يدرس كتاب «نسمة البحر المتوسط/ رواد الفن الكتلاني للقرن العشرين»، الذي وضع نصوصه جوزيف ميكيل غارثيا، سير حياة وتجارب رواد الفن الكتلاني خلال القرن العشرين، الذين يتمتعون بشهرة عالميّة واسعة.
وكان قد صدر الكتاب بمناسبة إقامة معرض حمل عنوان (نسمة البحر المتوسط)، شهدته العديد من عواصم العالم من بينها: دمشق، وضم نماذج من أعمال هؤلاء الفنانين، الفنيّة المختلفة، أسلوباً وتقنيةً.
هذه العينة من الفنانين التي تبدأ مع الفنان ومهندس العمارة أنطوني غاودي وتنتهي مع الرسام أنتونيو تابييس، تُشكّل حالة فنيّة متفردة، ذات بعد كبير وخلاق، تتجاوز ملامحها الفن الإسباني الحديث، بقوة وواقعيّة متصلة بشكل مباشر، مع الفن الأوروبي، سواء لناحية تأثرها به، أو لناحية ريادتها له بوجود قامات فنيّة كبيرة، أمثال: بابلو بيكاسو، جوزيف كلارا، خوان ميرو، سلفادور دالي.. وغيرهم.
ويبين الكتاب أنه يتجاوب الفن الكتلاني مع ماهيته الكتلانيّة، ويلتقي في الوقت نفسه، مع ثقافات الشعوب المجاورة والمتشاطئة في منطقة البحر المتوسط، فهو محلي الخصائص، وعالمي التوجهات.
يُشير الكتاب إلى أن كتلونيا قطعت شوطاً كبيراً في سياق الفن الأوروبي طيلة القرن العشرين، وهذا راجع إلى التجارب الفنيّة المتميزة التي شهدتها، وجعلتها في مقدمة المناطق التي ساهمت بخلق الفن العالمي، إن لناحية القيمة الفنية المتفردة لهذه التجارب، أو ثراء الاتجاهات المختلفة التي اكتنزتها، بحيث أصبحت أسماء بعض أصحابها، مرجعاً فنياً وتاريخياً ومتحفياً للفن العالمي الحديث، رغم أن غالبية الفنانين التشكيليين الكتلونيين شبّوا وترعرعوا في أحضان كتلونيا، وكان للثقافة الكتلونيّة دورها الأساس في جعلهم مكوّنين لبعض الاتجاهات في الفكر والهويّة الجماعيّة التي طبعت تعدديّة كتلونيا، وقد ظهر ذلك بوضوح في الاتجاهات الجديدة للفن الكتلوني.
إن التشبث بهوية البلد -بحسب الكتاب-، يظهر جلياً من خلال السيرة الذاتيّة لكل أولئك الفنانين، حيث أكدت أعمالهم واعترافاتهم، على حضورهم وتأثيرهم في الآخرين، كما أثبتت الشخصية المتفردة لكل واحد منهم. فالخط الفني الممتد من غاودي إلى تابييس، ليس وهمياً، بل هو أصيل من أصالة الحداثة. كما أُعجب سلفادور دالي وخوان ميرو بأعمال الفنان ومهندس العمارة غاودي.
ومن جانب آخر، تُعد السنوات التي عاشها بيكاسو في برشلونة، بعد مجيئه إليها عام 1895، فترة تكوينيّة له كرجل وكفنان، كما جعلت ارتباطه بالمدينة كبيراً، حيث كانت له فيها علاقات اجتماعيّة كثيرة، انعكست في العديد من أعماله الفنيّة: قيماً تشكيليّة وتعبيريّة رائعة، الكثير منها موجود اليوم في المتحف الذي يحمل اسمه في برشلونة. وكان خوان ميرو وثيق الارتباط بكتلونيا.
من ناحية أخرى، فإن الفن الحديث (النسانتيزما) لا يقتصر على أساليب تُشكّل موضة علم البيئة، بل يشمل كل التراب الكتلاني، ويعبر عن مجتمع ذي قناعات قوية، عن طريق الثقافة والسياسة، فالحداثة لم تكن ممثلة في الرسامين والمعماريين فقط، بل شملت أيضاً إرادة الشعب الكتلاني الذي يريد بناء ثقافة خاصة به، من أجل ترسيخ الهويّة الكتلانيّة وتأكيدها.
بعد كوني
كان سلفادور دالي -كما يُشير الكتاب-، فناناً مرتبطاً بمنطقة كتلونيا، ويتضح هذا في أعماله الفنيّة المستوحاة من المناظر الطبيعيّة للمنطقة التي أعطت لإبداعات الفنانين الكتلانيين بُعداً كونياً، أكد كيفيّة التحول من مجتمع صغير إلى مجتمع كبير وشهير، عن طريق هذه الإبداعات التي اتسمت بالوحدة والتعدديّة في التسلسل الزمني، وجعلت الفن والتاريخ يصبحان كلاً واحداً لا يمكن فصلهما.
المؤلف في سطور
جوزيف ميكيل جارثيا، ناقد وباحث إسباني متخصص بالفنون الحديثة، وضع العديد من الدراسات حولها، لاسيّما الفنون الإسبانيّة، والكتلانيّة منها بشكل خاص.
الكتاب:
نسمة البحر المتوسط/ رواد الفن الكتلاني للقرن العشرين
تأليف:
جوزيف ميكيل جارثيا
الناشر:
"الثقافة والفنون" في حكومة كتلونيا الذاتيّة-اسبانيا2016
الصفحات:
88 صفحة
القطع:
الكبير
