من المقولات السائدة لدى الفرنسيين «الأصليين»، كما يقال لتمييز أصولهم عن الآخرين الذين اكتسبوا الجنسية الفرنسية، أنهم ينتمون إلى أجدادهم «الغولوا» الذين كانوا يقطنون البلاد منذ القدم.

وباسم هذا الانتماء يتم الحديث عن «الهوية الوطنية النقيّة» التي يرفع اليمين المتطرّف الفرنسي شعار ضرورة التأكيد على الانتماء لها. مع ما يترتب على هذا من «تساؤلات» بالنسبة للمهاجرين، وخاصّة بالنسبة للأجيال التالية من أبنائهم الذين وُلدوا وترعرعوا في فرنسا ونهلوا من ثقافتها وقيمها باعتبارهم يحملون جنسيتها.

ومن بين أبناء الجيل الجديد من الفرنسيين ذوي الأصول الأجنبية «مجيد شرفي»، الذي حظي بشهرة كبيرة في فرنسا خلال عقد التسعينات الماضي حيث كان أحد المؤسسين الأساسيين للفرقة الفنّية «زبدا» التي عرفت نجاحاً كبيراً على المستوى الوطني الفرنسي.

و«مجيد شرفي»، الذي وُلد في مدينة تولوز الفرنسية عام 1962 وترعرع فيها بكنف أسرة مهاجرة من سبعة أطفال، يقدّم كتاباً صدر قبل أسابيع وعرف اهتماماً إعلامياً كبيراً. يحمل الكتاب عنوان «نصيبي من إرث الغولوا»، وهو يناقش فيه المسائل المتعلّقة بمدى اندماج أجيال الشباب من أبناء الهجرة في النسيج المجتمعي الفرنسي.

إن المؤلف يعود إلى السنة الدراسية التي نال فيها شهادة الدراسة الثانوية ــ البكالوريا ــ عام 1981 حيث تمّ انتخاب فرانسوا ميتران رئيساً للجمهورية الفرنسية. ويشير أن ميتران كان بالنسبة لأسرته «وزير الحرب في الجزائر» بينما كان بالنسبة لأجيال الشباب من أصول مهاجرة «أملاً في التغيير». لكن الواقع أثبت أن ذلك التغيير «لم يكن على موعد».

ويشير إلى أنه كان أوّل من حصل على تلك الشهادة في «الحي» الذي تقطنه أغلبية من أبناء الهجرة. ذلك في الوقت الذي كان «الحصول على الشهادة الثانوية حدَثاً عابراً بالنسبة لـلبيض ــ يقصد الفرنسيين ــ بينما كان إنجازاً ومفخرة وهزّة أرضية» بالنسبة لأبناء المهاجرين.

ويؤكّد «شرفي» أنه منذ فترة شبابه طرح على نفسه سلسلة من الأسئلة التي لم تجد بعدها أيّة إجابات قاطعة. أسئلة من نوع محاولة معرفة عمّا إذا كان «عربياً أم من البور؟» ــ و «البور» هي التسمية التي يطلقونها في فرنسا، عبر اللعب باللفظ، على الفرنسيين ذوي الأصول العربية، أو هو «مسلم ــ فرنسي؟» أو «قبائلي ـ نسبة إلى منطقة أصول أسرته في الجزائر أم تولوزي نسبة إلى مدينة تولوز؟».

بكل الحالات هذه الأسئلة خلقت في أعماقه حالة «فصام نفسي كامل ــ شيزوفرينيا ــ على مستوى الهوية والانتماء»، كما يكتب. وهذا الكتاب هو في صميمه بحث في مسائل الهوية بالنسبة للأجيال الجديدة من الشباب الفرنسيين، وتحديداً، ذوي الأصول المسلمة.

ولا يتردد مجيد شرفي في التأكيد على أهميّة وضرورة الاستفادة من المنجزات والقيم الإنسانية التي أكّد عليها المجتمع الفرنسي في مسيرته التاريخية كلّها. ويتحدّث في هذا الإطار عن «فرنسا الأبدية». هذا قبل أن يقرع ناقوس الخطر بأن السمات الفريدة التي تتميّز بها فرنسا تحت عنوان «الاستثناء الفرنسي» في العالم تواجه خطر التلاشي.

يكتب في مطلع هذا العمل: «الاستثناء الفرنسي هو أن يكون المرء فرنسيا وواجب أن يصبح كذلك». لكنه يشرح بعد ذلك مدى خيبة الأمل التي يمكن أن يولّدها الواقع الذي آلت إليه الأمور. نقرأ: «عندما يدرك الإنسان أشكال التمييز العنصري في جميع الميادين والأشكال يغدو فرنسياً أقلّ فأقلّ».

والإشارة أنه يتم النظر إلى كل ما يدلّ على من هو من أصول غير فرنسية «صافية»، بأنه «عربي» أو «أسود»، وبكل الحالات أنه «مهاجر» وأنه «أتى من مكان آخر». هذا في الوقت الذي يتم فيه النظر إلى أميركي أسود في شوارع أميركا أنه «أسود» ولكنه «أميركي».

ويضيف المؤلف في موقع آخر أنه يتردد على مسمعه دائماً «عليكم الاندماج في المجتمع». هذا في الوقت الذي يكون المعنيون بمثل هذا الطلب، على غرار المؤلف، هم «من مواليد فرنسا ويمضون كل وقتهم في محاولة إثبات أنهم مندمجون في المجتمع الذي يعيشون فيه».

ويحتوي هذا الكتاب وجهاً أساسياً، بالإضافة إلى المنعطفات الهامّة من سيرة حياة مؤلفه عندما كان شابا في مقتبل العمر بمدينة تولوز، هو أنه يريد بالدرجة الأولى، كما يشير، أن يساهم بكتابة بعض السطور في «تاريخ فرنسا» من زاوية النصيب الذي قدّمه «المسلمون الفرنسيون» في ذلك التاريخ.

بين انتماءين

أسئلة يطرحها المؤلف في الواقع حول مسائل الهويّة لدى أبناء الهجرة، وخاصّة منهم من تعود أصولهم إلى بلدان شمال أفريقيا المسلمة التي خضعت لعقود للاستعمار الفرنسي، أي الجزائر وتونس والمغرب. ويحدد مجيد شرفي القول إنه وجد نفسه منذ سنوات وعيه «مشدوداً» بين تعلّقه بالمجتمع الفرنسي وقيمه وبين أصوله الجزائرية ومجتمع الأجداد وقيمه.

المؤلف في سطور

مجيد شرفي. ممثل مسرحي وموسيقي وكاتب، وأحد مؤسسي فرقة «زبدا» الفنية التي نالت شهرة كبيرة في سنوات التسعينيات من القرن الماضي، العشرين. من مواليد مدينة تولوز لأسرة جزائرية مهاجرة عام 1962. سبق له أن قدّم كتابا لدار نشر «أكت سود» تحت عنوان «دفتر العائلة».

الكتاب: نصيبي من إرث «الغولوا»

تأليف: مجيد شرفي

الناشر: اكت سود ــ باريس ــ 2016

الصفحات:

272 صفحة

القطع: المتوسط