للولايات المتحدة الأميركية تاريخها الخاص منذ وصول أفواج المهاجرين من القارّة الأوروبية أساساً وبنائهم للعديد من المستعمرات التي قررت 11 منها أن تؤسس ما غدا يمثّل فيما بعد الأمّة الأميركية ودولتها التي أصبحت الأكثر قوّة اقتصادياً وعسكرياً في العالم، ولا تزال القوّة الأولى في الفترة الراهنة.
ويتفق الجميع على القول إن مسألة «الأصول» العرقية تكتسي أهمية خاصّة في الولايات المتحدة الأميركية منذ تأسيسها. هذا مع إدراك وجود الكثير من مخاطر الانحراف المرافقة للمرجعيات التي تقوم على «المكوّن البيولوجي، العرقي، للهوية» بسبب ما يمكن أن يعنيه من «عنصرية» في السياق الأميركي تحديداً... بحكم المسار التاريخي.
وإذا كان الأميركيون «البيض» هم الذين يسودون ومنهم كان جميع الرؤساء الأميركيين قبل وصول الرئيس الحالي باراك اوباما، الأميركي ذي الأصول الإفريقية إلى سدّة الرئاسة قبل حوالي ثماني سنوات، فإن الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية، وما يعني بالتحديد «السود»، ينحدرون من أصول العبيد الذين كان قد جرى استقدامهم إلى أميركا للعمل في المزارع التي كانت تعود ملكيتها للبيض ذوي الأصول الأوروبية عموماً.
و«الوندرا نلسون»، الباحثة الاجتماعية المعروفة بأبحاثها عن العلاقات بين العلوم والمجتمعات وأستاذة علم الاجتماع والدراسات التي تعنى بالجينات الوراثية ــ المورثات ــ في جامعة كولومبيا الأميركية، تكرّس كتابها الأخير الذي يحمل عنوان «الحياة الاجتماعية للحمض النووي D N A» لدراسة الطريقة التي انتهجها الأميركيون ذوو الأصول الإفريقية للتفكير بهويتهم وبالأصول التي ينحدرون منها قبل «استقدام» أجدادهم إلى أميركا.
وتقدّم المؤلفة دراستها انطلاقاً من بحث الأميركيين ذوي البشرة الداكنة عن «أصولهم» العرقية بالاعتماد على «اختبارات المورثات» التي غدت رائجة «تجارياً» خلال السنوات الأخيرة. وهي تعود بداية إلى كتاب «اليكس هالاي» الذي حمل عنوان «الجذور» وعرف انتشاراً واسعاً في سبعينات القرن الماضي. وقد أكّد «هالاي» فيه أنه استطاع «عبر اللجوء إلى أدوات علم النسب والأراشيف» التعرّف على أصوله الإفريقية.
تكرّس المؤلفة بداية العديد من صفحات هذا الكتاب لشرح الكيفية التي تعتمدها مؤسسات صناعة «اختبارات المورثات». وتحدد طريقتين أساسيتين. تكمن الأولى في قيام المؤسسات المعنيّة بإنشاء نوع من «بنوك الجينات الوراثية» في هذا البلد الإفريقي أو ذاك، ثم تبحث عن تناظر تلك الجينات مع «العينات» الحالية للباحثين عن أصولهم من الأميركيين ــ الأفارقة.
وهناك طريقة أخرى للبحث في نفس الميدان حيث يقوم الباحثون المعنيون بتصنيفات «الجينات» تبعا لفئات عريضة مثل «الأوروبيين» و«الأفارقة السود» و«الأميركيين اللاتينيين». والبحث بعد ذلك عن وجود نفس «الزمر من الجينات» لدى من يرغبون ذلك اليوم بحيث «قد يمكن احتمالاً» تحديد المجموعات التي تعود أصولهم العرقية لها.
