ساد الاعتقاد خلال السنوات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي السابق وسقوط «إمبراطوريته»، أن روسيا قد غادرت الصفوف الأولى على المسرح الدولي، بالتوازي مع بروز أكبر للولايات المتحدة الأميركية بأنها القوّة العظمى الوحيدة في عالم ما بعد الحرب الباردة.
لكن المحللين يتفقون اليوم على القول إن روسيا عادت منذ سنوات بقوّة إلى الصفوف الأولى على المسرح الدولي. ومن هنا بالتحديد تجدد الاهتمام بها في العالم الغربي على مختلف المستويات. الأمر الذي يعبّر عنه بوضوح صدور سلسلة الكتب التي تعرفها رفوف المكتبات في الغرب، والتي جعلت من هذا الجانب أو ذاك في روسيا الحالية موضوعاً لها.
ومن بين هذه الكتب العمل الذي يحمل عنوان «جيوسياسة روسيا» الذي صدر أخيرا في فرنسا عن دار نشر «المطبوعات الجامعية الفرنسية» بإطار السلسلة الشهيرة التي تضمّ عدّة آلاف من الكتب تحت عنوان «زدني علماً». ومؤلفاه هما جان سيلفستر مونغرونييه، الأستاذ في «المعهد الفرنسي للدراسات الجيوسياسية» والأخصائي بالمسائل العسكرية والاستراتيجية، وفرانسواز توم أستاذة التاريخ المعاصر والأخصائية بتاريخ الاتحاد السوفييتي السابق.
تتوزع مواد هذا الكتاب بين ثلاثة أقسام يحمل الأول منها عنوان «روسيا، بلاد قارّة»، حيث تتم دراسة روسيا من خلال ثلاثة مشارب رئيسية تتعلّق بدور التاريخ والجغرافيا في صياغة الرؤية الجيوستراتيجية الروسية. ثم دراسة «الكيفية التي تنظر بها روسيا إلى العالم» وأخيرا تتم دراسة «المنظومة الروسية ووسائل القوّة».
والقسم الثاني مكرّس لدراسة «المشروع الأوروبي ــ الآسيوي» للسلطة الروسية. ويتم في هذا الإطار التعرّض لمفهوم «الأجنبي القريب» للدلالة على الجوار الروسي، ثمّ تتم دراسة المغزى البعيد للأحداث التي عرفتها أوكرانيا والتدخّل الروسي للهيمنة على شبه جزيرة القرم و«ضمّها».
ويشرح المؤلفان في هذا الإطار أن روسيا ترى في توسّع وجود الحلف الأطلسي إلى مناطق مجاورة لها، كانت حتى الأمس القريب من ضمن جمهوريات الاتحاد السوفييتي مثل بلدان البلطيق، بمثابة محاولة لإعاقة «مشاريعها الجيوسياسية». كما أن الردّ الغربي وما تمّ فرضه من عقوبات حيال روسيا بعد غزو شبه جزيرة القرم دفع نحو إقامة نوع من «السلام البارد»، حسب التعبير الذي يستخدمه المؤلفان.
والقسم الثالث يحمل في عنوانه السؤال التالي: «هل تحوّلت روسيا نحو الشرق؟». وتتم في هذا الإطار دراسة العلاقات الروسية ــ الصينية والنفوذ الروسي «المحدود» في آسيا وأخيراً «عودة روسيا نحو الشرق الأوسط». والأمر الذي يجد تعبيره البليغ، كما يشرح المؤلفان، في التدخّل الروسي بالصراع الذي تشهده سوريا منذ سنوات عديدة.
ويشرحان أن هذا الصراع شكّل فرصة كبيرة بالنسبة لموسكو كي تعزز وجودها العسكري في الشرق الأوسط لخدمة مشروعها «الجيوستراتيجي». والإشارة بهذا الصدد إلى الحضور العسكري الروسي في «قاعدة بحرية في ميناء طرطوس» و«قاعدة جويّة في مطار حميميم» و«نصب شبكة رادارات» في كسب شمال مدينة اللاذقية.
يشير المؤلفان إلى أن الباحثين الغربيين منقسمون إلى فئتين عريضتين فيما يتعلّق بشرح التطورات التي عرفتها السياسة الخارجية الروسية خلال السنوات الأخيرة، وتحديداً منذ وصول فلاديمير إلى سدّة الرئاسة. الفئة الأولى ترى أن الغربيين والأوروبيين خصوصاً هم المسؤولون أساساً عن المواقف المتشددة التي ينتهجها الروس أخيراً بدافع «الحرص على مصالحهم».
والفئة الثانية ترى في التشدد الروسي الحالي استكمالاً لنهج «توسعي روسي» يضرب جذوره في التاريخ الروسي منذ قرون طويلة.. ومثل هذا النهج يمثّله في السياق الحالي فلاديمير بوتين. ويشرح المؤلفان أن رؤيته ومشروعه الجيوستراتيجيين يكمنان في العمل على أن تستعيد روسيا المكانة التي كانت لها في الحقبة السوفييتية وغيرها من فترات قوتها. وأن تفرض هيمنتها على الأقل في الجوار المباشر لها الذي تعتبره «مجالها الاستراتيجي الحيوي»، هذا إذا لم تستطع أن تفرض مثل هذه الهيمنة على الصعيد العالمي العام.
وهذا ما يسعى إليه فلاديمير بوتين بأشكال مختلفة وما يفسّر استخدام القوّة العسكرية حيال أوكرانيا في شبه جزيرة القرم. ويعتبر المؤلفان أن أحد أحجار الزاوية الأساسية في المشروع الجيوستراتيجي الراهن يتمثّل في «فرض الرقابة المباشرة والشديدة على الجمهوريات السوفييتية السابقة».
ويشير المؤلفان إلى أن روسيا تستخدم العديد من الأدوات والسبل، لتحقيق طموحاتها الجيوسياسية. وعلى رأسها «مجموعة الدول المستقلّة» التي تمثّل روسيا محورها الأساسي، و«الاتحاد الاقتصادي الأورو ــ آسيوي» و«منظمة ميثاق الأمن الجماعي» و«الاتحاد الجمركي» الذي يضم روسيا وبيلوروسيا وكازاخستان.
المؤلفان في سطور
- جان سيلفستر مونغرونييه حاز على شهادة الدكتوراه في الجغرافيا. ويعمل أستاذا للتاريخ والجغرافيا في المعهد الفرنسي للدراسات الجيوسياسية.
- فرانسواز توم هي أخصائية بتاريخ الاتحاد السوفييتي السابق. تعمل أستاذة جامعية للتاريخ المعاصر.
محاولة للفهم
يحاول المؤلفان في هذا الكتاب «الصغير الحجم» تقديم رؤية واضحة لما يسميانه «جيوستراتيجية لروسيا في الحقبة ما بعد السوفييتية». وذلك عبر البحث والتنقيب والتحليل للتوصّل إلى تحديد العوامل والأسس التي يقوم عليها المشروع الجيوسياسي ــ الجيوبوليتيكي ــ الروسي. وبالتالي محاولة فهم المسار التطوري الذي عرفته السياسة الخارجية الروسية في السياق الحالي.
الكتاب:
جيوسياسة روسيا
تأليف:
سيلفستر مونغرونييه وفرانسواز توم.
الناشر:
المطبوعات الجامعية الفرنسية ــ باريس ــ 2016
الصفحات:
128 صفحة
القطع:
الصغير
