يتفق جميع المحللين الاستراتيجيين والاقتصاديين اليوم على أن القارّة الآسيوية تعرف مرحلة من الصعود، لكن هذا لا يمنع واقع أن آسيا كانت حتى عام 1950 لا تزال «نائمة» ورمزاً للفقر، ولا يزال هناك اليوم مئات الملايين من الآسيويين يعيشون في مستوى «دون عتبة الفقر».

ذلك مقابل اهتزاز مركز الزعامة الأميركية، وتقهقر مكانة القارة العجوز، كما يُطلق على القارّة الأوروبية، التي عرفت مسيرة متواصلة من التقهقر بعد الحربين العالميتين، الأولى والثانية، ومع أفول الإمبراطوريات الاستعمارية خلال سنوات الخمسينات والستينات من القرن الماضي، العشرين. هذا في حين أن القارّة الأفريقية تحاول البحث عن طريقها للنهوض.

ويتفق الجميع أيضاً أن العالم قد عرف منذ حوالي عقدين من الزمن، وخاصة في هذه السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين، تحولات كبرى في خارطة مراكز القوى. وفي خضم مثل هذه التحولات غدت آسيا تطمح كي تحتل «المركز الجديد للعالم».

وحول هذا التحوّل في مركز العالم يقدّم «جان كريستوف فكتور»، مؤسس «مختبر الدراسات المستقبلية» ومديره العلمي، كتاباً تحت عنوان «خفايا الأمور في آسيا». تجدر الإشارة إلى أن مؤلف هذا الكتاب يقدّم منذ فترة طويلة برنامجاً تلفزيونياً لدى قناة «ارتي» يتابعه ملايين المشاهدين في فرنسا وألمانيا تحت عنوان «خفايا الأمور».

والعديد من نصوص هذا الكتاب كانت قد تمّت صياغتها في منظور التحضير لبرنامج يخصّ القارّة الآسيوية «المعقّدة على الفهم في أغلب الأحوال».. ويأخذ الكتاب صيغة «أطلس» يحتوي على الكثير من الخرائط التي يساهم في رسمها «روبير شاوو وغيّوم سيو».

ومن هنا يمكن أن يعني عنوان الكتاب «ما تخفيه الخرائط» وهو يحتوي على 120 خريطة ورسماً بيانياً يتم من خلالها توضيح الكثير من المسائل والمعطيات المتعلّقة بمستقبل القارّة الآسيوية. وخاصّة ما يتعلّق بالوقائع البشرية من حيث وزن الواقع السكاني، الديموغرافي، والسياسية من زاوية دورها في بروز عوامل النزاعات المحليّة والإقليمية.

وهناك أيضاً مسائل التهديد على المناخ وزيادة سخونة الأرض، حيث تدلّ المعلومات والإحصائيات المقدّمة أن بلدان آسيا الصاعدة توجه ظاهرة تعاظم انطلاق غاز ثاني أكسيد الكربون ــ الفحم ــ من المعامل وخاصة في مدن شمال الصين. تدل الخرائط المقدّمة على مناطق تمركز الأخطار البيئية وتوزّع ما تتم تسميته بـ «اللاجئين المناخيين».

ويشير المؤلف إلى أنه عبر التمعّن بمجمل الخرائط المقدّمة يمكن تصور مدى «الترابط» الكبير الذي غدا يتميّز فيه العالم اليوم ومدى الأهميّة الثقافية والحضارية التي تكتسيها بلاد مثل الهند. ولكن أيضاً الصين ومنطقة المحيط الهادئ، الباسيفيكي، وجنوب شرق آسيا.

تتوزع محتويات هذا الكتاب ــ الأطلس بين ثلاثة أقسام رئيسية تحمل العناوين التالية: «وجوه آسيا» ثمّ «آسيا التي تعاني من توترات» وأخيراً «آسيا في حالة حركة». والإشارة أنه يتم تكريس معالجة مستقلة لكل من البلدان التالية: اليابان والهند وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية وأستراليا وإندونيسيا وتايلندا وفيتنام وميانمار ولاوس وبنغلاديش.

