أن تكون ستيف جوبز..إرادة قهرت الفشل

سيرة عبقري عربي من بدايات الضياع إلى قمة الإبداع التكنولوجي

يؤكد مؤلفا الكتاب، الصحفيان الأميركيان برنت شلندر وريك تتزيلي، أن النصف الثاني من القرن العشرين كان حافلاً بالمتغيرات الجذرية والفتوحات العلمية على السواء. إذ بدأ بازدهار التلفزيون واختتم سنواته بدخول عصر الحاسوب الإلكتروني تحت ظلال الإنجازات المشهودة وغير المسبوقة في دنيا تكنولوجيا المعلومات والاتصال.

ويشير المؤلفان إلى أنه فيما بين البدايات والخواتيم.. لم تبخل تلك الحقبة الزمنية بإهداء العالم والعصر، عدداً من المنجزات التي لا تزال ماثلة في سجل الاجتهاد البشري.. وليس أقلها على سبيل المثال، ما أتيح للإنسان من سبل السير فوق سطح القمر.

ومن عجيب المصادفات، أن تشهد ثورة الحواسيب الإلكترونية اثنين من أصحاب الشخصيات العبقرية وقد قرر كل منهما مفارقة مقاعد الدرس الجامعي المنتظم والانطلاق، بدلاً من ذلك، إلى التعبير عن موهبة الإبداع العلمي، بل والخيال التكنولوجي في أوسع جنبات السوق.

وهنا يعرض الحديث إلى بيل غيتس الذي أهدى إلى العالم حكاية شبكة الإنترنت الكوكبية، دون أن يكمل دراسته الجامعية التي تسّرب منها وهو في السنة الثانية من تعليمه الأكاديمي. ثم يتحول الحديث في هذه السطور عن ثاني هذا النمط من عباقرة الثورة الحاسوبية.. وهو الشخصية المحورية التي تدور حولها فصول وصفحات الكتاب الذي نتناوله في هذه السطور، تحت العنوان الغريب التالي: أن تكون ستيف جوبز.

بعدها يعمد الكتاب إلى إثبات عنوان فرعي يكاد يلخص تفاصيل الموضوع.. وهذا التلخيص يعبر عنه المؤلفان في عبارات تقول بدورها، إن جوبز المبدع لم يستسلم للفشكل أبدا، بل حارب وصارع على الدوام، ليغير ويقلب الإحباطات تألقا وشهرة.

عن التطور الذي طرأ على شخصية الشريد المبتدئ حتى أصبح قائداً يجمع بين الرؤية والإلهام. ونتبين أن الكتاب، وفي هذا التوجه، لا يغفل أي من محطات حياة جوبز، إذ يضيء على مراحله العمرية وتدرجه في سلم النجاحات، عارضا لما مر به من إخفاقات وما واججه من صعوبات، ومن ثم كيفيات قهره لجميع التحديات وتربعه على عرش النجاح في أميركا..بعد أن أدرك ما عليه فعله لتحقيق ما يروم، وكذا بعد أن فهم ما يحتاجه الناس في عصرنا الراهن، بشكل لم يدركه الأخرون.

إن السيرة الشخصية لبطل هذا الكتاب.. لا تفتأ توضح أن ستيف جوبز الذي لا يزال اسمه مرتبطاً بالإنجاز التاريخي في عالم تكنولوجيا الحاسوب - الإنجاز الذي جسدته المؤسسة والنواتج والأساليب التي حملت اسم «آبل» –، هذا الفرد، رحل عن عالم الأحياء ولمّا يبلغ عامه الستين الذي كان واعداً بالمزيد من الفتوحات العلمية وغير المسبوقة من الإنجازات التكنولوجية (ولد في عام 1955 ورحل عن الدنيا في عام 2011).

إن سيرة حياته القصيرة نسبياً تعكس منعطفات غير متوقعة بل غير مسبوقة.. ويكفي مثلاً، على نحو ما يلمح هذا الكتاب، أن يقال بأن جوبز انتمى إلى أب من أصل سوري - عربي ولكنه وجد من قام بتبّنيه منذ ولادته في سان فرانسيسكو- كاليفورنيا.. كما أنه لم يكمل، كما أسلفنا، تعليمه الجامعي، بل انطلق إلى حياة شبه مشوشة وغير منضبطة حملته إلى الهند ليدرس مذاهب البوذية ليعود إلى وادي السليكون التكنولوجي في أميركا مشاركاً في رؤى وأحلام التوصل في عقد السبعينيات من القرن المنصرم إلى تطوير جهاز الحاسوب (الكمبيوتر) وصولاً إلى جهاز الحاسوب الشخصي.. فيما شارك ضمن إطار هذه الجهود والأحلام في تأسيس الكيان الذي حمل من يومها اسم «آبل». وكان ذلك في عام 1976 وبعدها توصل ستيف جوبز في 1974 إلى جهاز «ماكنتوش».

هكذا تحوّل بطل كتابنا من فتى مختلط الأصول والجذور.. هام على وجهه في آفاق عالم الستينيات من القرن المضي – إلى أن أصبح مسؤولاً يترّبع عند قمة المؤسسات الحاسوبية الواعدة خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي-.

وكان طبيعياً لمثل هذه الشخصية المجبولة على التوتر والعصبية أن تواجه صاحبها حالات من المنافسة بل والصراع، مما دفعه إلى مفارقة المؤسسة السابق ذكرها، لا لكي يخلد إلى الراحة أو يلوك مشاعر الأسف أو الندم، ولكن لكي يسجل مآثر جديدة من التفوق العلمي الصادر عن عبقرية يمكن أن تكون مذهلة، وخاصة حين استطاع في عام 1997 أن يطوّر عدداً من: المنتجات – الأجهزة - التطبيقات، الإلكترونية ومنها: تلك الأجهزة الذكية التي تبدأ بمصطلح آي: آي بُد.. آي باد.. آي فون وما في حكمها.

كما يتوقف المؤلفان ملياً عند الهاجس الذي ظل يستبد بالعبقري العربي - السوري الأصل فيما ظل يلاحقه منذ أن طَرَق عالم تكنولوجيا الاتصال الحاسوبي كما نسميه: لقد ظل يتطلع إلى أن يهدي الناس هاتفاً يؤدي في الوقت نفسه مهمة الحاسوب.. وكان يتساوى مع ذلك، تطلعه أيضاً إلى جهاز حاسوب مصغر يمكن وضعه على طاولة صغيرة، بدلاً من الحاسوب العتيق الذي كان يشغل صالات بأكملها.

 

تعليقات

تعليقات