يعيش العالم اليوم عصر التكنولوجيا الرقمية المتقدّمة التي غزت مختلف ميادين الحياة والنشاطات الإنسانية وغيّرت الكثير من أنماط العمل ومن آلياته، كما كانت لها آثارها الكبرى على تنظيمه. وبعد أن كان هدف العلم في الماضي غير البعيد هو السيطرة على الطبيعة ومحاولة الكشف عن اسرار الكثير من الظواهر أصبح الهدف اليوم هو السيطرة على مسارات العلم وتكنولوجياته نفسها.

إلى اين تدفع التكنولوجيات المتقدمة العالم خلال السنوات الثلاثين القادمة؟.

على مثل هذا السؤال يحاول «كيفن كيللي»، مؤسس ورئيس التحرير السابق لمجلة «ويرد» الشهيرة، التي تأسست في كاليفورنيا عام 1993 وصدرت في كلّ من الولايات المتحدة وكندا واليابان، وركزت اهتمامها على دراسة آثار التكنولوجيا على الميادين الثقافية والاقتصادية والسياسية، أن يجيب عليه في كتاب يخوض فيه بدور التكنولوجيا في صياغة المستقبل غير البعيد.

يحمل الكتاب عنوان «مسار لا مفرّ منه»، ويقصد بذلك المسار المآل الذي تدفع التكنولوجيا المتقدّمة العالم نحوه في أفق ثلاثين سنة قادمة. وهو يشرح ضرورة «فهم 12 قوّة تكنولوجية ستصوغ المستقبل»، كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب، لاستقراء ما يمكن أن يكون عليه دور التكنولوجيا في صياغة هذا الأفق.

وهذا العمل يندرج في إطار سلسلة الأعمال التي عرفها العالم تحت عنوان عريض هو «الدراسات المستقبلية». هذا مع تجديد كبير وفريد إلى حد بعيد عبر الاعتماد على ما يسميه المؤلف «القوى التكنولوجية» الفاعلة اليوم والتي ستكون في صميم التبدلات القادمة.. ويبيّن أن هذه القوى تتداخل فيما بينها بحيث ستؤدّي إلى نوع من التغيير الجذري «الثورة»على صعيد العمل والتعلّم والشراء والتواصل مع الآخرين...وغير ذلك من الميادين والنشاطات.

هذه القوى تأخذ في فصول الكتاب العناوين التالية:«الصيرورة» بمعنى مسار التبدّل و«الإدراك» لفهم المتغيرات و«الحركة الدائرية»من حيث تغيّر دورة الانتاج ومساهمة المستهلكين فيها و«الاستعلام» بهدف التفاعل مع المتغيرات و«الاستعداد» لجميع الاحتمالات و«المشاركة» مع الاخرين و«التدقيق» في المصادر والمعلومات و«المزج» بين المعارف والتقنيات و«البحث عن توليفات تقنية ناجحة» و«المثابرة» و«طرح الأسئلة» من أجل البحث عن إجابات وفصل ختامي عن «الشروع بالعمل» في أفق 30 سنة قادمة.

هذا مع خط ناظم أساسي يتركّز على «التفاؤل» بالمستقبل وليس الغرق في نزعة التشاؤم المسيطرة حيال المستقبل الغامض التي تدفع التكنولوجيا العالم صوبه. والتأكيد في مثل هذا الإطار أن «جميع سيناريوهات المستقبل باهرة». بل والتأكيد أيضا أن «منجزات المستقبل، التي يذكر المؤلف عددا منها في مجالات خدمة راحة البشر،»سوف تفوق الأحلام التي بعثتها الثورة الرقمية«.

ويبدو تفاؤل المؤلف من خلال توجيه» رسالتين «في اتجاهين متعاكسين» ظاهريا «ولكن لخدمة هدف واحد. من جهة يشرح لأجيال الشباب خاصّة الذين»يرون العالم القائم بمنظار أسود«ويجدون الآفاق مغلقة أمامهم، ما يعني القول:» انتم لستم في حالة تخلّف عن ركب التقدّم«.