من الأفكار البارزة التي يتم التركيز عليها في هذا الكتاب ــ الأطلس أن الصين قد غدت القوّة العالمية الثانية بعد الولايات المتحدة الأميركية. والتأكيد أيضاً بالتزامن مع ذلك أن النمو الاقتصادي في آسيا هو الذي «يجرّ» إلى أعلى النمو الاقتصادي العالمي. وبهذا المعنى غدت آسيا هي أحد «مراكز العالم الرئيسية الثلاثة»، إلى جانب أميركا وأوروبا «رغم تراجعهما».

ويتمّ في هذا الكتاب ــ الأطلس تقديم كميّة كبيرة من المعلومات التي تلقي الكثير من الأضواء على الواقع الآسيوي الجديد. هكذا نعرف أنه في عام 2015 كان نصف الآسيويين يعيشون في المدن والبلدات المزوّدة بمختلف وسائل العيش الحديث.

هذه النسبة وصلت إلى 93 بالمئة في اليابان، حيث تمثّل طوكيو والضواحي التابعة لها أكبر تجمع سكاني «حضري» في العالم بعدد سكان يبلغ 38 مليون نسمة. وتبلغ نسبة سكان المدن والحواضر في كوريا الجنوبية نسبة 82 بالمئة من مجموع السكان.

وتبيّن المعطيات المقدّمة أنه بالإجمال هناك ما يزيد على نصف الصينيين والإندونيسيين يعيشون في المدن بينما لا تبلغ هذه النسبة سوى ثلث السكان في الهند، حيث يتواجد في العاصمة الهندية وحدها 25 مليون نسمة، تليها «شنغهاي» في الصين بعدد سكان يبلغ 23 مليون نسمة.

تتم الإشارة في هذا السياق أيضاً أنه لا يزال هناك 700 مليون من الهنود لا يمتلكون البنى الأساسية الصحيّة وغيرها. وتقول إحدى الإحصائيات إنه لا يزال هناك عموماً 12 بالمئة من مجموع الآسيويين ـ أي ما يعني 490 مليوناً من البشر يعانون من سوء التغذية.

ومقابل هذه حقائق حول الفقر في آسيا يتم شرح أن هناك «مجموعة من النخب الاقتصادية» التي وصلت في أغلب الأحيان إلى جمع ثروات كبيرة عبر «التسلّق على السلطة» و«التواطؤ» مع بعض ممثلي السلطات السياسية. وهذه النخب تواجه في الواقع الآسيوي ظاهرة «مواجهة الطبقات الوسطى».

وفي جميع الحالات تتم الإشارة إلى أن جميع المدن الآسيوية تواجه منذ عدّة عقود موجات هجرة عارمة من الأرياف إلى المدن. مثل هذه الظاهرة تبدو بوضوح في مدينة شنغهاي الصينية، وهي أحد أكبر المراكز الصناعية في آسيا اليوم.

وفي إحدى الجمل الأولى من هذا العمل يكتب «جان كريستوف فكتور» ما مفاده: «كان من حظّي أنني قمت بأسفار عديدة إلى آسيا، ومكثت لفترات في مختلف البلدان التي يحاول هذا الكتاب سبر خباياها، باستثناء منغوليا. وأعرف جيّداً روائح بلدان آسيا وألوانها وأنهارها ومناظرها وبالطبع شعوبها وتواريخها المأساوية أو الهادئة، ولكن أيضاً أنماط المستقبل التي تحضّرها بكل عزم وتصميم. إنه مستقبل تحاول أن تعيد فيه اختراع موازين القوى على الصعيد العالمي».

الكتاب:

«خفايا الأمور في آسيا، مسارات جيوسياسية «جيوبوليتيكية»..

تأليف:

جان كريستوف فكتور.

الناشر:

تالاندييه ــ باريس ــ 2016

الصفحات:

143 صفحة

القطع:

المتوسط

المؤلف في سطور

جان كريستوف فكتور هو مؤسس «مختبر الدراسات المستقبلية» ومديره العلمي. يقوم بتدريس مادة الجغرافيا السياسية والمسائل الاسترتيجية في فرنسا وفي عدد من البلدان الأوروبية. وهو صاحب البرنامج التلفزيوني «خفايا الأمور» الذي يشاهده الملايين على قناة ارتي التلفزيونية.