تشير المؤلفة أنه من العسير اعتماد مثل تلك الطرق كـ«مرجعيات علمية» نهائية بسبب استحالة التحقق من النتائج على أساس معايير ثابتة، كما تتطلّب الطرق العلمية المطبّقة. ويزيد من التشوش واقع أن المؤسسات التي تقوم بعملية الأبحاث الخاصّة بـ«المورّثات» تحرص على أن حماية المعطيات المتوفرة لديها عندما يراد استثمارها تجارياً.
وتفتح المؤلفة في هذا السياق قوسين كي تشير أنه من الصعب «فكرياً» اختزال الهوية إلى عامل واحد مهما كان أساسيا مثل «الجينات الوراثية». هذا مع إشارتها بالتوازي مع ذلك إلى ارتباطها «شخصياً» الوثيق مع القارّة الإفريقية من خلال الثقافة والموسيقى والعادات ومختلف أنماط التعامل والروابط العائلية والكثير من الأشياء الأخرى. لكنها قامت مع ذلك بإجراء «اختبار المورثات» كي تعطي لأطروحاتها حول الموضوع أكبر قدر ممكن من المصداقية.
كما تشرح «الوندرا نلسون» أن بحث الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية عن «هوية محددة» ينتمون لها تاريخيا أثار موجة من النقد لدى العديد من الباحثين الأميركيين في مجال علم الاجتماع على خلفيّة ما يتضمّن عليه ذلك من «مرجعية عرقية وعنصرية».
الردّ على مثل تلك الانتقادات تقدّمه المؤلفة، كما جاء على لسان المعنيين أنفسهم، وجاء فيه ما مفاده: «نعرف أنه هناك بعض المخاطرة بإثارة بعض العنصرية العلمية عبر تبنّي طرق تعتمد على المورثات. لكن هذا لا يمنع واقع أن ذلك يقدّم لنا بعض المعلومات التي لا يمكن لنا أن نحصل عليها بطريقة أخرى. هكذا نختار ولوج مثل هذا السبيل».
تشير المؤلفة بهذا الصدد أن توصيف «أميركي ــ إفريقي» يحتوي على قدر كبير من التعميم. ذلك أن الهوية نفسها تبقى غائمة عندما يكون الانتساب إلى قارة شاسعة تضمّ أكثر من 40 بلدا لها مساراتها التاريخية والاجتماعية والثقافية المتنوّعة والمتباينة إلى هذه الدرجة أو تلك.
هذا خاصّة أن المسار التاريخي السابق للأجداد الأوائل للأميركيين ذوي الأصول الإفريقية «مقطوع» عن امتداداته السابقة. والوثائق الخاصّة بذلك إمّا جرى اتلافها... أو أنها لم تكن موجودة في الأصل.
تحدد المؤلفة القول إن انتشار صناعة «الاختبارات الخاصّة بالمورثات ذات الدلالة على النسب»، في السنوات الأولى من هذا القرن الحادي والعشرين، أثارت الكثير من اهتمام الأميركيين الأفارقة الذين يستهويهم البحث عن حقيقة الأصول التي ينحدرون منها.. وذلك بقدر أكبر من الدقّة والتحديد من مجرّد التوصيف العام الشائع، تحت خانة «الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية».
المؤلفة في سطور
الوندرا نلسون. باحثة اجتماعية أميركية. تعمل أستاذة لعلم الاجتماع في جامعة كولومبيا. تولي اهتمامها لدراسة العلاقة بين العلوم والمجتمع. تساهم بالكتابة في العديد من الصحف والدوريات على رأسها «نيويورك تايمز».
من مؤلفاتها «الجسد والروح: حزب الفهود السود والتمييز العنصري في مجال التداوي».
الكتاب: الحياة الاجتماعية للحمض النووي D N A: العرق والجينات الوراثية
تأليف: الوندرا نلسون
الناشر: بيكون برس ــ 2016
الصفحات:
216 صفحة
القطع: المتوسط

