عرفت البشرية مساراً تطورياً طويلاً في مجال تقدير قيمة الأشياء التي يتم تبادلها بين البشر. وبعد أن سادت لفترات طويلة عمليات «المقايضة» بين السلع والمنتجات تبعاً لمن يمتلكها ولمن يحتاجها، ظهر مفهوم النقد «العملة» لتحديد قيمة الأشياء. واختارت مختلف بلدان العالم أو مناطقه الإقليمية عملاتها. ثم جاءت الاتفاقيات الدولية التي كان من آخر تعبيراتها «بروتن وود» لتحدد الدولار الأميركي كعملة للمبادلات والتجارة الدولية.

ومن المعروف أن العالم «غارق» اليوم في سيل كبير من العملات الورقية. وهذه العملات الورقية هي بالتحديد موضوع كتاب «كينيت س. روغوف»، أستاذ السياسات العامّة في جامعة هارفارد والذي يصفه النقّاد أنه أحد أكبر الاقتصاديين في عالم اليوم. ويناقش المؤلف هذا الموضوع من زاوية محددة هي «ضرورة إلغائها» ـ ومن هنا بالتحديد أيضاً جاء عنوان الكتاب «بلاء العملات المالية الورقيّة».

ذلك على اعتبار أن القيام بمثل ذلك «الإلغاء» يمثّل «أحد السبل الرئيسية للنضال ضد الجرائم، والهروب من دفع الضرائب ومقاومة الأزمات الاقتصادي..الخ». خاصّة أن «سيولة الأوراق المالية وما يحيط بها من الجهل بمصادرها يجعلها خارج نطاق رقابة السلطات الرسمية».

تتوزّع مواد هذا الكتاب بين أربعة عشر فصّلاً في ثلاثة أقسام رئيسية. يناقش المؤلف في القسم الأول منها ما يصفه بـ «الجانب المظلم من العملات الورقية» ويحدد ملامحه الأكثر قتامة في التهرّب من دفع الضرائب وتغذية الجريمة والمسائل المتعلّقة بمجال الأمن.

والقسم الثاني من الكتاب يكتسي سمة «أكثر تقنية» فيما يخص آليات عمل الاقتصاد ويحمل عنوان «معدّلات الفائدة السلبية». ويشير المؤلف أن هذه المعدّلات «تقدّم الكثير من المعلومات لرجل أعمال فيما يخص الاستثمار أو عدم الاستثمار برأس ماله. وهي تدلّ أيضاً على مدى المخاطرة المالية»، كما يكتب المؤلف. ويضيف أن عدم تقديم معلومات دقيقة عن سعر الفائدة يؤدّي إلى «أخطاء وأخطار حقيقية فيما يتعلّق بالأحكام التي يتم الوصول لها».

أمّا القسم الثالث والأخير فهو مكرّس لـ «الأبعاد الدولية والعملات الرقمية ــ الإلكترونية». ويشرح المؤلف في فصول هذا القسم «الآثار الدولية لعملية الإلغاء التدريجي للعملات الورقية». الفصل الأخير من هذا الكتاب يحمل عنوان «العملات الصعبة الرقمية... والذهب».

والإشارة إلى أن لجوء الاقتصادات «المتقدّمة» إلى «العملات الإلكترونية» على حساب العملات الورقية، لا يلغي واقع أنه يتم اليوم تداول أكثر من 1،4 بليون دولار أميركي في العالم خاصّة من فئة 100 دولار. ثمّ يشرح المؤلف أنه يمكن للعملات الورقية أن «تدفع السياسات النقدية كلها نحو حالة من الشلل».

وهذا ما يشرحه بالممارسات التي لجأ لها المستثمرون بعد نشوب الأزمة المالية والاقتصادية الكبرى في خريف عام 2008. ذلك عندما لجؤوا إلى «التخلّي عن سندات الخزينة» لصالح «تكديس الأوراق المالية». ويرى أن تلك الأزمة هي التي تفسّر واقع «تباطؤ النمو الاقتصادي» وحالة التقهقر التي عرفتها المؤسسات «المتوسّطة الحجم خاصّة» مما يفسّر بدوره عدم بروز نشاطات مماثلة للتي قامت بها مجموعة آبل أو فيسبوك أو غوغل أو غيرها.

إن المؤلف وعلى مدى العديد من الصفحات الأولى في هذا الكتاب يقوم بتقديم توصيفاته للواقع الذي كان للعملات الورقية آثارها السيئة فيها. ذلك فيما يخص العديد من الميادين والنشاطات وليس أقلّها الفساد والإرهاب وتجارة المخدرات والتهرّب من الضرائب بالنسبة للمبالغ المالية الكبرى والجريمة المنظمة الهجرات غير الشرعية واللجوء إلى التهريب...إلى غير ذلك من المجالات التي تتغذى نشاطاتها بالعملات الورقية غير الخاضعة لعمليات الضبط الدقيق.

في هذه المجالات كلّها يتم استخدام العملات الورقية في مختلف النشاطات. هذا في حين أن إلغاء هذه العملة وفرض التعامل بالأقنية المعروفة العلنية، يعني إخضاعها لمعرفة «الحرّاس الماليين» بها. ويصل المؤلف في مثل هذا النهج من التحليل إلى التأكيد أن الأوراق المالية المدفوعة نقدا ــ كاش ــ هي مصدر رئيسي للمشاكل التي تؤدّي إلى الفشل الاقتصادي.

ومن الأفكار الرئيسية التي يقوم المؤلف بتطويرها بأشكال مختلفة في تحليلات هذا الكتاب بالاعتماد على الكثير من المعطيات الرقمية وغيرها، أن «أشكال التخريب الاجتماعي للعملات الورقية هي أكبر بكثير من الميزات التي تقدمها على نفس الصعيد، الاجتماعي».

وما يطالب به المؤلف في العمق هو الشروع بعملية «إصلاح على الصعيد الاقتصادي العالمي». ذلك بالتوازي مع ضرورة اتخاذ مجموعة من الإجراءات «الرادعة» للسيولة النقدية في النشاطات غير المشروعة التي تتم ممارستها فيما يسمّى بـ «الاقتصاد الجوفي ــ تحت الأرض».

وبوجه عام، يشرح المؤلف، أن فكرة «إلغاء العملات المالية الورقية» أو القسم الأكبر منها، كانت تبدو حتى فترة قريبة من الزمن نوعاً من «العبث» و«اللاعقلانية». هذا رغم وجود واقع معروف للجميع أن البلدان التي يتم تصنيف اقتصادها بالمتقدّم قد كفّت بصورة كبيرة عن استخدام الأوراق المالية، خاصّة مع التطورات التي جلبتها الثورة الرقمية وشبكات الإنترنت على هذا الصعيد.

الكتاب:

بلاء العملات المالية الورقية.

تأليف:

كينيت س. روغوف..

الناشر:

جامعة برنستون ــ 2016.

الصفحات:

248 صفحة

القطع:

المتوسط

المؤلف في سطور

كينيت س. روغوف، اقتصادي ذو شهرة عالمية. يعمل أستاذاً للسياسات العامّة في جامعة هارفارد الأميركية. حظيت أعماله بمراتب أولى في قوائم جريدة النيويورك تايمز لأكثر الكتب انتشاراً. خاصّة كتابه الذي يحمل عنوان «هذا زمن مختلف».