لا شكّ أن الاقتصاد كان منذ الأزمنة القديمة بمثابة أحد المكوّنات الجوهرية في عالم السياسة. وليس في السياسة فقط ولكن في مختلف ميادين الثقافة والحياة الاجتماعية وعلاقات الدول ومشاريعها وتطلعاتها. وكان الاقتصاد وراء قيام الكثير من النزاعات والحروب. بكل الحالات عرفت رفوف الكتب سلسلة طويلة من الكتب حول التداخل بين الاقتصاد وغيره من الميادين، وفي مقدمتها السياسة.

وكثمرة لتجربة سياسية طويلة والمشاركة في إعداد العديد من الملفات ذات الحساسية الاقتصادية العالية، التي ليس أقلّها حساسية «التقرير حول البطالة في عام 1996» الذي كان أحد المساهمين الرئيسيين في إعداده، يقدّم هنري غوينو، النائب في البرلمان الفرنسي، والمسؤول السابق عن إعداد الخطط الاقتصادية في ظل الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، كتاباً تحت عنوان «ينبغي الانتهاء من اقتصاد التضحية».

الواجهة السياسية التي يقوم المؤلف بتقديم تحليلاته الاقتصادية خلفها هي «الديغولية»، أي نهج الجنرال شارل ديغول. والإشارة بأن البعض اعتبر ذلك النهج بمثابة «فكرة ما عن فرنسا». ومؤلف هذا الكتاب يحاول أن يبرهن، من موقعه كـ«مؤيّد للنهج الديغولي»، أن الديغولية هي أيضاً «فكرة ما عن الاقتصاد».

ومن المواقف التي يصرّح بها هنري غوينو أنه «يسبح في تحليلاته ضد التيار»، ذلك تماما كما كان يفعل الجنرال ديغول. وبهذا المعنى يريد ــ غوينو ــ أن يجعل من عنوان كتابه نفسه نوعاً من البرنامج السياسي ــ الاقتصادي بما يشبه تجسيداً لـ«الديغولية الاقتصادية»..

وهو يستهدف بالدرجة الأولى «مجمل النخب السياسية والاقتصادية والثقافية» التي تخرّجت بقسم كبير منها من المدرسة الوطنية للإدارة ــ اينا. ويجمع المؤلف هذه النخب تحت عنوان «النخب الفرنسية». ولا يتردد في توجيه الاتهام لها بأنها «تخون المصلحة الوطنية وتقود البلاد إلى الكارثة».

ويقوم هنري غوينو بتشبيه النخب الفرنسية الحالية، التي يرى أنه دفعت البلاد إلى حافّة الهوية وإلى أحضان أزمة يبدو أنها تلوح في الأفق، بأولئك الجنرالات الفرنسيين الذين استسلموا بطريقة «مذلّة» للجيوش النازية عندما اجتاحت ألمانيا فرنسا في الحرب العالمية الثانية.

إن مؤلف هذا الكتاب يطالب بوضوح بضرورة أن تقوم السياسة بضبط آليات عمل الاقتصاد. ذلك عبر «البنوك المركزية المستقلّة وسلطات ضبط اقتصادي مستقلّة ومحاكم مستقلّة وتطبيق قواعد تحد بوضوح من ممارسة أيّة سياسة تقوم على التمييز في قطاعات الصناعة والنقد والموازنة».

ذلك كلّه على خلفية قاعدة أساسية مفادها أن الاقتصاد هو بمثابة المحرّك الأساسي للسياسة. وتحديد القول بالوقت نفسه أن ما نشهده اليوم هو «وجود علاقة غريبة بين الاقتصاد وعجز السياسة». وفي مثل هذا الإطار يتم التأكيد أن المطلوب هو فهم العالم «كما هو» من أجل محاولة تكوين «مفاهيم أخلاقية» تسمح للمنظومات القائمة في العالم الغربي «الديمقراطي» أن تعزز من فاعليتها.

يشرح غوينو أنه تسود في بلاده، فرنسا، اليوم حالة «الحلقة الفارغة الاقتصادية والاجتماعية» يستوجب «كسرها». ذلك أنها تدفع قسماً من الفرنسيين إلى التمرّد بينما تدفع قسماً آخر إلى اليأس.

ويرى أن «كسر مثل تلك الحلقة الفارغة» يستدعي بالضرورة تبني «استراتيجية فاعلة» يحدد محرّكها الأساسي في «تخفيف حدّة وطأة الجمود الذي يمثّله التقشّف بما يولّده من فقدان للثقة بالمستقبل ويكبح روح المبادرة والجسارة».

بالمقابل يؤكّد هنري غوينو على أهميّة تنشيط الاستثمار ودعم القوّة الشرائية للمواطنين وليس ضغطها والتقليل منها. وفي جميع الحالات ضرورة القيام بجملة من التحولات الجذرية انطلاقاً من مجموعة من المبادئ البسيطة. أما الهدف المباشر فهو الحد من «سياسة التضحية» بكل إمكانيات النهوض والازدهار.

والتأكيد بهذا الصدد أن التغيير لا يعني أبداً «تبنّي معايير ثقافية ومجتمعية أخرى أثبتت فاعليتها في بلدان مثل ألمانيا غيرها». ولكن بالأحرى البحث عن «فهم أفضل للبواعث والدوافع لمنظومات القيم التي ينتمي لها الأفراد المعنيون، والتي تكمن فيها بواعثهم». والإشارة في هذا السياق أن تغيير منظومات القيم لا يتم سوى على «أجل طويل».

في مواجهة ما هو قائم من كوابح يؤكّد المؤلف، بناء على تجربته الطويلة التي عاشها في معترك السياسة والاقتصاد، أن الخروج من «المأزق» يتطلّب من السياسة وصانعيها اللجوء إلى «تشجيع روح المبادرة والأمل والثقة بالمستقبل لدى المعنيين وليس تغليب نهج التضحية والمعاناة».

وعلى ضوء ذلك يخوض المؤلف في العديد من الإصلاحات والسياسات المتّبعة بمجالات تتعلّق بالأسواق المالية وبمرونة ساعات العمل والنفقات العامّة وسياسة السكن والمنافسة.. الخ. وما يعطي لهذا العمل مظهراً «تقنياً جامعاً» لكل ما يتعلّق بمسائل الاقتصاد وعلاقتها بالسياسة والمجتمع.

ويقدّم المؤلف في هذا الكتاب مجموعة من الأفكار حول ما يسميه «سياسة العجز» على اعتبار أنها نتاج لـ«اقتصاد التضحية». والفكرة الأساسية التي يحاول هنري غوينو البرهنة عليها تكمن في وجود «علاقة غريبة بين الاقتصاد والعجز السياسي». وهو يعتمد بشكل رئيسي على تجربته الطويلة في مجال ممارسة السلطة. وتأكيده بشكل أساسي على أن «المسألة الاقتصادية هي المسألة السياسية الكبرى في عصرنا».

المؤلف في سطور

هنري غوينو هو نائب في البرلمان الفرنسي. عمل مستشارا خاصا للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي. كان من المعارضين المعروفين لاتفاقية مستريشت الأوروبية. كما كان من المقرّبين من الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك.

الكتاب: الانتهاء من اقتصاد التضحية.

تأليف: هنري غوينو.

الناشر: أوديل جاكوب ــ باريس ــ 2016

الصفحات:

672 صفحة

القطع: المتوسط

En finir avec l’économie du sacrifice

Henri Guaino

Odile Jacob

Paris - 2016

672 PP