منذ أن انتشرت المقولة الشهيرة التي روّج لها المفكّر الأميركي صموئيل هنتنغتون حول «صدام الحضارات» في مطلع عقد الثمانينات الماضي، ذهبت أصوات عدة من النخب الغربية الثقافية والسياسية عموماً، باتجاه التأكيد أن مثل هذا الصدام واقع «لا محالة»، وذهب البعض أكثر عندما تحدثوا عن «الحرب بين الحضارة والبربرية».
هكذا غدا مفهوم «صدام الحضارات» مستخدماً في مختلف المجالات من الجغرافيا السياسية ــ الجيوبوليتيك ــ إلى العلاقة بين المعتقدات والهويّات الوطنية. وترددت أصداء مثل هذه المقولات والمجالات في وسائل الإعلام.. وأخطر من ذلك ترسّخت «في الرؤوس».
لكن لعالم الاجتماع والفيلسوف والأستاذ الجامعي الفرنسي رافائيل ليوجييه، رأياً آخر مختلفاً تماماً، عندما يؤكّد أن «حرب الحضارات لن تقع»، كما جاء في عنوان كتابه الأخير الذي يدرس فيه «التعايش السلمي والعنف في القرن الحادي والعشرين»، حسبما جاء في عنوانه الفرعي.
ويعود المؤلف، من موقع التأريخ، إلى التذكير أنه رغم ارتباط مفهوم «صدام الحضارات» بالمفكّر الأميركي صموئيل هنتنغتون، فإن أوّل من أطلقه هو المستشرق الأميركي برنار لويس عام 1956، بمناسبة أزمة قناة السويس ثم العدوان الثلاثي البريطاني ــ الفرنسي ــ الإسرائيلي على مصر.
يشرح رافائيل ليوجييه أن العملية العسكرية ضد مصر أثارت ردود فعل دولية لم يكن أقلّها عنفاً التهديد السوفييتي ــ آنذاك ــ باستخدام السلاح النووي إذا لم يتوقف العدوان العسكري على مصر. كان السوفييت قد رأوا في موقفهم «فرصة ثمينة» لكسب جميع دول كتلة عدم الانحياز التي كانت مصر بقيادة جمال عبدالناصر أحد قواها الرئيسية.
ويشرح المؤلف أن الولايات المتحدة تخلّت عند ذلك بوضوح عن فرنسا وبريطانيا، وقالت لهما ما معناه: «عليكم أن توقفوا لعبتكم، سوف لن تتم المخاطرة بنشوب حرب نووية من أجل بعض بقايا قوّة استعمارية لم تعد موجودة، فعودوا من حيث جئتم».
كان ذلك بمثابة تأكيد لتضاؤل التفوّق العسكري الأوروبي الذي كانت قد ظهرت ملامحه خلال الحرب العالمية الأولى. ثم خسرت أوروبا تفوقها الاقتصادي بعد الحرب العالمية الثانية مع الاتفاقيات المعروفة بتسمية «بروتن وود» التي جعلت من الدولار «عملة عالمية». وكان ذلك على حساب «العملات الأوروبية» وغيرها من العملات الوطنية.
وفي مثل ذلك السياق استجدت أزمة ثم حرب السويس كي «يدرك الأوروبيون أنهم لم يعودوا ما كانوا عليه على المستوى الرمزي»، وما يعني نظرتهم إلى أنفسهم. وبهذا المعنى يأتي حديث المؤلف عن «عقدة السويس».
الفكرة الأساسية التي يؤكّدها رافائيل ليوجييه، مفادها أن العالم لن يشهد «صدام حضارات». ذلك على قاعدة فكرة أساسية هي الأخرى في تحليلاته، تتمثّل في اعتبار أن «الحضارة المعولمة واحدة» وأنها نتجت في الأساس من «تعاظم المبادلات على المستوى العالمي، الكوني. هذا إلى جانب تعميم نوع من «النمطية» في استخدام التكنولوجيات والممارسات الغذائية وحتى توحيد كبير للمناهج الجامعية. كما غدت الصور ومختلف أشكال الفن تجد في العالم كلّه ساحة انتشار لها.
وبالإجمال يشرح المؤلف أن «المجتمعات الإنسانية غدت تتواصل أكثر فأكثر فيما بينها عبر العولمة»، وفي إطار ما يطلق عليه توصيف «حوض المعلومات الكبير». هذا رغم تأكيده بالمقابل وجود عناصر داخل هذه المجتمعات تميل للعنف باسم إيديولوجيات عقائدية أو سياسية. الأمر الذي لا يلغي، كما يشرح المؤلف، واقع أن «المعتقدات الأساسية للبشر غدت أقلّ فأقلّ بمثابة عوامل للتعارض على صعيد القيم».
