انتهت الانتخابات الرئاسية الأميركية وفاز بها دونالد ترامب، بينما مُنيت منافسته على المنصب الرئاسي هيلاري كلينتون بالفشل. لكن المراقبين يرون أنّ الحملة الانتخابية التي سبقت هذه الانتخابات تميّزت باستخدام «لغة» في النقاشات والمواجهات بين المرشحين فيها الكثير من تجاوز القاموس السياسي المستخدم واتخذت طابعاً شخصياً جداً تجاوز الكثير من المسائل الأكثر جوهرية.

هذه المسألة المتعلّقة بنوعية اللغة المستخدمة في الحملات الانتخابية وما تردد صداه في وسائل الإعلام واللغة المستخدمة فيها هي التي يتعرّض لها «مارك تومبسون»، الصحافي والمنتج التلفزيوني البريطاني والمدير العام السابق لمحطة «بي بي سي» والرئيس ــ المدير العام لنيويورك تايمز منذ عام 2012، في كتابه الصادر مؤخّرا الذي يحمل عنوان «قيل ما يكفي»، مع عنوان فرعي مفاده «ما لا يتماشى مع لغة السياسة».

إن مؤلف هذا الكتاب يقدّم على مدى ما يزيد عن 300 صفحة من هذا العمل تحليله لما يطلق عليه واقع «تردّي» اللغة السياسية والحالة الراهنة للمشهد الإعلامي في العالم الغربي عموما وفي العام الانكلوسكسوني على وجه الخصوص في السياق الراهن وبالقياس إلى الحقبة السابقة.

تتمثّل إحدى النقاط الأساسية التي ينطلق منها المؤلف في مقاربته لمسألة «تردّي اللغة السياسية» في انتخابات عام 1979 في بريطانيا والتي فازت بها مرغريت تاتشر و«اللغة البلاغية المتشددة» التي استخدمتها وما أثارته من «نقاشات حامية» لدى الرأي العام. ويتم في هذا السياق تقديم مجموعة من مقتطفات الخطابات التي ألقتها تاتشر أثناء حملتها الانتخابية المعنيّة.

يشير «تومبسون» أن الأمر كان مختلفا عن ذلك قبل تلك الانتخابات. ويشرح أن «الكفاءة التقنية كانت لا تزال هي المسألة الجوهرية وكان رجال السياسة من جميع المشارب والتوجهات يلجؤون عموما إلى العقل والوقائع ويجهدون من أجل إيجاد الحجج السياسية».

ويشرح المؤلف في فصل كامل أن النموذج المتبّع حتى آنذاك يمكن أن يجد مرجعيته في دراسة قدّمها الروائي البريطاني «جورج اورويل» عام 1946 تحت عنوان:«السياسة واللغة الإنجليزية». وما يؤكّده اورويل هو أنه ينبغي للغة أن «تكون أداة دقيقة وحيادية»، بحيث تكتسب «المصداقية». أما طريقة مخاطبة رجل السياسة للعموم فيحددها اورويل بأن تكون «بسيطة وواضحة».

هذه اللغة «البسيطة والواضحة»، التي اعتبرها اورويل أنها الأكثر قدرة على الاقناع وعلى ملامسة أحاسيس الناس وبالتالي توجيه تحرّكهم، هي بالتحديد التي يعتبر «تومبسون» تمّ استخدامها من قبل العديد من السياسيين الذين لعبوا بنجاح على المشاعر الشعبية من أمثال برلسكوني في إيطاليا وفلاديمير بوتين في روسيا وأخيرا دونالد ترامب في الولايات المتحدة الأميركية، كما يشير «تومبسون».

يشير المؤلف أنه اعتبارا من سنوات الثمانينات ساد في وسائل الإعلام المرئي نمط من التحقيقات التلفزيونية، خاصّة في أميركا، التي تميل إلى «إبراز أحداث اللحظة» بشكل ملحّ وعاجل ومختصر بالوقت نفسه. ويرى أنه كان لذلك «ثمنه» المتمثّل في «تبسيط كل شيء واختزاله وعدم الخوض في عمقه». ذلك النمط أصبح بعد ذلك بمثابة «معيار في كل مكان».

ويؤكّد المؤلف على وجود «ازدواجية إرادية» في الخطاب السياسي السائد اليوم عن سابق الإصرار والتصميم. هذا في حين أن المصداقية هي «مطلب»حقيقي لدى «الناس البسطاء». من هنا يحاول السياسيون استخدام «لغة البساطة» ولكن التي تفتقر إلى مخاطبة العقول، بل المشاعر والأحاسيس..

