لا شكّ أن حزب المحافظين هو أحد أعرق وأقدم الأحزاب السياسية في المشهد السياسي البريطاني. كان قد تأسس عام 1834 كي يمثّل معسكر اليمين ووسط اليمين البريطاني.
وهو أحد الحزبين السياسيين اللذين يتعاقبان على السلطة منذ سنوات العشرينات في القرن العشرين. ومن شخصياته التاريخية ونستون تشرشل الذي تولّى رئاسة الحكومة البريطانية من عام 1940 حتى عام 1945 ثمّ منذ عام 1951 حتى عام 1955.
و«حزب المحافظين البريطانيين من تاتشر حتى كاميرون» هو عنوان كتاب «تيم بيل»، الأستاذ في جامعة لندن والأخصائي البريطاني الشهير بالسياسات البريطانية والأوروبية وبتاريخ المحافظين البريطانيين ومسارهم السياسي بشكل خاص. وهذه هي الطبعة الثانية من الكتاب التي صدرت في شهر سبتمبر الماضي بعد إعادة نظر معمّقة بالطبعة الأولى على ضوء المستجدات على الساحة البريطانية والأوروبية والعالمية.
وفي مقدّمة هذا الكتاب التي تحمل عنوان: «تركيب قطع البازل» يقدّم المؤلّف لمحة تاريخية عن تأسيس ومسار حزب المحافظين البريطاني مع التوقف قليلاً عند بعض مفاصله وفتراته الرئيسية في السلطة.
تتوزع مواد هذا العمل بين سبعة فصول ومقدّمة وخاتمة. وتبرز فيه إحدى الأفكار التي تتردد في تحليلاته بالتأكيد أن «المحرّك الأساسي» الذي يحكم ويوجّه سلوك حزب المحافظين هو بالتحديد التمسّك بهدف الوصول إلى السلطة والمحافظة عليها أطول مدّة ممكنة بعيداً عن الأطروحات الأيديولوجية العقائدية.
هذا إلى جانب التأكيد أن الاستمرار في تأييد قادة الحزب والتمسّك بآليات التمثيل الديمقراطي في حياته الداخلية أمور تبقى مرهونة بمدى إخلاص القادة المعنيين بأهداف الحزب في السلطة. لكن المؤلف يشير في هذا السياق أنه مع «انهيار الآلة الانتحابية للحزب لأي سبب يصاب بنوع من الانهيار العصبي المديد».
لكن السلوك «السلطوي» والتمسّك المفرط من قادة الحزب بالسلوك العملي -البراغماتي- والابتعاد، المفرط أيضا، عن كل ما له علاقة بالأيديولوجيا واتخاذ مواقف فيها الكثير من العدائية حيال مسيرة التوحيد الأوروبي التي جسّدها الاتحاد الأوروبي وحيال الهجرة والمهاجرين وغير ذلك من المسائل التي تثير اهتمام شرائح من الناخبين، قاد إلى فشل تاتشر في الانتــحابات التشريعية البريطانية لعام 1990.
ويحدد المؤلف الفترة التي يدرسها في هذا العمل من عهد مارغريت تاتشر في رئاسة الحكومة بين عام 1979 وعام 1990 وحتى فترة حكم دافيد كاميرون الذي ترأس في مرحلة أولى ائتلافا حكوميا مع الليبراليين - الديمقراطيين ثمّ تابع اعتبارا من الانتحابات التشريعية عام 2015 رئاسته لحكومة محافظة حصريا واستمراره في الحكم حتى اقتراع البريطانيين في استفتاء عام على خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي قبل أشهر قليلة من هذا العام 2016.
ويشرح المؤلف أن فترة حكومة «جون ميجر» الذي خلف السيدة تاتشر على الحكم عام 1990 وحتى عام 1997 كانت قد عرفت العديد من نقاط الضعف التي كانت بمثابة المقدمات لـ«الخسارة المعلنة مسبقا والوصول الأكيد للمعارضة العمالية بزعامة توني بلير للسلطة».
ويؤكد المؤلف أن توني بلير، الزعيم العمّالي، نجح في الحصول على تأييد الوسطيين بالتوازي مع توسيع قاعدته باتجاه اليسار. وهكذا عرف كيف يعاظم من قاعدته الانتخابية بينما فقد المحافظون فئة من ناخبيهم خاصّة عندما «ربطوا في برامجهم بين الليبرالية الاجتماعية ومفهوم الأسواق الحرّة على صعيد الاقتصاد».
بالتوازي أعلنوا مواقف متشددة حيال أوروبا والهجرة. ويشير المؤلف في السياق أن «طيف السيدة تاتشر بقي يحوم باستمرار على الخيارات السياسية لحزب المحافظين».
ويحدد تيم بيل نهوض المحافظين من جديد مع وصول دافيد كاميرون إلى رئاسة الحزب عام 2005 بدلاً من مايكل هاوارد. وكانت خطة «كاميرون» للسلطة هي بالتحديد التمايز عبر الابتعاد عن خط وتوجهات سابقيه والاقتراب بالمقابل من «السياسات الوسطية الأقل ليبرالية» والاهتمام بـ «الخدمات العامّة» ذات الطابع الاجتماعي. وهكذا استطاع أن «يستعيد» قسما كبيرا من الناخبين الذين كانوا قد ابتعدوا عن الولاء للمحافظين.
ولا يتردد المؤلف في رسم صورة «إيجابية» لعمل دافيد كاميرون بالقياس إلى من سبقه من المحافظين خلال العقود السابقة لحكمه. هذا مع الاستمرار في التأكيد أن أخطاء سياسة توني بلير وغوردون براون على الصعيد الاقتصادي هي التي «ساهمت بالقسط الأكبر في دفع كاميرون إلى رئاسة الحكومة البريطانية».
إنه كتاب يقدّم فيه مؤلفه قراءة واضحة ومبسّطة للسلوك الذي انتهجه المحافظون البريطانيون منذ «الثورة المحافظة» التي شرعت بها السيدة الحديدية مارغريت تاتشر بالتوازي والتزامن مع تلك «الثورة المحافظة أيضا» التي قام بها الرئيس الأميركي الأسبق ر ونالد ريغان في عقد الثمانينات من القرن الماضي. وصفحة من التاريخ السياسي البريطاني من خلال مسار المحافظين البريطانيين وسلوكهم السياسي والمجتمعي.
دور مركزي
يشرح المؤلف أن حزب المحافظين البريطانيين عرف كيف يفرض نفسه كأحد أكثر الأحزاب والقوى السياسية البريطانية والأوروبية، بل وفي العالم الغربي عموما. وعرف كيف يلعب دورا مركزيا في المشهد السياسي البريطاني خلال القرنين التاسع عشر والعشرين وبدايات هذا القرن الحادي والعشرين.
المؤلف في سطور
تيم بيل هو أستاذ العلوم السياسية في جامعة الملكة ماري في لندن. أخصائي بالسياسات البريطانية والأوروبية عامّة وبتاريخية ومسار حزب المحافظين البريطاني. يساهم بالكتابة في العديد من الصحف والدوريات البريطانية على رأسها «فايننشال تايمز» و«الغارديان»...الخ.
من مؤلفاته: «المحافظون منذ عام 1945» و«مهمّة السنوات الخمس»...الخ.
الكتاب: حزب المحافظين من تاتشر حتى كاميرون
تأليف: تيم بيل
الناشر: ويللي بلاكويل ــ 2016.
الصفحات:
472 صفحة
القطع: المتوسط
The Conservative party from Thatcher to Cameron
Tim Bale
Willy – Blackwell - 2016
472 PP
