لا يستمد هذا الكتاب أهميته من مجرد كونه محصلة لدراسة مضنية تجمع بين متطلبات الحاضر ورؤى المستقبل، ولكن أيضاً لأن هذه المحصلة جاءت نتاجاً لجهود علمية وبحثية وميدانية أنجزها اثنان من المتخصصين في تكنولوجيا الحركة وصناعة المركبات بالولايات المتحدة الأميركية.
فضلاً عن أن ناشر الكتاب معهد «ماساشوستس» الشهير للتكنولوجيا، باعتبار أن السيارة المرتقبة، التي ستكون ذاتية الحركة وبغير سائق يتولى قيادتها وتوجيهها، ستكون مركبة المستقبل بفضل تزويدها بأحدث وأدق ما انطوت عليه التكنولوجيا الفائقة الحساسية، وبحيث تتوقع فصول الكتاب تناقُص الحاجة إلى امتلاك السيارة الخاصة ومن ثم قلة المركبات المستخدمة على الطريق، مع التحذير من أن التوسع في استخدام الأجهزة الذكية الفائقة الحساسة بالسيارة قد يعرض راكبيها إلى مغبة التجسس والانكشاف.
عنوان الكتاب يشير إلى أن أجيالا متوقعة من سيارات المستقبل ستصل إلى شأو غير مسبوق من التطور، لدرجة أن تستغني عن قيادة السائق. وهنا يحيلنا مؤلفا الكتاب إلى تقرير صدر عام 2013 عن مؤسسة «ستانلي مورغان» بالولايات المتحدة، ويمكن تلخيص أهم بنوده ب: «في الفترة الفاصلة بين عامي 2018 و2022، ستصبح السيارات المستخدمة مزوّدة بقدرات استقلالية تماماً (بمعنى الاستغناء الكامل عن السائقين). ومع حلول 2026 سيصبح هذا الطراز من السيارات الذاتية الحركة، سائداً بدرجة 100 في المائة في السوق».
ويسجل مؤلفا الكتاب، بعدها، ما أفادت به أيضاً أحدث دراسة في المضمار.. إذ تذهب إلى أنه بحلول 2050 ستكون غالبية سيارات عالم منتصف القرن، تقود نفسها بنفسها.
وينبه الكتاب إلى أن هذه النوعية المرتقبة من السيارات لا بد وأن تصاحب التوصل إليها، ومن ثم تواكب باستخدامها، «من سنغافورة وإلى كاليفورنيا»، شروطا أساسية ضرورية. وفي مقدمة هذه الشروط ما يتعلق بالطرق السليمة المعبّدة والمسالك النظيفة الممهدة، فضلاً عن توافر ظروف الطقس المواتية، بعيداً عن أنواء الأمطار أو الأعاصير أو الثلوج.. وما في حكمها.
ويوضح المؤلفان كيف أن شهر سبتمبر من العام الماضي شهد ما قامت به شركات التاكسي في أميركا من بدء تسيير أول أسطول من السيارات التي لا يقودها سائق. وانطلقت هذه السيارات ذاتية الحركة في شوارع مدن ومناطق أميركية عديدة: ما بين بتسبرغ في شرق الولايات المتحدة.. إلى كاليفورنيا في غربها.. وإلى أوستن عاصمة ولاية تكساس.
وقبل أن يرفع القارئ حاجبيه دهشة واستغراباً، تفاجئه صفحات الكتاب حين تُبلغه أن هناك بلداً آسيوياً مغامراً وشديد الطموح، هو الذي بادر إلى حيث سبق كل دول العالم، ومنها أميركا، إلى تفعيل أول خدمة تقدم بواسطة السيارات الذاتية الحركة – المعدومة السائق. وكان ذلك مع أواخر شهر أغسطس في الصيف الماضي.. وهذا البلد الآسيوي اسمه: «سنغافورة».
وحين يتطرق الكتاب إلى دور البشر في سيارة «القيادة الذاتية»، يوضّح المؤلفان أن هذا الطراز المستجد من المركبات كفيل بإتاحة فسحة من الوقت وسعة من الجهد وجانب من ضرورات التركيز لصالح البشر راكبي هذه السيارات، إذ أصبح بوسعهم، كما تضيف فصول الكتاب، أن يتابعوا القراءة من داخل السيارة في مجالاتهم..
وأن يتواصلوا مع الغير عبر المكالمات الهاتفية المطولة، وأن يديروا كافة شؤونهم وهم مرتاحون في السيارة غير مسؤولين عن تشغيلها أو قيادتها.. وغير ذلك الكثير.
ويتحول الكتاب إلى مناقشة ما يطلق عليه: «اليوتوبيا المتوقعة»، مبينا أنه بديهي أن المقصود هنا الأوضاع الموعودة أو المبشِّرة التي يمكن أن تتحقق في عالم المستقبل القريب بفضل انتشار وذيوع استخدام السيارات بغير سائقين: شوارع لا تكاد تضم سوى أساطيل من سيارات ذاتية القيادة..
يمكن أن تحمل يوماً اسم «فراشات المرور»، تملكها شركات عملاقة تعمل لخدمة الركاب الذين توضع هذه السيارات الذكية رهن تصرفهم: تأتيهم السيارة بعد الاتصال الهاتفي لتوصلهم إلى حيث ينشدون.
إلى هنا والأمور واعدة على نحو ما تصوره صفحات الكتاب. لكن الوعد له وجه سلبي آخر . إذ إن سيارة المستقبل التي تقود نفسها بنفسها، إنما تفعل ذلك بفضل تزويدها بالأجهزة والإمكانات الذاتية التشغيل، ما بين الكاميرات فائقة الحساسية وإلى السماعات السوبر- حساسة التي ترصد بالطبع إيقاعات الطريق.
وهنا يطرح المؤلفان سؤالاً حائراً وهو: ألا يمكن أن تتحول هذه الإمكانات السوبر- حساسة، إلى حيث يمكن استخدامها لتقوم بدور الجاسوس الإلكتروني – الروبوت الذي يسترق السمع ويختلس النظر إلى ما ينشغل به راكبو السيارة المأمولة، من حوارات أو سكنات، وبحيث تمضي السيارة إلى مشوارها فيما يصبح راكبها عرضه لانكشاف الستر، وبحيث تتحول يوتوبيا سيارة المستقبل، من مدينة «فاضلة» إلى مدينة معاكسة..على نحو ما يخشى منه المتخصصون؟
الكتاب: بلا سائق.. السيارات الذكية والمستقبل المفتوح
المؤلفان: هود لبسون وميلبا كورمان
الناشر: معهد «مايت»: «MIT « للتكنولوجيا
الصفحات:
312 صفحة
القطع: المتوسط

