هناك رأي شائع في العالم حيال القارّة الأفريقية وهي أنها لا تزال مهد الفقر والبؤس ولا يبدو أنها مرشّحة للنهوض. هذا في حقبة تعرف بها العديد من مناطق العالم، وعلى رأسها القارّة الآسيوية الموصوفة حتى الأمس القريب أنها تعيش حالة من الركود وفيها مئات الملايين من البشر الذين يعيشون في مستوى دون عتبة الفقر، حالة من الصعود بحيث إن الصين غدت تحتل أحد الصفوف الأولى على الصعيد الكوني.
أمّا بالنسبة للقارّة الأفريقية «جنوب الصحراء»، وما يعني أفريقيا الموصوفة بـ «السوداء» فإنها تشكّل موضوع مجموعة من الأفكار الجاهزة المسبقة التي تتسم بمجملها بـ «الكثير من التشاؤم» حيال الواقع القائم اليوم... كما حيال الغد.
و«أفريقيا حسب الأفكار الجاهزة» هي موضوع الكتاب الجماعي الذي يحمل هذا العنوان للمشرف على إنجازه «جورج كوراد» الخبير المعروف دولياً بالقارّة الأفريقية ومسارات تطورها ومدير في «مركز الأبحاث حول التنمية» اليوم وصاحب سلسلة من الكتب منذ عقد السبعينيات الماضي حتى اليوم. ويساهم في الكتاب عدد من المختصيّن ــ 30 ــ ذوي الاهتمام بالقارّة الأفريقية.
إنها أفكار «جاهزة» من نوع: «إن أفريقيا ليست جاهزة لتبنّي الديمقراطية»، على الطريقة الغربية، وأنه «ينبغي أن نعيد لأفريقيا الأدمغة التي أخذناها منها» و«الزراعات المهجّنة يمكن أن تكون الحل بالنسبة لمشكلة الجوع» و«الأفارقة الأكثر فقراً هم الذين يهاجرون إلى أوروبا» و«الأفارقة لا يولون ما يكفي من الاهتمام حيال المسائل المتعلّقة بالتنمية»... الخ.
ويطرح المساهمون بداية مجموعة من الأسئلة مثل: لماذا يستمر الأفارقة في فقرهم بينما أن أفريقيا تثير شهية القوى الكبرى؟ وهل يسمح الماضي ببناء الحاضر؟ وهل تكون الذهنيات المتخلّفة والقديمة وأشكال السلوك اللاعقلاني في صميم الأسباب المعيقة للتنمية في أفريقيا؟ وما هي التبدّلات التي يمكن للقارّة الأفريقية أن تكون عرضة لها في المستقبل؟
المساهمون في هذا الكتاب يحاولون الإجابة عن هذه الأسئلة بالاعتماد على استعراض مجموعة من الأفكار الشائعة حول أفريقيا والعمل على تبيين ما تكتنز عليه هذه الأفكار من مغالطات وأيضاً ما تعبّر عنه من حقائق موروثة وقائمة على أرض الواقع.
والإشارة أنها أسئلة يتم تداولها مع أسئلة كثيرة أخرى عندما يجري التطرّق إلى المشكلات التي تواجهها القارّة الأفريقية السوداء ومساراتها التي وصلت بها إلى حيث هي ومستقبلها في مختلف وسائل الإعلام وعلى المسرح السياسي وفي الكثير من النقاشات ذات الطابع الأكاديمي.
هذا ما يتم شرحه على مدى فصول خمسة يتألف منها الكتاب. تحمل هذه الفصول بالتتالي العناوين الآتية: «أفريقيا غنيّة لكن الأفارقة يبددون ثرواتهم» و«قراءة الماضي من أجل فهم الحاضر وبناء المستقبل» و«أشكال سلوك لا عقلانية وذهنيات متحجّرة» و«ينبغي فرض التقدّم على فلاّحين متخلفين» وأخيراً «أفريقيا انطلقت... في أي اتجاه؟».
وفي هذا الكتاب الذي يصدر اليوم انطلاقاً من نصّ سابق صدر قبل عقد من الزمن بعد إعادة النظر فيه «كليّة» وإثرائه بكمّ كبير من المعلومات والمعطيات على ضوء الواقع الأفريقي القائم تتم الإشارة أنه برز في تحليلات الأخصائيين بالقارّة الأفريقية خلال عام 2015 ميل نحو «التفاؤل الاقتصادي» وعلى خلفية قيام «دول قويّة» و«حكومات جيّدة» و«انبثاق طبقة وسطى».
بالمقابل ظلّت «النزعة التشاؤمية الأفريقية» تتغذّى من مجموعة من العوامل التي ليس أقلّها الصود القوي لظاهرة التطرّف في عدد من البلدان الأفريقية والتسارع الكبير في الزيادة السكانية مع غياب جميع الإجراءات الرامية إلى «ضبط إيقاع» هذه الزيادة.
وعبر التحليلات المقدمة يتم التعرّض لشرح الآليات التي يتم بالاعتماد عليها «استثمار الثروات الطبيعية» في القارّة الأفريقية وتاريخها السياسي، خاصّة منذ نهاية الحقبة الاستعمارية، ودراسة الذهنيات الأفريقية والخوض في الإمكانيات العميقة التي تتضمن عليها المجتمعات الأفريقية.
هذا والإشارة أن الحدود التي قامت السلطات الاستعمارية بترسيمها قامت بتقسيم «اصطناعي» لإثنيات في بلدين أو أكثر. الأمر الذي طرح لاحقاً العديد من النزاعات التي أخذت طابعاً عنيفاً على خلفية اثنية .هذا مع شرح أن «التجانس الإتني» لا يعني بالضرورة ضمان الأمن والاستقرار في جميع الحالات.
ويصل المساهمون في هذا الكتاب إلى التأكيد أن «التغيير في أفريقيا يجد محرّكه في الشباب». ذلك على اعتبار أن الشباب الأفارقة يمثّلون، على الأقل بفعل أعدادهم الهائلة، «قوّة كامنة لا ريب فيها» لتغيير أوضاع القارة. وهذا حظ بالنسبة للشباب المعنيين أنفسهم، حيث سيواجهون في العقدين المقبلين تعاظم ظاهرة البطالة إذا لم «تقلع» القارّة.
وفي جميع هذه الحالات يحاول المساهمون تثبيت ما يعتبرونه «حقائق أفريقية» في منظور فرزها عن «الأساطير» و«التوهمات» السائدة في القارّة... وحولها.
الإرث الاستعماري
يتفق المساهمون على القول إن الإرث الاستعماري يترك آثاره السلبية الكبيرة على القارّة الأفريقية. وهذه الآثار تبدو بوضوح في طريقة رسم الحدود بين البلدان الأفريقية التي يتم توصيفها أنها «اصطناعية»، بل ويذهب بعض المساهمين إلى نعتها بأنها «عبثية وغير شرعية».
المؤلف في سطور
جورج كوراد، هو أحد الأخصائيين الفرنسيين المعروفين عالمياً بشؤون القارّة الأفريقية التي كتب عنها منذ عقود عدة. وهو مدير في «مركز الدراسات حول التنمية». له العديد من المؤلفات في عدادها كتاب «أفريقيا في مواجهة القرن الحادي والعشرين»... الخ.
الكتاب:
أفريقيا حسب الأفكار الشائعة
تأليف:
جوج كوراد وآخرون.
الناشر:
بيلان ــ باريس ــ 2016
الصفحات:
412 صفحة
القطع:
المتوسط
