مخطط أميركا من أجل إلقاء اللوم على روسيا

كيف تآمرت الدولة العميقة في واشنطن من أجل تشويه صورة موسكو

صورة

على خلاف العلاقات بين الدول الكبرى، فإن ما يدور حالياً بين «واشنطن - ترامب» و«موسكو - بوتين» يكاد يقترب من حالة الشد والجذب إلى حد يصفه بعض المراقبين بأنه أقرب إلى ألعاب السيرك. ويكفي كمثال وحيد وسريع أن يتوقف المحلل السياسي عند تهديد الرئيس ترامب بالانسحاب من الاتفاقية النووية المبرمة بين قوى الغرب وإيران، فيما يتوقف في الوقت نفسه عند تحذيرات الرئيس الروسي بوتين من الخطر المحتمل بأن ينال هذا التهديد حالة الاستقرار في المعادلة النووية.

في ضوء هذه الثنائيات المتبادلة بين أكبر قوتين تكادان تسيطران على المشهد العالمي الراهن، نتصفح كتاباً يصدر بدوره عن نغمة مستجدة على المسرح السياسي الراهن بالولايات المتحدة، الذي تسيطر عليه جماعة الرئيس الحالي دونالد ترامب، وتوجَّه فيه كل الاتهامات إلى ما تصفه تلك الفصائل «الترامبية» بأنه «التدخل الروسي في الشأن الأميركي الداخلي»: ما بين مسير الانتخابات الأميركية في الخريف المنصرم «دونالد - هيلاري» إلى ما يرددونه هناك عن الدور الروسي الذي يمارسه الكرملين حالياً في بقاع شتى من خارطة عالمنا يأتي في مقدمتها الشرق الأوسط بطبيعة الحال.

من هنا تأتي أهمية المبحث الذي يتبعه الكتاب الصادر أخيراً في أميركا تحت عنوان: «مخطط إلقاء اللوم على روسيا»، ويتبعه على سبيل الإيضاح عنوان آخر يقول: (كيف تآمرت المخابرات المركزية والدولة العميقة في أميركا من أجل تشويه روسيا).

والحق أن ظل الكتاب وعنوانه يجذبان اهتمام القارئين والمحللين باعتبار أن مؤلفه هو الكاتب الأميركي دان كوﭭاليك، الذي يجمع بين التأليف والتحليل السياسي وبين كونه محامياً في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان.

ومن المؤكد أن هذا النهج الذي يتبعه المؤلف عبر الكتاب من انتقاد «الدولة العميقة» في أميركا هو الذي دفعه، إلى أن يعزز ما يذهب إليه من أفكار وما يعرضه ويحلله من أحداث ـ من خلال اتباع نهج وثائقي يتكئ على مستندات مستقاة من واقع الأرشيف الأميركي ذاته ليصل إلى مقولة محورية يعرضها الكتاب في عبارة تقول: «...إن الولايات المتحدة حاربت ضد ما يكاد يكون كل حرب من حروب التحرير خاضتها شعوب العالم الثالث، وكثيراً ما دخلت شريكاً مع قوى اليمين الفاشستي...».

ورغم هذه النغمة الهجومية كما نرصدها من جانب مؤلف الكتاب، إلا أنه لا يلبث أن يتبع، جادة أقرب إلى الاعتدال والموضوعية، حين يمضي موضحاً أن التعاون المتبادل بين أميركا المبادِرة وروسيا الراغبة هو أفضل السبل الكفيلة بالتعامل الإيجابي مع مشاكل عالمنا.

على أن مؤلفنا لا يلبث يعود إلى ما يسميه محللو الكتاب بأنه العزف على نغمة توراتية، حين يمضي منبِّهاً الأميركان إلى الكف عن معايرة الروس بما سبق وشهده الاتحاد السوﭭيتي من مذابح في حقبة الديكتاتور جوزيف ستالين (1879- 1953). لينبه الأميركان بأنهم - أو أسلافهم - «أنشأوا أميركا ذاتها في غمار عمليات إبادة بشرية لسكان البلاد الأصليين». في السياق نفسه، تمضي فصول الكتاب إلى التذكير بما يصفه أنه استفزاز روسيا ومن ثم التهوين من شأنها، وخاصة بعد تصدع وزوال الاتحاد السوﭭيتي مطلع تسعينات القرن الماضي، وهو ما أدى في تصور المؤلف إلى تبديد أي احتمالات للتعاون بين روسيا وأميركا لخدمة قضايا السلام العالمي.

وإذ يؤوب المؤلف إلى شواطئ التحليل الموضوعي الهادئ فهو لا يتردد في تكرار دعوته إلى أن تتخلى الدولة العميقة في واشنطن عن مخططات «السي.آي. إيه» وعن حملات الأخبار الزائفة والمعلومات الشائهة أو«المفبركة» كما باتوا يسمونها، وهو ما يفرض على تلك الدوائر الحاكمة في إدارة ترامب أن تدرك بأن في السلم والدبلوماسية ما يحقق أفضل مصالح الشعبيْن في أميركا وروسيا، وهو ما يستوجب أيضاً تغيير مسار السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات