يُقدّم الكتاب المُعنون بـ«سحر الواحات.. الداخلة، الخارجة، الفرافرة»، رحلة بالعدسة استطاعت أن تلتقط روح المكان وتُضيء خباياه، وتُبحر مع الإنسان عبر التاريخ من خلال أطلال وشواهد ومدن مهجورة، وترصد تفاعله مع عالمه النائي وإبداعه للتحايل على صعوبة الحياة وجعلها أجمل.. والعين هنا لا تشْبع من مشاهدة الصحراء وانبثاق الماء والزرع هنا وهناك، ولا من معمار طيني شديد الخصوصية يعيد الضوء تشييده على مدار اليوم، ولا من حرف تقليدية نابعة من احتياجات إنسان الواحة وذوقه والمتاح في بيئته. وحتى الفنان الفطري ابن البيئة والتراث، استطاعت الكاميرا أن تسجل أعماله وتدلف إلى عالم مجموعة منتقاة من المبدعين التلقائيين.
وهكذا، بين الطبيعة والتاريخ والإنسان والعمارة والحرفة والفن، تكتمل التوليفة السحرية لعالم الواحات التي تقع في نطاق محافظة الوادي الجديد بمصر وتمتد من الخارجة والداخلة.. إلى باريس والفرافرة، وتتشكل التعويذة السحرية الفاتنة لكتاب يكنّ بين دفتيه الجمال والمعرفة بأماكن وبشر وفنون من صحراء مصر.
مؤلف الكتاب وجامعه، الكاتب والمصور رشيد غمري، يدرج فيه ملحق الصور الذي يمثل الأصل في هذا الكتاب، ويمكن اعتباره ألبوماً كبيراً لصور توضح جماليات الواحات المصرية التي تتمتع بسحر خاص توضحه الصور. وهو يشير إلى أن الواحات المصرية حالة سحر لا نكاد نفك طلاسمها حتى تبهرنا من جديد، هي في الجغرافيا بقع خضراء منخفضة وسط صحراء مصر الغربية الشاسعة، وهي في التاريخ ممالك ومحطات على طرق تجارية مهمة وصلت إلى المغرب وأفريقيا جنوب الصحراء.
يبدأ الكاتب رحلته في الواحات مستعرضاً الصحراء والبحيرات والحقول والطيور وواجهات البيوت، بالإضافة إلى صور عن صور قديمة بالأبيض والأسود ترينا لمحة من زمان الواحة، حيث التكوينات الصخرية والرملية التي تعكس ضوء الشمس على مدار اليوم بألوان مختلفة.
وتذهب العدسة أيضاً إلى واحة باريس، التي يقال إن قربها من الجنوب جعلها أكثر قرباً بالنوبة والسودان وتأثرها بهما. وحظيت هذه الواحة باهتمام كبير من المعماري حسن فتحي، الذي انتقى مدخل الواحة ليكون مرسى مركز حسن فتحي الذي يمثل إحياء لتراث معماري بديع صمد لأكثر من أربعين عاماً؛ لعله يجد يوماً من يقدر قيمته ورمزيته.
ومن القلل إلى النسيج اليدوي، وهو من الحرف التقليدية القديمة في الواحات اعتمد عليه الناس لتوفير احتياجاتهم الأساسية، وللكليم الواحاتي القديم طريقة في الصنع كانت تشبه مثيلتها في بعض المجتمعات البدوية. كما أن الأنوال تطورت مع الوقت وتطورت أشكالها، وهو ما يتضح في متحف موط للتراث بواحة الداخلة، والذي احتوى على نماذج من الكليم القديم بألوانه الزاهية وأشكاله الزخرفية.
ويتطرق الكتاب إلى واحتي الخارجة والداخلة، ويذكر أنه في الخارجة اعتمدت أشكال وفدت مع المدربين من الدلتا، مع وجود محاولات لإحياء بعض التراث وصنع نوع مميز من البطاطين. أما فيما يتعلق بواحة الداخلة، فيشير إلى أن بها مصنعاً للنسيج اخترقت الميكنة بعض مراحل العمل فيه، كالغزل. كذلك في قرية الدهوس بالداخلة، هناك محاولات للبحث عن استعمالات عصرية للنسيج، حيث معظم الخيوط من الصوف الذي يجز من الغنم، وبعض القطع تعتمد على الصوف بألوانه الطبيعية.
ويدعم الكتاب بملحق صور كبير، يمثل جمال هذه الواحات ويكشف عالماً مختلفاً مُغرياً لعدسات وأعين المتأملين ومحبي الصحراء المصرية.
ثلاث مراحل
يتحدث مؤلف الكتاب عن الحِرف التقليدية في الواحات، التي تتنوع ما بين الفخار والنسيج والأثواب والحلي والمشغولات والخوص والحدادة وغيرها. ويشير أيضاً، إلى العادات والأعراف في هذه الواحات؛ ومنها على سبيل المثال: «القلل» التي ترتبط في الوادي الجديد بالعادات والتقاليد، فمثلًا تصنع القلل على ثلاث مراحل: «البدن المنتفخ، والرقبة، ومن ثم الشباك».
المؤلف في سطور
رشيد غمري. كاتب وباحث مصري. لديه اهتمام كبير بحقلي الفن التشكيلي والصور الفوتوغرافية.
الكتاب:
سحر الواحات
تأليف:
رشيد غمري
الناشر:
الهيئة المصرية العامة للكتب-القاهرة 2016
الصفحات:
240 صفحة
القطع:
المتوسط