يشرح أن العالم اليوم يعرف نزاعات وحروباً مدمّرة بما أنتجته التكنولوجيات المتقدّمة من أسلحة فتّاكة. و«لكن ليست نزاعات وحروباً بين حضارات». والتأكيد في هذا السياق أن الإرهاب يعبّر عن أحد مظاهر «الحضارة المعولمة» ومجالاتها المفتوحة من حيث أنه «يجتاز الحدود» بنوع من الإشارة إلى وجود «سوق عالمية للرعب».
والإشارة في هذا السياق أيضاً إلى أن «فكرة الحضارة المحاصرة والمنكفئة على نفسها» قد غابت عن واقع العولمة أو نسختها القائمة اليوم. هذا مع «استثناء» كبير يحدده المؤلف في السياق الراهن بـ «أوروبا التي تبحث عن أصولها وعن هيمنتها الضائعة».
ويصل المؤلف في محصّلة تحليلاته إلى تأكيد أنه ليست هناك، أو بدقّة أكبر لم تعد هناك، حضارات مختلفة ومتمايزة ومتصارعة. بل بالأحرى هناك نوع من «الحضارة الجامعة بما تحتوي عليه بالطبع من توترات وتمايزات ونزاعات وأشكال عنف راديكالية من نمط جديد».
ويؤكّد المؤلف بأشكال مختلفة في تحليلاته أن تنامي ظاهرة العنف في السياق العالمي الحالي، هي «تعبير عن عالمية الإرهاب، فالأديان لا تتصادم فيما بينها»، ولكن الصدام هو بين «تيارات مختلفة تجتازها جميعها، وهذه التيارات هي التي تتجابه فيما بينها». بهذا المعنى يشكل هذا الكتاب قراءة مغايرة تماماً وكليّة للقراءة القائلة إن هناك «تصادماً» بين الشرق والغرب أو بين الإسلام والمسيحية.
وبناء على ذلك كلّه يؤكّد المؤلف أهمية، وضرورة، عدم بقاء الأفكار أسيرة «أحكام مسبقة» قائمة على إرث الماضي التاريخي، بل «إعادة ربط العلاقات مع الوقائع» القائمة اليوم. ويشرح أن الحلّ في مواجهة الخطاب المتزمت، مهما كان مصدره، وما ينتجه من عنف أحياناً، يكمن في إيجاد نوع من «منظومة الحكم العالمية» ذات المرتكزات المتعددة، والتي تؤمّن حماية المصالح المحليّة.
المثال لمثل هذه «المنظومة العالمية» يجده المؤلف في سويسرا التي تقوم على التنوّع وتحمي في الوقت نفسه مختلف الانتماءات والخصوصيات. هذا مع التأكيد أن المقصود ليس إقامة «سويسرا عالمية»، بل إيجاد صيغة جامعة من نفس النمط.
وما يؤكّده المؤلف في تحليلاته هو أن «أوروبا تعاني منذ 60 سنة من عقدة قناة السويس»، أي من الهزيمة التي انتهت لها الحملة على مصر بعد قرار الرئيس جمال عبدالناصر تأميم القناة وإعادتها للسيادة المصرية. بل ويرى المؤلف أن «عقدة السويس» هي في صميم مسيرة التقهقر التي عرفتها فرنسا والقارّة الأوروبية عموماً، بالتوازي مع الصعود الأميركي.
المؤلف في سطور
رافائيل ليوجييه، باحث اجتماعي وفيلسوف فرنسي. يعمل أستاذاً في «معهد الدراسات السياسية» في جامعة إيكس أون بروفانس بجنوب فرنسا. سبق له أن قدّم عدداً من المؤلفات من بينها: «عقدة حرب السويس» و«أسطورة الأسلمة.. دراسة حول وسواس جماعي».
الكتاب: حرب الحضارات لن تقع.. التعايش السلمي والعنف في القرن الحادي والعشرين
تأليف: رافائيل ليوجييه
الناشر: المركز الوطني للبحث العلمي ــ باريس ــ 2016
الصفحات:
238 صفحة
القطع: المتوسط
La guerre de civilisations n’aura pas lieu
Raphael Liogier
C N R S
Paris - 2016
238 PP