ومن جهة ثانية تتمثّل الرسالة التي يوجهها المؤلف للقارئين الذين انخرطوا في مجال الاهتمام بالعلوم والتكنولوجيات وربما في جمعيات علمية تهتم بهذين المجالين بتأكيد ما مضمونه»أنتم متخلفون عن ركب التقدّم«. ولهؤلاء وأولئك تتضمن الرسالتين نوعا من الدفع نحو التمسّك بالتفاؤل.

وفي الحالتين أيضاً يدعو المؤلف الشباب وأجيال الحاضر عموما إلى الانطلاق نحو المستقبل دون تأخير. نقرأ:» في هذه اللحظة، اليوم، في عام 2016 توجد اللحظة المناسبة للإقلاع. ذلك أنه لم يكن هناك في أي يوم من الأيام خلال التاريخ الإنساني كلّه فرصة أفضل من أجل اختراع شيء ما«. ويشير في هذا السياق أن هناك نوعا من المسار التكنولوجي الذي توجهه إرادة التقدّم في بعض الاتجاهات.

وما يؤكّده»كيللي«بأشكال مختلفة في هذا الكتاب هو أن المطلوب بالنسبة لمستقبل العالم خلال العقود الثلاثة القادمة»ليس الدخول في سباق ضد الآلات«ولكن بالأحرى» سباق إلى جانب الآلات«.

ذلك أن مثل هذا الموقف، وفي ظل التكنولوجيات الرقمية، يساعد على تعميم الفائدة بالنسبة للجميع في مختلف المجالات وليس أقلّها المعرفة والفن وخاصّة الموسيقى. ويبدو أن هذا الكتاب يمثّل بأحد وجوهه نوعا من محاولة رسم»خارطة طريق«متفائلة بالنسبة للمستقبل.

من الأفكار الأساسية التي تتردد في تحليلات هذا الكتاب أن الغالبية العظمى من»القوى التكنولوجية«، التي ولّدتها التحوّلات الرقمية وتكنولوجياتها والتي سيكون لها مساهماتها الكبرى في صياغة المستقبل خلال العقود القادمة،»موجودة اليوم وهي في طور الحركة والفعل«. ويرى المؤلف في الأفق حالة جديدة من»التقارب بين البشر والآلات«بأكبر قدر عرفته الإنسانية في تاريخها حتى اليوم.

المهم أن يقتنص البشر الفرص التي يوفرها ذلك وأن يعرفوا كيف» يديرون الحالات والأوضاع المعقدّة ويدفعوا إلى أقصى ما يمكن الميزات والإيجابيات ويقلّصوا النواقص والسلبيات«. ويصل المؤلف في المحصّلة النهائية إلى نوع من الدعوة للعيش»بهدوء«في أفق العقود الثلاثة القادمة.

يخوض المؤلف على مدى العديد من صفحات الكتاب في النقاشات الدائرة على صعيد الولايات المتحدة الأميركية فيما يتعلّق بمستقبل النمو الاقتصادي الأميركي. فعلى أولئك الذين يقولون بـ»نهاية النمو الاقتصادي الأميركي«وعلى رأسهم الاقتصادي الشهير» روبرت غوردون«صاحب مقولة»التباطؤ المستمر والكبير للنمو الاقتصادي الأميركي«يردّ»كيفن كيلي«بالتأكيد أن» التأثير السلبي للتكنولوجيات المتطوّرة لم يظهر بعد وتقدّم الانتاج في عداد وعود المستقبل«.

المؤلف في سطور

كيفن كيللي هو أحد مؤسسي مجلّة ويرد، التي صدرت في كاليفورنيا بالولايات المتحدة عام 1993 وعمل في منصب رئيس تحريرها لسنوات طويلة. وكانت قد صدرت بطبعتين أيضاً في كندا واليابان. وركّزت المجلة اهتمامها على دراسة آثار التكنولوجيا على الثقافة والاقتصاد والسياسة. وهذه هي أيضاً مراكز اهتمام دراسات مؤلف هذا الكتاب.

الكتاب:

مسار لا مفرّ منه، محاولة فهم 12 قوّة تكنولوجية ستصوغ المستقبل.

تأليف:

كيفن كيللي.

الناشر:

فايكنغ. نيويورك ــ 2016

الصفحات:

336 صفحة

القطع:

المتوسط