تسود في النقاشات العديدة والمتعددة المشارب التي يعرفها الغرب عموماً في الفترة الأخيرة حيال المستقبل واحتمالاته وآفاقه سلسلة من الأفكار التي تصب في غالبيتها العظمى في خانة التشاؤم. والمسببات وراء مثل هذا التشاؤم كثيرة وليس أقلّها تردداً الأخطار التي تهدد الأرض والتغيرات المناخية واحتمال تعاظم النزعات المتطرّفة والكثير من التهديدات التي تجعل آفاق المستقبل تبدو أكثر سواداً وأكثر مدعاة للتشاؤم.

في مثل هذا السياق من التساؤلات المثيرة للشكوك والقلق وصدور سلسلة من الدراسات والأعمال التي يناقش أصحابها التحولات المعاصرة الكبرى للمفاهيم السائدة حول الزمن والعلاقة مع التاريخ الماضي ومع المستقبل، تعرف رفوف المكتبات في الغرب عموماً كتاباً جديداً للفيلسوف والمفكّر الألماني الشهير «بيتر سلوترديك»، صاحب عشرات المؤلفات التي عرفت الترجمة إلى لغات عالمية عديدة، والذي يتم توصيفه من قبل العديد من النقّاد بأنه أحد أهم المفكرين في هذا العصر.

يحمل الكتاب عنوان «بعدنا الطوفان» وعنوانه الفرعي هو «الأزمنة الحديثة كتجربة مناهضة للانتساب إلى الماضي».. وتعبير «بعدنا الطوفان» يعود إلى عام 1757 عندما أطلقته ساخرة السيّدة «بومبادور»، محظيّة ملك فرنسا آنذاك، حين وصل لها خبر هزيمة الجيش الفرنسي بمواجهة مجموعات صغيرة من جيش ملك بروسيا «فريدريك الثاني».

إن المؤلف يناقش في هذا الكتاب ما يعتبره «التساؤلات الجماعية التي تطرحها الفترة الراهنة» في المجتمعات الغربية خصوصا. ذلك من حيث العلاقة مع مفهوم «الحداثة» وفي سياق التطورات التكنولوجية الهائلة التي ترتبت عليها وما أنتجته من تساؤلات حول مستقبل العالم الذي نعيش فيه..

وتتمثل إحدى الأفكار الأساسية التي يصل إليها بالقول ما مفاده أن «أفق الكارثة التي يتم رسمه للمستقبل مثير للقلق والتشوش أكثر بكثير مما كانت تنبئ به الحداثة منذ قرنين أو ثلاثة قرون». ويبين أن مثل هذا «الأفق الكارثي» يتم تعريفه على ضوء رؤية المستقبل ومجاهله. وبالتوازي مع تجاهل شبه كامل للوجه الآخر المتعلّق بالماضي.

ويشرح المؤلف ــ الفيلسوف أن الثقافة الغربية تعرف أزمة حقيقية على خلفية التأكيد أن «الأحداث الكبرى، أو الأكبر أهمية هي في المستقبل» وحيث يتم طرح الكثير من الأسئلة حول النتائج التي يمكن أن تترتب على تلك الأحداث على مستوى الفرد وحياته الخاصّة، كما على مستوى الحياة العامّة بمختلف وجوهها السياسية والاقتصادية وغير ذلك.. والتذكير أن مرجعية المستقبل كانت تكمن سابقا في نوع من الثقة بـ«مفهوم التقدّم نحو الأفضل» الذي يصب في مصلحة البشر.

حالة القلق والتشوش و«أفق الكارثة» وما يتردد على مثل هذه الخلفية من نتائج لا يمكن حسابها مسبقا أمور تعبّر، كما يشرح مؤلف الكتاب، عن «القطيعة» في الغرب مع مفهوم «التقدّم» الذي أنتجه عصر التنوير في القرن الثامن عشر وكان بمثابة «المحرّك» الأساسي للحداثة.

نقرأ: «في بداية العصور الحديثة تحوّلت ميول الهرب خارج العالم إلى قوّة للخضوع لهذا العالم (...). في الواقع استبدلت العصور الحديثة منطق إعادة الإنتاج بمنطق تحسين الإنتاج إلى أقصى حد ممكن»، أي ما عنى تكريس مفهوم «التقدّم». هذا على عكس شعار ساد في المجتمعات الغربية المعاصرة ودعا لـ«القطيعة مع الماضي ومع عالم الآباء».

ويعتبر المؤلف أن مثل هذه القطيعة مع الماضي ورفض مختلف أشكال الانتماء والتواصل مع كل ما هو موروث وصولاً إلى نوع من «ازدراء السلطة الأبوية» يمكن أن يكون له أسوأ النتائج، بل و«أسوأ الكوارث الإنسانية والسياسية والاقتصادية».

ويشرح المؤلف في هذا السياق كيف أن «إرث الماضي» يبدو بالنسبة للكثيرين بمثابة «ديون مستحقة» لا يملك البشر في الوقت الراهن سبل «تسديدها». من هنا يتم التأكيد على ضرورة عيش اللحظة الحاضرة «في الوقت الذي تتراكم فيه الديون القديمة وتتعاظم عبر شلال من الديون الجديدة»، كما نقرأ.

وفي مواجهة المبالغة في تكريس «اللحظة الحاضرة» إلى درجة تقارب «الطقوس» في المجتمعات الغربية اليوم، ومن أجل الخروج من المأزق ــ الكارثة الذي تتضمّنه مقولة «بعدنا الطوفان»، التي اختارها المؤلف عنوانا لكتابه، يؤكّد بيتر سلوترديك «على أهميّة أن تقوم المجتمعات المعنيّة بإحياء السلوك المتمثل في «إعادة قراءة تاريخها». ذلك أن «من لا ماضي له لا مستقبل له أيضاً».

لكن ليس في منظور أن تغدو المجتمعات المعنيّة حبيسة ذلك التاريخ الماضي. ولكن كي تضع نظرتها للمستقبل في سياق الاستمرارية وممارسة فن السيطرة على ممارسة حريّتها. ويطالب المؤلف في مثل هذا السياق بضرورة القيام بدراسة الآلية العميقة للمسارات التطورية التي عرفتها المجتمعات الأوروبية التي يركّز المؤلف على دراستها في هذا العمل.

هنا...والآن

يشرح المؤلف أن المجتمعات الغربية اليوم، بسبب القطيعة مع ذهنية الحداثة ومفهوم التقدّم، لم تعد قادرة على نقل المعارف والخبرات إلى أجيال المستقبل. وما يسود هو نوع من فلسفة اللحظة وعيشها بصيغة مباشرة هنا والآن. وما يعني تأكيد المؤلف على مفهوم القطيعة التي تعيشها المجتمعات الغربية مع ماضيها وخوفها من مستقبلها.

المؤلف في سطور

بيتير سلوتيريك هو فيلسوف ألماني وأحد أشهر المفكرين المعاصرين اليوم. سبق له وقدّم عشرات الكتب التي تمّت ترجمتها إلى العديد من اللغات العالمية الكبرى. من بين مؤلفاته: إذا استيقظت أوروبا وعليك أن تغيّر حياتك وفرنسا كما أراها.

الكتاب:

بعدنا الطوفان، الأزمنة الحديثة كتجربة مناهضة للانتساب إلى الماضي.

تأليف:

بيتير سلوتيرديك.

الناشر:

بايوت ــ باريس ــ 2016

الصفحات:

504 صفحات

القطع:

المتوسط