التقارب الكبير..

تكنولوجيا المعلومات والعولمة الجديدة

يطل هذا الكتاب على تطور الحياة فوق سطح الأرض، من منظور شامل، بمعنى أنه لا يقف عند ظاهرة واحدة بعينها ولكنه يتعامل مع مراحل هذا التطور بمنطق الترابط أو التلاحم، ابتداء من المرحلة البدائية لاكتشاف الزراعة وبعدها مرحلة فجر الصناعة بعد اكتشاف طاقة البخار، فمروراً بمرحلة الكهرباء ثم وصولاً إلى الحقبة الراهنة التي بدأت بالتوصل إلى استخدامات الحاسوب الإلكتروني، بكل ما أعقبه من التوصل إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

حيث أدت ثورة النقل والتواصل اللحظي عبر الكرة الأرضية، إلى تحولات في نوعية وقدرات أقطار الشمال والجنوب، وهو ما بات يفرض في تصور مؤلف الكتاب، إعادة نظر لمراجعة مراكز القوة ومواقع التقدم التكنولوجي والصناعي والعلمي على خريطة العالم. ويوضح مؤلف الكتاب أنه خلق الله الإنسان.. أوكل إليه عمران هذه الأرض.. ووهبه الخالق عزّ وجل عقلاً وفكراً وموهبة وقدرة على التمييز والابتكار والإبداع.

ومن هنا يظل تاريخ البشر على سطح هذا الكوكب الفسيح، سجلاً حافلاً لقدرة البشر على التعامل البنّاء والخلاق مع آلاء الكون وموارد الطبيعة، ولدرجة بات العلم الحديث يقسمها إلى مراحل محورية أربع، يرصدها هذا الكتاب الصادر في خريف عام 2016 الماضي، ومن تأليف البروفيسور ريتشارد بولدوين، أستاذ الاقتصاد الدولي بالجامعات الأميركية والأوروبية، تحت عنوان «التقارب الكبير.. تكنولوجيا المعلومات والعولمة الجديدة».

وتتمثل في: المرحلة الأولى، اكتشاف الإنسان حرفة الزراعة: أي عملية إلقاء بذور في جوف التربة الأرضية ومتابعة نموها في جذور واستوائها في سيقان واقتطاف ثمراتها غذاء تعيش بفضله سائر الكائنات من إنسان وحيوان.

وفي المرحلة الثانية، التي تعرف باسم الانقلاب التقني أو الثورة الصناعية، تمكن الإنسان من اكتشاف طاقة وآلة البخار التي تشكل قوة دفع لعملية التصنيع، بمعنى تحويل الخامات الأولية إلى أدوات ومواد متقدمة وتتيح كفاءة الاستخدام.

وأما المرحلة الثالثة، فاقترنت مواقيتها باكتشاف طاقة الكهرباء بكل ما حفلت به وكل ما أتاحته من تثوير عمليات التصنيع من جهة، فضلاً عن تقدم غير مسبوق في كفاءة الاتصال القطري والقارّي والإنساني من جهة أخرى.

ويرى الكتاب أن المرحلة الرابعة ترتبط بإمكانات التوصل إلى استخدامات الحاسوب الإلكتروني والتقدم المذهل في كفاءة تكنولوجيات التصنيع والاتصال والمعلومات والأحجام (نانو تكنولوجي).

تحرص الفصول الأولى من هذا الكتاب على توضيح المراحل الزمنية التي اجتازها تطور البشرية، من الحقب البدائية في حياة البشر وإلى الحقبة الراهنة التي نعيشها في الزمن الحالي، وهي حقبة سوبر - متقدمة بكل المقاييس ويحصر المؤلف ذلك بـ أولاً: مرحلة اكتشاف الزراعة. وثانياً: مرحلة اكتشاف طاقة البخار. ثالثاً: مرحلة ثورة الاتصالات المحدثة، التي يرسم لها المؤلف آماد الفترة 1820 - 1990.

وكلها – كما قد نلاحظ - مراحل انتهت وأصبحت من مواريث الماضي في سجل البشر. أما المرحلة الرابعة فهي التي لا نزال نعيشها حتى الآن، ويأتي على قمتها توصّل الابتكار البشري إلى الحاسوب الإلكتروني ترقباً للتوسع في استخدام مَلكات كائن الذكاء الاصطناعي (الروبوت) جنباً إلى جنب مع ما لا نزال نشهده من تطورات غير مسبوقة في تكنولوجيا الاتصال والمعلومات (آي. تي. تكنولوجي).

وهنا يتوقف كتابنا عند ما أفضت إليه آليات وثمرات هذه المرحلة الرابعة - الراهنة حتى لا ننسى – من نقل تكنولوجيات البلدان الغنية - المتقدمة علمياً وتقنياً إلى العاملين في البلدان الفقيرة. وهنا يرى مؤلف الكتاب أن هذه الظاهرة التي لا تزال متواصلة أتاحت لبلدان الجنوب سبل التصنيع والإنتاج السلعي المتقدم.

ويجد المؤلف أنه فيما أتاح التقدم في الماضي إمكانية نقل البضائع فها هو التقدم في الحاضر يتيح إمكانية نقل الأفكار. وينبه مؤلف الكتاب إلى أن ظاهرة العولمة في تطورها الراهن أصبحت تندفع لاهثة بفعل تغيرات سريعة الخطى، وبحيث باتت نتائجها تتسم بعنصر المفاجأة بل والمباغتة غير المسبوقة، وبصورة أصبح رصدها ومتابعتها واستشراف نتائجها أمراً بالغ الصعوبة.

إن الفترة الزمنية التي يوشك عالمنا أن يدخل في إطارها، ستشهد توسعاً في حجم المراكز أو المحاور المؤثرة إيجابياً في سياسات عالمنا، وفي توجهات هذا العالم حرباً أو سلاماً.. تفاهماً أو صراعاً.. إيجاباً أو سلباً.

وبمعنى أنه لم يعد الأمر يقتصر على أن المصالح الوطنية لهذا البلد أو ذاك تُشكل في حد ذاتها دوافع القرار السياسي، بقدر ما بات يتعين على صانع هذا القرار أن يأخذ في اعتباره حقيقة المتغيرات الجذرية التي ما برحت تستجد على منظومة القوى الفاعلة والمؤثرة على مسير الأوضاع والأحداث في أصقاع هذا العالم بين الشمال والجنوب على السواء.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات