تتردد كثيراً في كل مكان مقولة أن «ما مضى كان أفضل». والأسباب التي تدفع لإعطاء مثل هذه المقولة المصداقية لدى الرأي العام كثيرة. وليس أقلّها واقع الأزمات المتكررة، الاقتصادية منها والإنسانية، التي يشهدها العالم. وليست قليلة هي الأصوات التي تحذّر من حالة «الانحطاط الحضاري» المعممة السائدة.

ولكن هل صحيح أن «ما مضى كان أفضل»؟

رغم كل ما يقال ويتردد وما تثبّته استطلاعات رأي عديدة تذهب فيها أغلبية ساحقة من المشاركين باتجاه القول أن «ما مضى كان أفضل»، يقدّم المؤرّخ الاقتصادي ومؤرّخ الأفكار السويدي جوهان نوربيرغ كتابا صدر مؤخّرا، وأثار ضجّة كبيرة في الغرب عموما، يشرح فيه على مدى صفحاته أن «الماضي لم يكن أفضل». يحمل الكتاب عنوان: «التقدّم» ويحدد فيه المؤلف «عشرة أسباب لتصوّر مستقبل العالم»، كما جاء في عنوانه الفرعي.

إن المؤلف ــ مؤرّخ الاقتصاد الليبرالي يشير بداية أن فكرة «ما مضى كان أفضل» تلقى رواجا كبيرا. وهو يعيد ذلك الرواج إلى واقع أن البشر لا يصدقون في الواقع حقيقة التقدّم الذي عرفته الإنسانية.

هذا إلى درجة أن نسبة 81 بالمائة من مؤيدي دونالد ترامب كمرشح للانتخابات الرئاسية الأميركية هم من القائلين، حسب استطلاعات للرأي، أن «الحياة تردّت أكثر فأكثر منذ 50 سنة في الولايات المتحدة الأميركية». وهذا يتماشى بالتزامن مع استطلاع للرأي لدى الأميركيين أظهر أن نسبة 6 بالمائة منهم فقط اعتبروا أن «العالم يتقدّم».

بالمقابل يقدّم جوهان نوربيرغ سلسلة طويلة من الأرقام والإحصائيات التي تصبّ كلّها في تقديم الحجج والبراهين التي تؤكّد أن «البشرية لم تكن في أي يوم من تاريخها أكثر ثروة وصحّة وحريّة وتسامحا وتعليما مما هي عليه في الفترة الراهنة».

من هذه الأرقام ذات الدلالة أنه في عام 1900 كانت هناك نسبة 21 بالمائة من البشر يعرفون القراءة وقد بلغت هذه النسبة اليوم 86 بالمائة. والإشارة أنه حتى منتصف القرن العشرين كانت نسبة «الأميّة»على الصعيد العالمي هي 40 بالمائة من مجموع سكان المعمورة.

والإشارة أيضا إلى تضاؤل كبير في التباين بنسبة الأمية بين الرجال والنساء في الحقبة الراهنة. تقول الأرقام المقدّمة إن حوالي 96 بالمائة هي نسبة أميّة النساء في شريحة سن ما بين الـ 15 سنة و 24 سنة بالقياس إلى الأميّة بين الرجال.

وفي نفس السنة 1900 كان متوسط عمر الإنسان على الصعيد العالمي هو 31 سنة فقط، بينما يبلغ اليوم أكثر من 71 سنة. والإشارة في نفس السياق أنه في عام 1800 لم يكن هناك أي بلد في العالم يتجاوز متوسط عمر الإنسان فيه 40 سنة، واليوم لا يوجد أي بلد في العالم يقل معدّل متوسط العمر فيه عن 40 سنة.

وهناك مؤشّر هام عن «تقدّم الإنسانية» يجده المؤلف في واقع أنه في عام 1800 كانت نسبة 94 بالمائة من عدد سكان العالم البالغ حوالي مليار نسمة يعيشون في حالة فقر مدقع. وفي عام 1990 كانت نسبة 37 بالمائة من سكان العالم يعيشون في مستوى دون عتبة الفقر - 2 دولار يومياً للفرد، حسب تصنيف البنك الدولي-. وهبطت تلك النسبة اليوم إلى أقل من 10 بالمائة من مجمل سكان العالم.

ورقم آخر له دلالته على «تقدّم البشرية» وهو أنه في عام 1950 كان هناك أكثر من ربع الأطفال في العالم الذين تتراوح أعمارهم آنذاك بين 10 سنة و14 سنة نشيطون اقتصاديا، بينما لا تبلغ نسبة نفس شريحة السن من الأطفال العاملين الـ 10 بالمائة اليوم.