يشير المؤلف في هذا السياق إلى حملة دونالد ترامب الرئاسية التي استخدم فيها ما بدا لكثيرين بمثابة «خطاب بلا معنى أو مضمون» أطلقوا عليه توصيف «شعبوي»، بمعنى اللعب على المشاعر الشعبيّة. والإشارة هنا أن استخدام بعض «التعابير غير البليغة» أو«الفجّة» أحيانا من أجل إظهار المصداقية التي يطلبها البسطاء قد يكون مجديا «انتخابيا» مهما كان «مصطنعا».

نقرأ بهذا الخصوص: «إن ثمرات المصداقية تثبت أن بساطة اللغة المستخدمة ليست من حيث انها تعطي الأولوية للعقل، بل لأنها تجمع التعبير البسيط مع مصداقية المشاعر أو على الأقل مع إظهار الاستعداد للالتزام مع مشاعر الأفراد الأكثر تواضعا من مجموعة معيّنة.

هذا في الوقت الذي يؤكّد فيه العقلانيون على أهميّة الوقائع ويتجاهلون الأشياء الأخرى. لكن الناس البسطاء قد ينظرون لمصداقية الوقائع المقدّمة بعين الشك والريبة. ذلك أن ما يهم بالدرجة الأولى ليس تقديم حجّة بل حكاية تحرّك المشاعر وتعطي الإحساس أنها حقيقية».

مثل هذا التفسير يجده المؤلف ساري المفعول بكل ما يتعلّق بـ «فن اقناع الجماهير» في السياق الحالي من تطوّر المجتمعات المتقدّمة التي يدرسها.

وما يعني بالنسبة لتحليلات هذا الكتاب المجتمعات الانكلوسكسونية. لكن مع ملاحظة أن تفسير الظاهرة المتعلّقة بـ «فنّ إقناع الجماهير» بجميع السبل لا يعني تأييدها واستحسانها، بل على العكس يعتبر «تومبسون» أن اللغة السياسية الراهنة السائدة «ليست إيجابيّة». ذلك بالتحديد من حيث النتائج المترتبة عليها «بالنسبة للمعنيين بها مباشرة، كما بالنسبة للعالم».

وهذا ما يدلّ عليه واقع «تعاظم عدم التسامح ومناهضة الحريات في عموم مناطق العالم تقريبا»، كما يكتب المؤلف. ويضيف:«والأكاذيب ليست خاضعة للرقابة. (...). نحن نسمع الساسة يتحدثون ويوجهون خطاباتهم. لكن الأطفال لا يزالون يغرقون في البحار ويموتون جوعا».

وينتهي في نفس السياق إلى القول انه في الغرب الذي يقصده وفي مجالات العلاقات بين البشر وداخل الأسرة وعلى صعيد المسؤوليات السياسية والاحترام المتبادل والسلوك الحضاري تسود «سياسة بدون برنامج إيجابي ولا تبحث سوى عن التفرقة».

وفي محصّلة التحليلات يوجّه «تومبسون» نوعاً من الدعوة، بل والنداء، من أجل تبنّي خطاب جديد من قبل الساسة يصفه بالعمل على «الإقناع النقدي» المتمثّل بـ «معاملة الجمهور العريض كبالغين ومشاركتهم تفكيرهم الحقيقي».

ويؤكد المؤلف وجود «أزمة على صعيد اللغة السياسية» الموجّهة للجمهور العريض، من حيث نوعيتها بالدرجة الأولى وثمّ مصداقية مضمونها. هذا ما يستدّل عليه المؤلف بأن هذه اللغة تتضمّن في أحيان كثيرة «مقولات لا تتطابق مع الواقع» بل هي أقرب إلى «الأكاذيب في ثياب الحقائق»، كما يكتب، و«المداورة» في الإعلان عن الغايات منها أو في «الإجابات».

المؤلف في سطور

مارك تومبسون، صحافي ومنتج تلفزيوني بريطاني. كان مديراً في السابق لمحطة «بي بي سي» البريطانية خلال سنوات 2004 ــ 2012. وهو يشغل منصب رئيس ومدير عام «نيويورك تايمز» منذ 2012.

الكتاب: قيل ما يكفي.. ما الذي لا يتماشى مع لغة السياسة؟

تأليف: مارك تومبسون

الناشر: بادلي هيد لندن ــ 2016

الصفحات:

375 صفحة

القطع: المتوسط

Enough said

Mark Thompson

The Bodley Head

London - 2016

375PP