إضاءات على أخطاء «الحقبة النيكسونية» وسلبياتها الفاضحة

«حروب البيت الأبيض».. معارك نيكسون ومصيره

ظلت تحمل اسم «الورقة الرابحة» أو «الجواد الفائز»، وخاصة بعد إظهار «كراماتها» خلال أتون الحرب العالمية الثانية (1939- 1945).

صحيح أنها دخلت معارك الحرب المذكورة متأخرة بعض الشيء، وبالتحديد مع حلول عام 1942، لكنها أضافت إلى معسكر الحلفاء، المؤلَّف أساساً من إنجلترا وفرنسا، وزناً لا يستهان به في تحقيق النصر على المعسكر المضاد الذي كان مؤلّفاً، في الأساس أيضاً من ألمانيا النازية بزعامة هتلر، وإيطاليا الفاشيّة بزعامة موسوليني.

نتحدث بداهة عن «الولايات المتحدة الأميركية» التي يرصد مراحل متنوعة من تاريخها كتاب «حروب البيت الأبيض في عهد نيكسون» لباتريك بوكانان، فالولايات المتحدة أضافت إلى فوزها عند منتصف أربعينيات القرن الماضي «كرامة» أخرى تمثلت، رغم فداحتها، في التوصل إلى قنبلة ذرية.

صحيح أن هذا التفجير الذرّي ألحق بعدوها الياباني أضراراً فادحة الجسامة (في هيروشيما ونغازاكي) إلا أن أميركا دخلت عقد الخمسينيات من بوابة أقل فداحة وربما أكثر جاذبية: هذه البوابة استندت إلى محاور ثلاثة هي:

(1) مشروع مارشال الذي اعتمدت أميركا من خلاله أموالاً سخيّة من أجل إعادة تعمير ما دمرته الحرب في أوروبا.

(2) مشروع النقطة الرابعة، لاستمالة الدول غير الأوروبية من أجل تأييد أميركا وموالاتها من خلال تقديم المعونات النقدية والمساعدات العينية.

(3) مشروع تطويق الخصم الجديد (السوفييتي) بحلقات من الأحلاف وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، وتم ذلك تحت لواء سياسة «الاحتواء» التي ذاعت شهرتها مع مطالع الخمسينيات من القرن العشرين.

وقتها تولى مقاليد الأمور في البيت الأبيض رئيس جديد هو الجنرال دوايت أيزنهاور (1890- 1969) ليصبح الرئيس الأميركي رقم 34، وليعمد في ذلك الحين إلى الموازنة بين تاريخه وشخصيته العسكرية، وبين إضفاء الطابع المدني على حقبته الرئاسية التي امتدت عبر ولايتين في المنصب الرفيع وحتى حلول عقد الستينيات من القرن العشرين.

وجاء هذا الطابع المدني مجسَّداً في شخصية مدنية هي نائب رئيس الدولة الأميركية على مدار الخمسينيات. وكان اسمه ريتشارد ميلهاوس نيكسون (1913- 1994).

كان سياسياً متمرساً ومحنَّكاً.. رشحه الحزب الجمهوري ليتولى رئاسة الدولة الأميركية بعد أيزنهاور.. ودللوا على ما كان يتمتع به من مزايا جاء في مقدمتها طبعاً تلك السنوات الثماني التي أمضاها نائباً لرئيس الدولة. ومع حلول موسم انتخابات عام 1960 كان فوز نيكسون عن الحزب الجمهوري مضموناً أو شبه مضمون.. لكن جاءت الصدمة السياسية حين فاز عليه، ولو بهامش ضئيل، المرشح المنافس عن الحزب الديمقراطي وكان شاباً واعداً وسيماً ومثقفاً اسمه جون كينيدي.

هكذا كان على نيكسون أن ينتظر فرصة فوزه من جديد ليدخل المكتب البيضاوي إياه رئيساً في عام 1969.

لكن، رغم كل خبراته وتاريخه السياسي، فإن البيت الأبيض الذي ترأّسه نيكسون كان أقرب إلى حلبة للصراع.. أو بالأدق كان ساحة للحرب على نحو ما يذهب إليه واحد من أقرب مساعدي الرئيس ريتشارد نيكسون وهو باتريك بوكانان، السياسي المخضرم الذي مازال يشكل رقماً صحيحاً ومعتبراً في معادلات السياسة الأميركية المعاصرة.

وقد نشر باتريك بوكانان كتابه الذي ما برح يشغل اهتمام الأوساط الفكرية والسياسية في أميركا.. تحت عنوان رئيسي هو: «حروب البيت الأبيض في عهد نيكسون».

ثم جاء العنوان الفرعي للكتاب على النسق التالي:

.. المعارك التي حسمت بالسلب والإيجاب مصير رئيس، بل وأدت إلى انقسام أميركا إلى الأبد.

في ظل الرئيس نيكسون، كان المؤلف كبيراً للمستشارين فيما كان أيضاً كاتب الخطابات الرسمية للرئيس الأميركي. وقد قُيِّض لمؤلفنا أن يواكب حقبة نيكسون بكل إنجازاتها التي لا تُنكر، وفي مقدمتها وضع نهاية لتورط أميركا في الأدغال الآسيوية في فيتنام، وتحديد بداية لعلاقات طال انتظارها بين أميركا وجمهورية الصين الشعبية.

وبنفس المقياس التاريخي يعرض كتابنا إلى ما شاب مراحل الحقبة النيكسونية المذكورة من أخطاء وسلبيات لا سبيل إلى إنكارها أو تجاهلها ما بين اندلاع مظاهرات الاحتجاج الطلابية ومقاومة الدعوات والسلوكيات العنصرية في الداخل، إلى اجتياح كمبوديا في الشرق الآسيوي .

وصولاً إلى الضربة القاضية التي أطاحت برئاسة نيكسون ذاتها متمثلة في حادثة السطو الشهيرة على مقر الحزب الديمقراطي المعارض ـ بناية «ووترغيت» التي وضعت ريتشارد نيكسون بكل تاريخه الحافل أمام مصير العزْل أو الطرد من المنصب، وهو ما فرض على «المذكور أعلاه» أن يستقيل، فيما دخلت «ووترغيت» في الأحداث الدولية الشهيرة ومعاجم التاريخ السياسي.

وحين يحلل الكاتب أبعاد سيرة ريتشارد نيكسون وتطورها، فهو يبدأ برصد مرحلة المدّ والصعود، حيث بلغت شعبيته نسبة معقولة من التأييد بنحو 70 في المئة فخلعوا عليه في عام 1970 وصف «الأجدر من رجالات أميركا بالإعجاب» وبعدها ارتفع مدّ التأييد ليفوز نيكسون في انتخابات عام 1972 على منافِسه ماكجفرن بتأييد ساحق من جانب 49 من ولايات أميركا الخمسين.

على أن سطور كتابنا تنتهي عند مرحلة الغروب أو الانحسار بل هو الهبوط أو السقوط، حين تكشَّفت أسرار فضيحة «ووترغيت»، وهنا ترصد مذكرات المؤلف تحولات رئيسه نيكسون الذي حاول أن يبدو متماسكاً أمام الناس، فكان أن برز على شاشة التلفاز ليردد عبارته الشهيرة وهي: أنا لست محتالاً (أو كذاباً).

الكتاب: حروب البيت الأبيض

المؤلف: باتريك بوكانان 2018

الناشر: مؤسسة كراون فورَم

الصفحات:

436 صفحة

القطع: المتوسط

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon