يسود على صعيد القارة الأوروبية عموماً وعلى الصعيد الفرنسي بشكل خاص إحساس عميق أن المرحلة المقبلة قد تحمل بعض الأخطار ليس أقلها تهديداً الخطر الإرهابي، ولا تزال طرية في الأذهان الاعتداءات الأخيرة، التي عرفتها العاصمة الفرنسية باريس في شهر نوفمبر من عام 2015.

وعلى خلفية مثل هذا الترقب الحذر عرفت رفوف المكتبات عدداً من الكتب التي جعلت من الأخطار المحتملة موضوعاً لها من مختلف الجوانب، ومن بين الكتب الأخيرة الكتاب، الذي قدمه «جان بيار شوفنمان»، الشخصية الفرنسية البارزة في المشهد السياسي الفرنسي، خلال العقود الأخيرة، الذي تولى عدداً من مناصب وزارية، والذي يحمل عنوان «تحد حضاري»، وعنوانه الفرعي «الاستراتيجية الوحيدة بالنسبة لفرنسا».

ويناقش المؤلف فيه، على مدى ما يزيد على 450 صفحة ما يعتبره التحديات الكبرى التي تواجه فرنسا وأوروبا في السياق العالمي الراهن.

يتألف هذا الكتاب من أربعة أقسام رئيسة موزعة بين 22 فصلاً، يحمل القسم الأول منها عنوان «الصعقة»، وعنوان القسم الثاني هو «الفهم»، بينما يتم تكريس القسم الثالث لما يسميه المؤلف بـ«أوروبا الأوربية»، وعنوان القسم الأخير هو «مقاومة الضغوط».

في القسم الأول يذكر المؤلف أولاً بأجواء الحروب والتوترات الأهلية الكبرى، التي عرفتها فرنسا مع «كومونة باريس» في سبعينايت القرن 19 وفي أجواء الحرب الحرب العالمية الثانية، قبل الخوض بدراسة الجذور التاريخية لما يسميه «السياسة العربية لفرنسا» والتوقف عند «السياسة العربية للجنرال ديغول»، والتأكيد أن «طيف الحرب الأهلية يرتسم شبحه خلف الشروخ العملاقة التي يعرفها المجتمع الفرنسي».

هذه الشروح يعتبرها «شوفنمان» نتيجة لـ«عدم الفهم» وما ترتب عليه من «حالة العطالة» في ما يتعلق باندماج المكون المسلم في النسيج المجتمعي الفرنسي، وكذلك بفعل التحديات التي ينتجها «تحدي التنوع الثقافي».

وفي القسم الثاني يبدأ المؤلف بدراسة «تحولات الرأسمالية»، التي تزامنت مع «اكتشاف اليساريين الفرنسيين لأميركا». والشروع بنوع من «إعادة تنظيم نمط الإنتاج الرأسمالي»، والاهتمام بدراسة الآثار التي ترتبت على الثورة الرقمية وتكنولوجياتها المتقدمة ذات التأثير المباشر، الذي تجسد في «تدهور سوق العمل» وبروز «مشهد اجتماعي جديد».

ومن الأفكار الأساسية التي يناقشها «جان بيار شوفنمان» في هذا القسم شرحه أن «العولمة هي مولدة- أم- الفوضى العالمية». والخطوة الأولى في هذه الفوضى يجدها في «قفزة الصين». وثانياً وخاصة في «انتقال الفوضى من الشرق الأوسط إلى فوضى لا نهاية لها» بالتوازي مع ميل أميركي لفرض الهيمنة على العالم باسم «الغرب».

وفي القسم الثالث الخاص بـ«أوروبا الأوروبية» يعتبر المؤلف أن القارة الأوروبية خدمت بمثابة «حصان طروادة بالنسبة للعولمة»، بل يرى أن «أوروبا تحللت في العولمة»، والإشارة إلى أنه في الوقت الذي فشل فيه «المشروع الأوروبي كما تصورته فرنسا»، استطاعت ألمانيا أن «تتربع على قمة» أوروبا الموحدة.

ويكرس المؤلف أحد فصول هذا القسم لـ«أوروبا بعد خروج بريطانيا من المشروع الأوروبي الموحد» في استفتاء 23 يونيو من هذا العام 2016. ويعتبر أن ذلك الخروج هو بمثابة «الخلاص من المؤسسات الأوروبية التي أثبتت هشاشة البناء الأوروبي الموحد».

يشرح «شوفنمان» أن الشركاء الأوروبيين لبريطانيا منحوها «مكانة خاصة» للاحتفاظ بها داخل الاتحاد الأوروبي.

لكن رغم ذلك كله اقترعت غالبية البريطانيين لصالح خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي، ويشير المؤلف إلى أن أغلبية النخب الأوروبية اعتبرت أن بريطانيا قد «أطلقت بذلك رصاصة على نفسها». وهذا ما يجيب عليه المؤلف بسؤالين، يمثلان في الواقع إجابتين، هما: «وماذا لو كان العكس هو الصحيح؟ وماذا لو كانت بريطانيا قد غادرت كياناً يترنح قبل أن يتهاوى على رأسها؟».

ويرى المؤلف أن المطلوب هو اللجوء إلى «إعادة النظر في أسس البناء الأوروبي».

القسم الرابع والأخير مكرس لـ«ضرورة المقاومة»، يتم هنا التذكير بالمبادئ الأساسية للثورة الفرنسية الكبرى عام 1789، والتأكيد على أهمية تعزيز سلطة الدولة، وأسس الجمهورية الفرنسية الخامسة القائمة، التي أسسها الجنرال ديغول عام 1958.

وتحظى المدرسة باهتمام خاص من قبل شوفنمان على أساس ما تلعبه من دور جوهري في نقل الأفكار والمبادئ والقيم من جيل إلى جيل، وهي تشكل بهذا المعنى «رهاناً سياسياً» من الدرجة الأولى. وهكذا يؤكد ضرورة القيام بعملية إعادة نظر- عملية إصلاح- حقيقية بالمنظومة التعليمية كلها، خاصة في ظل المعطيات الجديدة التي نتجت عن الثورة الرقمية.

فشل وتبعية

لا يتردد «جان بيير في القول إن أوروبا الموحدة هي على حافة التلاشي والانغماس في معامع الخراب، حيث يحدد أحد الأسباب الرئيسة لذلك في «المبالغة بالتبعية للولايات المتحدة الأميركية». ويشرح أن أصحاب المشروع الأوروبي تطلعوا إلى بناء نوع من«الولايات المتحدة الأوروبية»، لكنهم فشلوا أولاً وأساساً على صعيد إشادة دفاع أوروبي مشترك، على غرار ما فعلت الولايات المتحدة الأميركية.

المؤلف في سطور

جان بيار شوفنمان، مؤلف هذا الكتاب، هو أحد أبرز الشخصيات السياسية اليسارية الفرنسية، خلال العقود الأخيرة. تولى مناصب وزارية عدة، من بينها وزارة الدفاع التي استقال منها في خضم حرب الخليج الأولى عام 1991، ووزارات الداخلية والتربية والصناعة. من مؤلفاته العديدة: «1914 ــ 2014، هل خرجت أوروبا من التاريخ؟» و«الخروج من المأزق» و «فرنسا وألمانيا، كلام حر».. إلخ.

الكتاب: «تحد حضاري..». الاستراتيجية الوحيدة بالنسبة لفرنسا

تأليف: جان بيار شوفنمان

الناشر: فايار ــ باريس ــ 2016

الصفحات:

464 صفحة

القطع: المتوسط

Un défi de civilisation

Jean Pierre Chevenement

Paris – Fayard - 2016

464 PP