ومؤشر له دلالته الخاصّة على أساس مفهوم التقدّم يبرز فيه المؤلف، بالاعتماد على إحصائيات المراكز العالمية المختصّة، أن «إجمالي الإنتاج الداخلي» العالمي ازداد خلال الثلاثين سنة الأخيرة بمقدار ما عرفه من الزيادة خلال الـ 30000 سنة السابقة. والإشارة في نفس الإطار أنه قبل 30 سنة كان معدّل دخل الفرد من إجمالي الانتاج هو 6600 دولار ووصل اليوم إلى 10000 دولار.

ولم يكن التقدّم على صعيد الاقتصاد ودخل الفرد فحسب، ولكن أيضا تمثل الحقبة الراهنة، كما يشرح المؤلف، على الصعيد العالمي عموما والصعيد الأوروبي خصوصا إحدى أكثر الفترات حماية من خطر التعرّض لاعتداء الآخرين في التاريخ. هكذا مثلاً كان معدّل «جرائم القتل» في العصور الوسطى الأوروبية هو 32 شخصا من أصل كل 100000. وهذا المعدّل انخفض في نهاية القرن العشرين إلى شخص واحد من أصل كل 100000.

وفي مجال مثير للكثير من الجدل اليوم يخص مسألة التلّوث البيئي يشير المؤلف أن هواء مدينة كبيرة مثل لندن، على عكس الأفكار السائدة، هي اليوم نقيّة بنفس الدرجة التي كانت عليها عشيّة الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر. وملاحظة أخرى في نفس المجال تفيد أن الغابات في القارّة الأوروبية تزداد مساحتها. وبالإجمال يقدّم المؤلف صورة للعالم يبرز فيها أن «الإنسانية حققت تقدما كبيرا خلال القرنين المنصرمين».

يبقى الوجه الأكثر «دمامة» بنظر المؤلف، وما يجد صداه في كتابه، هو «الأخبار اليومية». ذلك أن «الخبر» هو أحد الأشياء النادرة التي يعتقد بعمق أنها «لم تتحسّن». ويشرح أن الخبر ميدانه هو «النبأ السيئ» الذي تتردد أصداؤه كثيراً بحيث يسود الاعتقاد أن أشياء سيئة كثيرة ومرعبة تحدث في كل وقت.

أمّا الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام فيتم تشبيهه بـ«الجهاز المناعي قي المجتمع». ذلك أنها تبحث عن مصادر التهديد المحتملة وتحاول المساعدة على معالجتها. لكن هذا لا يمنع واقع أنها، «على غرار جهاز المناعة البيولوجي»، يمكن أن تسبب الأذى لما يُفترض أنها تقوم بحمايته.

التفاؤل حيال ما وصلت له الإنسانية اليوم في مختلف المجالات يتجاوز كثيرا الفكرة الشائعة، القائلة إن «العصر الذهبي» كان في الماضي البعيد «عصر النهضة» أو في الماضي القريب فترة الستينات من القرن الماضي تحت عنوان القليل من «السلام والحب»، ولكنه موجود في الحقبة القائمة اليوم. هكذا أعطى المؤلف لمقدّمة الكتاب عنوانا مفاده: «الأيام الجميلة العريقة هي الآن».

تقول إحدى الجمل التي يختتم بها المؤلف كتابه ما مفاده: «إن جميع أشكال التقدّم المسجلة في هذا الكتاب هي نتيجة عمل بشر يعملون كثيرا من علماء ومجددون وأصحاب مؤسسات وأفراد شجعان، ناضلوا من أجل حريّة أن ينجزوا أشياء جديدة وبطرق جديدة».

المؤلف في سطور

جوهان نوربيرغ، هو مؤرّخ سويدي للأفكار والاقتصاد. يولي اهتماهه للفكر اللبرالي. ومن المدافعين عن الرأسمالية والعولمة والهجرة والحريّات الفردية. درس الفلسفة والأدب والعلوم السياسية والتاريخ في جامعة استوكهولم.

من مؤلفاته: «تاريخ الليبرالية السويدية» و«دفاعاً عن العولمة الرأسمالية»... إلخ.

الكتاب:

التقدّم.. عشرة أسباب لتصوّر مستقبل العالم.

تأليف:

جوهان نوربيرغ.

الناشر:

وانوورلد بوبليكيشن، لندن ــ 2016

الصفحات:

256 صفحة

القطع:

المتوسط