من الظواهر التي برزت في العقود الأخيرة في العديد من مناطق العالم وبلدانه البروز الكبير الذي عرفته النزعات القومية والتأكيد على الهويات الوطنية. هذا في وقت كان يبدو فيه أن العولمة الليبرالية السائدة تفترض بالأحرى تراجع مثل هذه النزعات لصالح قيام نوع من الحكومة العالمية في عام يتمّ توصيفه من قبل الكثيرين على أنه أضحى بمثابة «قرية صغيرة».
ومن البلدان التي عرفت بروز مثل هذه النزعة القومية روسيا في ظل نظام فلاديمير بوتين. هذا ما يشرحه على مدى صفحات كتابه الأخير «شارل كلوفير»، المدير السابق لمكتب «الفيننشال تايمز» في العاصمة الروسية موسكو. يحمل الكتاب عنوان «ريح اسود وثلج أبيض»، ويدرس المؤلف فيه «صعود النزعة القومية الروسية الجديدة»، كما جاء في عنوانه الفرعي.
إن المؤلف يقوم بتحليل آليات «النزعة القومية الروسية الجديدة» التي يتم توصيفها بـ:الأوروبية ــ الآسيوية«باعتبارها تعبرّ عن»نظرية للهوية الوطنية الروسية الجديدة تعتمد على معطيين أساسيين هما الانتماء الإتني والمجال الجغرافي«.
وقد عنت هذه النزعة في كتابات المؤرّخين لها أن» روسيا الأوروبية والآسيوية لها سبيلها الفريد بالتمايز عنهما «. إنها تبدو كما يشرحها مؤلف هذا الكتاب»نظرية جيوسياسية ــ بوليتيكية ــ تلقى اليوم الكثير من القبول والترحيب في روسيا«.
وتتم دراسة هذا المفهوم كما برز في كتابات العديد من الروس الذين اختاروا اللجوء إلى المنفى الأوروبي في سنوات العشرينيات من القرن الماضي، العشرين. هؤلاء المنفيون أو المهاجرون طوعيا اعتبروا أن»كارثة الثورة الروسية تعود بالدرجة الأولى إلى أفكار الحداثة الأوروبية«.
ولا يترددون في اعتبار أن الكثير من أشكال العجز التي عانت منها روسيا تاريخيا ترتبط بـ»المجتمع الأوروبي«. وقد أعلنوا بأشكال مختلفة أن »الثقافة السلافية« لا تتماشى مع الثقافات السائدة في المجتمعات الأوروبية الغربية عموما. بل التأكيد أن»روسيا غريبة عن العالم الأوروبي«.
ثم يبحث المؤلف عن النزعة القومية الروسية الجديدة في كتابات أولئك الذين عاشوا تجربة المنفى في الصحراء السيبيرية في سنوات 1950. وأخيرا يدرس المؤلف بروز النزعة القومية الروسية بقوّة من جديد في مرحلة تفككك الاتحاد السوفييتي في مطلع عقد التسعينيات الماضي ووصولا إلى مرحلة الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين.
ويشرح أن الشيوعيين الروس ناهضوا أيضا الليبراليين»أنصار الانفتاح على الغرب«، وتقاربوا مع أصحاب النزعة القومية. وكان ذلك السبيل الذي دخلت فيه النزعة القومية الروسية إلى الدوائر القائدة في البلاد واستمر ّ الوضع كذلك في الفترة التي تلت تفكك الاتحاد السوفييتي وصولا إلى عهد فلاديمير بوتين.
ويشير المؤلف في الصدد إلى أن كتابات المعارضين الروس للنظام السوفييتي الشيوعي عادت إلى الواجهة في أجواء» من الجوع للأدب المعارض«.
هكذا عرفت الأعمال التي تمّ منعها من التداول في ظل الاتحاد السوفييتي طريقها من جديد إلى المطابع الروسية. كما بدأت الأفكار ذات الطبيعة القومية الروسية بنسختها الجديدة، كما يشرح المؤلف، منذ وصول فلاديمير إلى السلطة عام 2000 بـ»التغلغل في الخطاب الرسمي الروسي«.
ومن السمات التي يتم تأكيدها في نسيج النزعة القومية الروسية الجديدة هي أن روسيا تشكّل»قوّة أرضية«بمواجهة»القوّة البحرية«الأطلسية. ومما يلاحظه»شارل كلوفير«هو أن فلاديمير بوتين نفسه والنخبة المحيطة به وبنظامه لا يستخدمون تعبير»القوى الغربية«، بل بالأحرى»القوى الأطلسية«.
ومن الأهداف الأساسية التي يتم تحديدها في هذا السياق بالنسبة لروسيا ــ بوتين هناك» ضرورة الانتصار على التآمر الأطلسي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية ومنظّمة حلف شمالي الأطلسي«.
ويشرح المؤلف أن الأفكار التي طوّرها دعاة النزعة القومية الروسية الجديدة التي تجمع بين «المكوّن الإتني» و«المجال الجغرافي» في القارتين الأوروبية والآسيوية وجدت، أي الأفكار، قبولا كبيرا لدى العسكريين ورجال الأمن الروس الذين وجدوا فيها طوق النجاة من التهميش الذي بدا يلوح بالنسبة لهم في الأفق بعد نهاية فترة الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي.
والإشارة أن الحكومات في ظل رئاسة فلاديمير بوتين عرفت دخول عسكريين روس من ضباط الجيش السوفييتي أو من أجهزة الأمن إليها، وبوتين نفسه كان أحد أولئك الضبّاط. وفي جميع الحالات انضوى العسكريون الروس السابقون وأغلبية الحاليين تحت مظّلة «الهويّة القومية».
في المحصّلة يشرح المؤلف أن النزعات القومية الروسية الجامعة بين المكوّن الإتني، السلافي، والمجال الجغرافي، الأوروبي ــ الآسيوي في الجوار الروسي، عرفت حالة من التفتح والازدهار خلال فترات «مضطربة» من التاريخ الروسي الحديث.
الفترة الأولى بعد الثورة البلشفية مباشرة عام 1917. والثانية بعد القمع والتصفيات الستالينية منذ سنوات الثلاثينات حتى الخمسينات من القرن الماضي. والثالثة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي السابق عام 1991.
«حاجز» يصد الليبرالية الغربية
يوضح مؤلف الكتاب، أن فلاديمير بوتين ونظامه، عززا العلاقة مع أصحاب النزعات القومية الروسية، بصيغتها التي تجد نواتها في الاتحاد السوفييتي السابق، بعد اندلاع ما عُرف بـ:
«الثورات اللونية»، وعلى رأسها «الزهرية» في جيورجيا و«البرتقالية» في أوكرانيا. ويحدد القول إن القيادة الروسية ترى في النزعة القومية الروسية المتشددة نوعا من «الحاجز» الذي يمنع «غزو» القوى الليبرالية والديمقراطية الغربية للمجال الجغرافي الروسي.
المؤلف في سطور
عمل شارل كلوفير، مؤلف هذا الكتاب، رئيساً لتحرير صحيفة «الدايلي تلغراف» على مدى سنوات طويلة. نال جائزة الصحافة لسنوات 1989 و1994 و 1996. كما عمل لسنوات مديراً لمكتب«الفيننشال تايمز» في موسكو.
الكتاب: ريح أسود وثلج أبيض صعود النزعة القومية الروسية الجديدة
تأليف: شارل كلوفير
الناشر: جامعة يال ــ 2016
الصفحات:
304 صفحات
القطع: المتوسط
Black wind, White snow
Charles Clover
Yale University Press - 2016
304 PP
