أظهرت الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي انطلقت من الولايات المتحدة الأميركية في خريف عام 2008 وما تلاها من تباطؤ في النمو العالمي أن «الاقتصاد» يخبئ دائما «مفاجآت» تتجاوز توصيفات وتصنيفات وتوقعات الأخصائيين. من هنا تبقى آليات عمل هذا المشرب الحيوي من العلوم، وخاصّة النسخة الرأسمالية السائدة اليوم، موضوع تساؤلات مستمّرة حيال المستقبل.

من هنا يقدّم الأستاذان في جامعة «مانيتوبا» الكندية «روبرت شيرنوماس وايان هودسون» رؤيتهما لـ «الاقتصاد في القرن الحادي والعشرين» كما يقول العنوان الرئيسي لكتابهما المشترك ــ كانا قد قدّما عدة أعمال مشتركة سابقة ــ مع عنوان فرعي يحددان فيه أن دراستهما لهذا القرن ستكون من «منظور نقدي».

يحاول المؤلفان في عملهما الإجابة على السؤال التالي ـ هل يمكن تحديد مسار الاقتصاد في هذا القرن الحادي والعشرين بالاعتماد على ما هو متوفر اليوم من معطيات ومن أدوات وتقنيات؟. وإجابتهما المباشرة هي أن الاقتصاد يخضع باستمرار لمتغيرات ومنعطفات مما دفع إلى توصيفه أنه «علم يثير الشفقة»

ويشير المؤلفان أنه يبدو اليوم أكثر «مأساوية». هذا في سياق يتسم بوجود جملة من المشاكل والمعضلات التي تطرحها الحقبة الراهنة وهي مرشّحة كي تكون أكبر وأعمق في قادم السنوات. هذا في حين تبدو الحكومات في العالم الرأسمالي المتقدّم والمجتمعات المعنية ومختلف الحركات والقوى السياسية أنها عاجزة عن تقديم الحلول المطلوبة والملحّة.

لكن هذا لا يمنع واقع أن المؤلفين، الأستاذين الجامعيين للاقتصاد، يحاولان استقراء ما يمكن وما ينبغي أن يكون عليه الاقتصاد في هذا القرن الحادي والعشرين. وهكذا يقومان بتحديد المسائل والميادين الأكثر أهمية بالنسبة للمسارات الاقتصادية والطريقة التي يمكن التعامل معها على ضوء مختلف النظريات لدى المدارس الاقتصادية السائدة.

هكذا يتعرّضان في هذا الكتاب بالتحليل والدراسة للمسائل التي يعتبرانها أكثر أهمية وإلحاحاً بالنسبة للقرن الحادي والعشرين من خلال فصول الكتاب الخمسة التي تتم فيها دراسة المسائل الأساسية في الاقتصاد من «التنمية والنمو» وحتى «نشوب الأزمات وأسباب حدوثها» ومروراً بـ «عالم العمل وتطوره» و «تعاظم التباين في الدخل» و«الصحّة والعلاج والفرد».

بالنسبة لعالم العمل ذي الأهمية الاقتصادية الجوهرية في القرن الحادي والعشرين، يتم التأكيد أن هناك تبدّلات جوهرية فيما يتعلّق بـ «طبيعة العمل» و «المسائل المعلّقة بتنظيمه». ذلك على الصعيدين الفردي والمجتمعي حيث سيكون لتكنولوجيات المعلوماتية ووسائل الاتصال والإعلام الدور الأوفر في بروز التبدلات المتوقعة.

وهذه التبدلات كلّها تمثّل بالوقت نفسه، كما يشرح المؤلفان، رهانات كبيرة في القرن الحالي فيما يتجاوز الاقتصاد ليطال ميادين مختلفة تطال القطاعات الحيوية التي تمثّلها بالدرجة الأولى المنظومات التربوية التي تعود في غالبيتها العظمى إلى سياقات اجتماعية عفا عليها الزمن وتستوجب إعادة النظر بها على ضوء المستجدات وتطوّر المعرفة.

والوصول إلى النتيجة الأساسية الجوهرية التي مفادها أن «المعطيات الجديدة التي تنتجها التكنولوجيات الحديثة ــ الرقمية ــ وآثارها الاجتماعية ستفعل كثيرا بالنسبة لطبيعة العمل ولنشاط المؤسسات والشركات على المدى الطويل وأيضا على المدى القصير». يتم التأكيد في السياق على ضرورة أن تركز الخطط السياسية الاقتصادية على جني أكبر فائدة من «المشاركة المباشرة بثمرات المعرفة وميزات اقتصادها».

ويبين المؤلفان أن العولمة السائدة وما فرضته من تواصل بين البشر جعلت من الصحّة إحدى المسائل ذات الاهتمام المشترك بين الدول الغنيّة والدول الفقيرة. ثم «إن الصحّة والاقتصاد متلازمان بشكل وثيق». وكون أن الاقتصاد يتداخل أكثر فأكثر على الصعيد العالمي فإنه يغدو من الطبيعي أن يتم نفس التداخل على صعيد الصحّة.

بالمقابل تواجه الصحّة العالمية مجموعة من التحديات. وليس أقلّها أن العديد من البلدان الفقيرة، خاصّة في إفريقيا وآسيا، التي لا تمتلك البنى الأساسية الصحيّة الضرورية.

وعلى العموم، وفي مواجهة التحديات والرهانات الكبرى التي تعترض الاقتصاد في هذا القرن، الحادي والعشرين، يصل المؤلفان إلى نتيجة أساسية مفادها أن الاقتصاديين من جيل الشباب، بما في ذلك الأفضل بينهم، لا يزالون يدفعون الاقتصاد في «السبيل السيء». ذلك بدلا من بذل الجهود من أجل «محاولة فهم العالم ومحاولة تغيير مساره». وهذا يسمح بتوقع نشوب أزمات اقتصادية كبيرة أخرى مثل تلك التي هزّت العالم منذ خريف عام 2008.

ظاهرة متعاظمة

من السمات التي يتم التأكيد عليها بالنسبة لعالم العمل ولطبيعته في هذا القرن الحادي والعشرين هو أنه يتطوّر كي يغدو ذات طبيعة «أكثر انفتاحاً» و «أقل تراتبية». هذا بالتوازي مع مجموعة من التحولات على الصعيد الاجتماعي. وفي مثل هذا السياق سيكون من المطلوب والضروري تطوير السياسات المالية للتعامل مع مختلف أشكال تعاظم ظاهرة التباين في الدخل وآثارها الاجتماعية.

المؤلفان في سطور

روبرت شيرنوماس. أخصائي بالفكر الاقتصادي عموماً وبمسائل الصحّة خصوصاً.

وإيان هودسون. أخصائي بالاقتصاد السياسي وبالتنمية المستدامة.

الكتاب: الاقتصاد في القرن الحادي والعشرين.. منظور نقدي

تأليف: روبرت شيرنوماس و ايان هودسون

الناشر: جامعة تورنتو ــ 2016.

الصفحات:

216 صفحة

القطع: المتوسط

Economics in the Twenty-First Century

Robert Chernomas and Ian Hudson

Toronto University Press

216 PP