حياته «بدرجة كبيرة فعل ممارسة للعبقرية الخالصة»، فإن «مساحة للحلم» عنونت آخر كتاباته بالتعاون مع الصحفية كريستين ماكينا، في مزج فريد من نوعه بين السيرة الذاتية والمذكرات الشخصية، وكأنه سرد تاريخي شفوي لمسيرة ديفيد لينش المهنية، يتلخص توصيفها في نهاية المطاف بأنها تدور حول «شخص يتحاور مع سيرة حياته»، ويطرح منذ البداية تساؤلات عن الغاية الكلية من كتابة المذكرات، إذ إنه لا سبيل برأيه إلى إظهار جوهر لحظات الحياة، لأنه كما يقول، «بوسعك أن تخبر كل القصص التي تريد، لكنك لن تختزل مع ذلك ما كانت عليه التجربة، وكأنك تخبر أحدهم حلماً، وأنت تعلم أن ذلك لن يمنحهم الحلم».

«مساحة للحلم» سيرة ذاتية هجينة، ممتلئة بما يزيد على 100 مقابلة ترسم صورة كاملة، أتم كتابتها لينش بالتعاون مع الصحفية كريستين ماكينا. الإصدار الجديد يميط اللثام عن لينش الفنان والمخرج والعاشق والطفل، قافزاً فوق مرحلة الفتوة في إيداهو، نحو زيجات أربع، ومعارض بلغ عددها 23، وألبومات ثمانية، وأفلام وصلت إلى 35 عملاً.

ومع أنه يمكننا القول إن مياه الكتاب تتفرع في عدة أقنية، فإنها لا تغوص عميقاً، لتتمخض عن مساحة للحلم تدور حول الحواف والهوامش، وتقدّم ومضات وتلميحات مختلفة، إلا أن الرجل في المحور يظل لغزاً جميلاً.

الغموض أمر مهم للمخرج وكاتب السيناريو والمنتج والرسام الأميركي، أما التفسير فهو محُرم. أفلامه تتحدى مبدأ التفسير المباشر الذي لم يقدمه مرةً، العالم بالنسبة إليه سر غامض وأفلامه تعيش في الظلمة، إنه مستعد لأن يخبرنا كيف حصلت دون أن يجيب عن تساؤل: «لماذا؟»، وكأنه كما يقول صديقه المشرف الموسيقي دين هولي: «يمتلك قدرة ترتيب الأشياء في خزائن داخل عقله والتعامل معها أو لا وفق شروطه الخاصة، فهو سيد أفكاره الخاص وأفضل من حظي بوجه خالٍ من الانفعالات في العالم».

أما عن سيرته الذاتية، فطالما شعر بالحياء، لذا يشكّل الكتاب الممتد عبر 600 صفحة مفاجأة تدفع إلى السؤال عما إذا كان قد رفع من سقف قواعد اللعبة.

الحديقة المسيّجة

هناك الكثير من المؤشرات المثيرة لشهية الوحوش التأسيسية في الحديقة المسيجة لحدود مخيلته. وينضح كتابه الأخير بانجذاب مبكر لتقديس السوداوية الكامنة خلف واجهة الحلم الأميركي.

وقد أشار خلال فترة الخمسينيات «الحالمة» من عهد أيزنهاور إلى أنه «لطالما كان يعلم بحدوث أمور لم تكن سعيدة». ومع أن ماكينا تصف طفولة لينش بـ«الرعوية والآمنة»، فإن سرده الخاص يحمل قدراً أكبر من التشويق العابق بالتفاصيل.

وقد وصف الناقد الأدبي غرايل ماركوس بإسهاب كيف تصوّر أعمال لينش خيانة الحلم الأميركي، وترسم ظلالها المركبة. ويتضح من كتاب «مساحة للحلم» كيف نجح لينش في إدراك تلك الرؤية، وفق قواعده الخاصة على الأغلب، وبمواجهة كل التحديات.

أجود أعمال لينش تدور حول ثيمات التوأمة والمضاعفة، ففريد ماديسون يستيقظ كبيت دايتون في فيلم «الطريق المفقود»، وتؤدي امرأتان دور الشخصية ذاتها في «طريق مولهولاند» لعام 2001، لذا لا يعتبر مفاجئاً أن يبنى هيكل «مساحة للحلم» على شكل سلسلة من الفصول المتبدلة المتنقلة بين عصا سرد كل من لينش وماكينا، فترسم الصحفية بدايةً خريطة طريق المقابلات والشهود لوضع مخطط أساسي للرواية، ويدخل الفنان على الخط لإضفاء لمسةً وتفاصيل شخصية.

رؤية

يمارس «مساحة للحلم» الخدعة بذكاء حين يزيح ستار لا يكشف إلا عن القليل فقط نسبياً، وعلى الرغم من ضخامته، فإنه لا يجهد كثيراً ليسوق مسوغات تفسّر غموض أعمال لينش، ولكن الغموض في النهاية هو الجوهر، وشرحه قد يدمره، وهكذا فإن القارئ لا يحصل إلا على ومضات تضيء عملية إبداع لينش.

ويبدو أن رؤية لينش تعكس نظرته وتجربته مع العالم الحقيقي، وأحياناً ما يتبدى لقارئ «مساحة للحلم» أنه في جولة من المشاهد الأولية مع عدد من الحلقات المسرحية الرمزية المستقاة من حياة الكاتب مباشرةً.

وهو ينجح في إظهار مساحةٍ تشكّل ملاذاً للاحتماء من غضب العالم الخارجي، إذ يجد الأمان الضروري للإبداع، يجد في استعارة لغة التأمل التجاوزي الذي يحبه حيزاً يعيد ولادة التجربة في إطار فني.

ويشير إلى أنه باعتماد مقاربة وموقف مناسبين، يمكن للفنانين الآخرين أن يعثروا على مساحة ليحلموا. وبلا شك إن «مساحة للحلم»، كما أفضل أعمال لينش، يثير الحيرة وينصر الحلم ويدفع إلى التساؤل.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات