يناقش كتاب «حرية التعبير (أو التعبير الحر)..عشرة مبادئ من أجل عالم متواصل الأطراف»، للمفكر تيموثي غارتون آش، الأستاذ بجامعة اسكفورد، الذي يتوزع نشاطه بين أوروبا وأميركا، طرائق وقواعد وضمانات صوغ الأفكار والتعبير عن الآراء في بيئة هذا العالم الجديد في زمن العولمة: عالم التواصل اللحظي والدائم، على مستوى الأفراد والشعوب على السواء.

يستهل المؤلف فصول كتابه بالتركيز على الدور الجوهري لحرية التعبير في حياة البشر.. ابتداءً من التعديل الأول للدستور الأميركي (صدر التعديل مؤكداً على حرية التعبير في عام 1791). وليس انتهاءً بما أصبحت تقضي به الدساتير المعاصرة كافة. ويركز المؤلف في هذا السياق على أن مبدأ حرية التعبير يدفع المجتمع إلى ممارسة النقد الذاتي، بحيث يتعلم المجتمع المعاصر من الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها.

وفي السياق نفسه، يسترعي انتباهنا، وربما اعترافنا واعتراف المؤلف أيضاً، حقيقة كون حرية التعبير المفروض إتاحتها لكل أفراد ومؤسسات المجتمع المعاصر، وخاصة في مرحلة ميديا الاتصال الاجتماعي الراهنة، يمكن أن تعني أيضاً كفالة الحق في أن تقال وتُطرح بل وتروج مقولات «مزيفة» ومعلومات «مصطنعة» وأفكار وتعبيرات وعبارات ومصطلحات لا يصدق عليها سوى وصفها بالابتذال والكذب والسوقية والأكاذيب.. ومن ثم الافتقار إلى الصدق واللياقة والتحضر وأصول التهذيب (!).

وهنا يذهب مؤلف الكتاب إلى أنه من السهولة أن ندافع من جانبنا عن ما نعتقده، وأن نحمي حرية التعبير عن هذا الاعتقاد. ولكن المعادلة في هذا المضمار ليست بالأمر البسيط ولا السهل الميسور.. لماذا؟

لأن الدفاع عن حرية التعبير إنما يفرض في الوقت ذاته، ضرورة السماح بالتعبير عن ما لا يجوز، إذا كان ذاك يصدر عن أطراف أخرى. وهنا تكون المقارنة التي عقدها الباحث والناقد فوسيت في معرض تحليله لهذا الكتاب، كالتالي: حرية التعبير أعطتنا في أميركا مقولة «لديّ حلم» التي أطلقها الزعيم الأسمر مارتن لوثر كنغ (في أواخر ستينيات القرن الفائت). لكنها في المقابل، أعطتنا في أميركا نفسها، وفي أواخر عام 2016 شخصية مسؤول تتمثل في دونالد ترامب.

ويبين المؤلف أنه هناك ثمن يتعين أن يدفعه إنسان هذه المرحلة التي تسودها «العولمة»، أو حسب ما يصفه مؤلف كتابنا: إنسان «الكوزمبوليس»، كناية عن عالم مترابط كوكبياً أو كوْنياً كما قد نقول. ومن هنا ينصح المؤلف الجماعة البشرية التي ينتمي إليها هذا الإنسان المعاصر:

«علينا أن نخلق الظروف التي نتفق فيها على أسلوب اختلافنا الخلاق اللامؤذ، عبر الحدود والأقطار والثقافات».

من هنا تتوقف الفصول العشرة للكتاب عند سبل التوفيق أو التصالح بين المتناقضات، التي باتت تكتنف سبل الحياة في زمن العولمة والاتصال الاجتماعي وقدرة كل فرد، وأي فرد، في عالمنا على أن يكتب ويقول ويعبر ويمدح ويشتم.. إلخ.

ويقول آش: «علينا أن نكتسب القدرة على أن نحمي خصوصياتنا، وأن نتصدى لأية محاولة توجه إلينا على سبيل الإهانة أو التهجم أو التشهير.. لكن دون أن نرفض أو نمنع أو نتصدى لعمليات كشف المستور، إذا ما كان ذلك الكشف والتدقيق من أجل المصلحة العامة».

وتكاد فصول الكتاب تدعو في مجموعها، إلى ترجمة المقولات التي سبق إليها مفكرون وعلماء وفلاسفة من ثقافات متباينة، ما بين مقولة «رأيي صواب وقد يحتمل الخطأ.. والعكس»، وهي المقولة المستقاة من تراث الفكر الإسلامي المضيء، وليس انتهاءً بمقولة ﭭولتير، رمز الاستنارة الفرنسية، بشأن الاستعداد للدفاع عن حرية الرأي، حتى ولو كان رأي المخالفين.

ويلاحظ قارئ الكتاب أن المؤلف يحرص على تزويد قارئه بأكثر من ملاحظة ينبه فيها إلى نوعية، بل وجسامة الخطر الذي بات محدقاً بحرّية التعبير في زماننا الحالي. وطبعاً، لا يفوت غاستون آش أن يصوغ هذه الملاحظات في أسلوب بليغ هو أقرب إلى المأثورات الحكيمة. ومن ذلك مثلاً:

لا تندفع إلى ممارسة التهديد ولا العنف (ضد المخالفين). ولكن لا تقبل أي عنف من جانبهم بقصد التخويف.

احترم الشخص المؤمن بالفكرة (المعتَقد)، بصرف النظر عن مضمونها.