نحن بحاجة إلى متخصصين يستشرفون المخاطر ويقدمون الحلول

التحذير.. مستقبل العالم والخبراء الضرورة

صورة

كم شُغِف الناس بالمستقبل.. وبالتحديد بما تحويه ستور الغيب من مكنون الأسرار. ومن هنا ظل الناس يلتمسون الأفراد ممن تتوافر فيهم موهبة التنبؤ بالقادم. يستوي في ذلك مجتمع العرب في الجاهلية، حيث ذاعت شهرة فتاة قالوا إن لديها عبقرية استشراف ما يخبئه المستقبل من أسرار. كان اسمها «زرقاء اليمامة».

وبالمقياس نفسه، ذاعت في ثقافة الإغريق شهرة فتاة أخرى تحادثت بموهبتها أساطير البحر المتوسط.. وحملت بدورها اسماً لا يزال يتردد في كتابات أهل الغرب في أوروبا وفي أميركا.. والاسم هو: كاساندرا.

والفتاة التي عرفها مجتمع طروادة الذي تناولته الإلياذة والأوديسة - الملحمة الشعرية المنسوبة إلى شاعر اليونان هوميروس. وسواء أكان الحديث عن «زرقاء» الجزيرة العربية أو عن «كاساندرا» البحر المتوسط.. فالشاهد هنا يتمثل في حقيقة مشتركة واحدة: أن البشر يخشوْن باستمرار ما يخبئه الغيب من مشكلات وتعقيدات، بل ومن تراجيديات في بعض الأحيان.

ومن هنا باتت الشعوب تلخص مطالبها أو طموحاتها أو أمنياتها، في عبارة محددة كالآتي: إيجاد عناصر من طراز «كاساندرا» (قارئة المستقبل كما وصفناها)، بكل قدرتها على التنبؤ، ومن ثم الحيلولة دون وقوع الكوارث ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً. وهذا هو بالضبط العنوان التفصيلي للكتاب الذي نعرض له في هذه السطور. أما العنوان الرئيسي فيتلخص بدوره في كلمة واحدة هي: التحذيرات.

هو من أحدث الكتب صدوراً، وقد شارك في تأليفه اثنان من أهم خبراء علم ونشاط الاستخبارات في الولايات المتحدة وهما: أولاً، ريتشارد كلارك الذي عمل ردحاً من الزمن خبيراً في الأمن القومي بالبيت الرئاسي الأبيض. ثانياً، ر. ب إيدي الذي جمع بين نشاط الأمن القومي والعمل الدبلوماسي، فضلاً عن تقديم خبراته ذات الصلة إلى كبرى المؤسسات والشركات في أميركا والعالم.

كتابنا المصنف في رتبة أفضل الكتب الصادرة أخيراً، ينبه كل من يعنيه الأمر إلى أهمية الانكباب على قراءة المستقبل واستشراف ما ينطوي عليه من وعود ووعيد، كما قد نقول، وتستوي في ذلك تطورات الاقتصاد وتعقيدات الأمن القومي، وتهديدات التطور التكنولوﭽﻲ وغدرات الطبيعة في البر وفي البحر، فما بالنا - على نحو ما ينبه المؤلفان أيضاً - بالكوارث التي تنجم عن التحولات التي تطرأ على فكر وسلوك الكائن البشري، وفي مقدمتها آفة الإرهاب بشكل عام، واللعنة التي تحمل اسم «داعش» أو «القاعدة» وما في حكمهما على نحو خاص.

في هذا السياق، يذهب المؤلفان إلى أن المسألة لم تعد تقتضي - بداهة - وجود فتيات من طراز «كاساندرا» (أو الزرقاء)، حيث الافتراض بأن الفتاة وهبتها الطبيعة معجزة التنبؤ بأخطار محدقة في مستقبل الأيام. المسألة بحاجة إلى «كاساندرا» من طراز جديد:

• بشر.. خبراء.. دارسون، علماء - اختصاصيون ومسؤولون عند مستويات شتى من منظومات الحكم والمسؤولية.

وهنا يتوقف المؤلفان عند نموذج معروف جيداً وبالتحديد عند السياسي البريطاني العتيد: ونستون تشرشل (1874- 1965). وموهبته في هذا الصدد لم تظهر بين عشية وضحاها.. لكن الرجل عمد إلى استثمار من دروس مستفادة ومريرة أيضاً، من تجارب خاضها ومشكلات صادفها.. بل وخيبات مُني بها. وما كان منه إلا أن استثمر كل هذه التجارب كي يصوغ منها قدرته على التنبؤ بأخطار متربصة ببلاده على طريق المستقبل.

وهذه القدرة يصوغها الكتاب في كلمة واحدة: التحذير (بمعنى التنبيه - الإنذار). ويؤكد المؤلفان أن تشرشل لم يكتسب هذه المهارة - الكاسندرية كما قد نسميها - من مجرد التأمل أو حتى التفكير العميق: اكتسبها - كما يوضح كتابنا - من العكوف على سيل التقارير وتدفق المعلومات والحقائق والإحصاءات والوثائق التي كانت تتوالى على مواقعه في حكومة لندن، منذ أواخر عقد العشرينيات ومطالع عقد الثلاثينيات من القرن الماضي.. ومنها ما كان معلناً، وإن جاء معظمها مغلفاً بأغطية «سري للغاية».

المعلومات.. سرية أو علنية، هي الإكسير الحيوي الذي لابد وأن يتزود به كل من يشغل موقعاً من مواقع المسؤولية عبر اختلاف وتدرج المعلومات. وبما يمكّن المسؤول من اكتساب موهبة كاساندرا، بمعنى: القدرة على التنبّه للمشكلات قبل وقوعها واستباق الأخطار قبل مداهمتها حياة الشعوب والمجتمعات، وطبعاً مع اختلاف النوعية ما بين اجتياح الأعاصير.. وإلى وقوع الزلازل.. وكذا كوارث التسرب الإشعاعي النووي، ناهيك عن ما يمكن أن تسببه ظاهرة سيطرة أدوات تكنولوجيا الحواسيب والروبوت، على حياة البشر في مستقبل ليس بالبعيد في كل الأحوال.

الكتاب:

التحذير المطلوب

المؤلف:

ريتشارد كلارك، ر. ب. إيدي

الناشر:

مؤسسة هاربر وكولنز

الصفحات:

405 صفحات

القطع:

المتوسط

طباعة Email
تعليقات

تعليقات