محمد شكري وغراهام غرين.. سيرتان ومقارنات بنيوية وسيكولوجية

تقارن الباحثة هيبة عبد الصمد في كتابها «الذات بين الحجاب والسفور.. دراسة مقارنة بنيوية وسيكولوجية لسيرتي محمد شكري وغراهام غرين»، بين مبدعين عملاقين، إذ تتوسع في قراءة أبرز الأحداث والحيثيات في سيرتيهما، وتحديداً تلك التي تركت بصمات كاوية على حياتهما الشخصية، فتعمد إلى استجلاء أبرز محاور مسارهما، بما فيهما من صخب وتمرد وعصيان واضطهاد وتجريح وسخط واستهزاء، واستيهامات ومكبوتات وأحداث هي فعليا تجارب حياة وذكريات.

اتبعت هيبة عبد الصمد في بحثها، كما توضح في المقدمة، منهج التحليل النفسي والتفسير السيكولوجي، الذي يكشف طريقة طرح الأفكار، ودور الأسلوب واللغة في كشف المستور والمنسي، عن قصد أو عن غير قصد، مركزة الاهتمام على استنباط المعاني المبطنة، والجمل التي تروي المهم وتخفي الأهم من الأحداث والشجون التي تركت آثارها في شخصية الكاتب وولدت انفعالاته الحاضرة.

تعرف المؤلفة في التوطئة بالسيرة الذاتية وبأشكالها المتعددة وبالعلاقة المفترضة بينها وبين علم النفس. ومن ثم تقرأ في كتابها سيرتي شكري وغرين، بما فيهما من اختلافات تعود أسبابها إلى تباين الظروف والبيئة واللغة، وإن كان الألم لغة مشتركة بينهما، فمن خلالها يكشفان أمام القارئ سبل تجاربهما وأفكارهما وما سجلته الذاكرة من مواقف ميزت حضور كل منهما.

وركزت الباحثة في عملها على ما هو مشترك بين السيرتين اللتين توافقتا زمنياً، حيث إن الكاتبين، كتبا سيرتيهما في أواخر القرن العشرين، وقد استخدم كل منهما وسيلة لمواجهة مشاكله النفسية. واعتبر كلاهما أن السلطة الأبوية التي مارست الإلغاء المعنوي والمادي، كانت أساس أزمتيهما النفسية لأنها ولدت لديهما الشعور بالدونية تجاه الآخرين.

وزاوجت د.هيبة في كتابها بين منهج يونغ النفسي والمنهج السردي البنيوي، الذي ينظر إلى النص باعتباره بنية متماسكة متفاعلة العناصر، حيث إن كل عنصر يؤدي وظيفة مرسومة له، وبينت أنه، برأيها، تنطبق أدوات يونغ، كالتحليل والتدوير والاستبصار، على الطريق التي اتبعها محمد شكري وغراهام غرين لفهم الذات والتخلص من المكبوتات المختزنة في اللاوعي.

ثم تعرض المؤلفة في كتابها للعناوين العريضة التي شكلت محطات أساسية في سيرتي محمد شكري وغراهام غرين، فتوقفت عند مراحل الطفولة لكل منهما لاكتشاف الأنماط السلوكية منذ بداية تشكلها في طفولتهما المبكرة، وتأثيرها في تحديد موقفهما من نفسيهما ومن المجتمع المحيط بهما، حيث يتداخل صراع السلطة الأبوية بصراع إثبات الوجود. ولا تخلو هذه المرحلة، كما توضح الباحثة، من الشعور بالدونية تجاه الآخرين، بما تختزنه الذات الإنسانية من حساسية ورهافة حس وشفافية.

وفي الفصل الأخير المعنون «بين الذاكرة والنسيان»، ترى الكاتبة أن الذاكرة عند كتّاب السيرة الذاتية هي المحرك الأساس والنافذة التي يستعيدون من خلالها ما رسخ من أحداث، وعبرها تبدأ لعبة الوعي واللاوعي للتحكم في عملية التذكر والتحاور مع الأمس البعيد والقريب، فيحاول كاتب السيرة إلقاء الضوء على أحداث أو شخصيات من الماضي، بمقدار ما يسمح به اللاوعي بالكشف عنه.

تعليقات

تعليقات