من المعروف أن كندا، إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية، هي أحد بلدان الهجرة بامتياز. ولا تزال هي إحدى الوجهات القليلة الممكنة في العالم التي تقبل حتى الآن موجات كبيرة من المهاجرين. بهذا المعنى يصحّ القول إن السمة الأساسية للأمة الكندية أنها «أمّة من المهاجرين». وأن التاريخ الكندي هو بدوره تاريخ الهجرة والمهاجرين إلى هذه البلاد الشاسعة.

ولا شك أن مواضيع الهجرة والمهاجرين والاندماج الاجتماعي تمثّل مادة ثريّة للبحث والدراسة. وفي هذا الإطار صدر مؤخرا عن جامعة تورنتو الكندية كتاب «أخوات أو أجنبيات» الذي يتم طبعه للمرة الثانية بعد إعادة نظر جذرية في مضمونه من قبل المساهمين فيه، وإضافة العديد من الفصول الجديدة.

وهو كتاب جماعي بإشراف «مارلين إب»، المختصّة بتاريخ الهجرة والمكوّن الإتني في التاريخ الكندي وصاحبة سلسلة طويلة من الدراسات بمواضيع اهتمامها في كندا والولايات المتحدة الأميركية. ويناقش المساهمون فيه، وأغلبهم من النساء، واقع المرأة في التاريخ الكندي من خلال كونها «مهاجرة ولها انتماء إتني وكموضوع للعنصرية» في هذا التاريخ، كما يشير العنوان الفرعي للكتاب.

تجدر الإشارة أن شهر أكتوبر من كل عام هو «شهر المرأة» الذي يتمّ فيه تكريم النساء والفتيات على أساس الدور «الريادي الذي لعبته المرأة في التاريخ الكندي»، و«مساهمتها في صياغة ما هي عليه كندا اليوم». ويستعاد في هذه المناسبة تكريم العديد من النساء اللواتي ساهمن بصياغة التاريخ الكندي. لكن ماذا يقول الباحثون عن دور المرأة عموما في كندا بعيدا عمّا فعلته بعض النساء الشهيرات؟.

تتوزع مساهمات هذا الكتاب بين ستة أقسام رئيسية. يحمل القسم الأوّل منها عنوان «بناء أمّة وخطاب العرق»، ويخص الثاني المسائل المتعلّقة بـ «الجنس والعرق والعدالة» بينما تناقش مساهمات القسم الثالث «النساء المهاجرات العاملات وسياسات الدولة» والرابع «النساء المهاجرات والروابط العائلية». القسم الخامس من مساهمات هذا الكتاب يبحث في «الرموز والتمثيل النسائي» في وسائل الإعلام والحياة العامّة الكندية. ويحمل القسم الختامي، السادس، عنوان «التاريخ والذاكرة».

ويتم التأكيد منذ البداية على أن «العنصر النسائي الأوروبي ــ الأبيض ــ بين المهاجرين» أثار الكثير من الاهتمام بالنسبة لتوجهات المجتمع الكندي الحديث نظرا لأهميّة مسألة «العرق» لدى المستوطنين الأوروبيين الأوائل. لقد كانت «ماري هودج» إحدى اللواتي تمّ استقدامهن في إطار برنامج إمبراطوري بريطاني بصفة عاملات.

ولكن بهدف «تحسين النسل» في الشاطئ الغربي من أميركا الشمالية. وهي مجرّد مثال بين سلسلة طويلة من الأمثلة التي يتم ذكرها في هذا السياق.

ومما تتم الإشارة له في إحدى مساهمات الكتاب أن «العاملات المنزليات في منطقة»اونتاريو«الكندية خلال القرن التاسع عشر كنّ بغالبيتهن العظمى من أصول أيرلندية».وتتعرّض إحدى الباحثات،«ميدج ايوكاوا»، ذات الأصل الياباني، إلى دور «النساء اليابانيات الرائدات في النضال ضد العنصرية ومن أجل تربية وتعليم الأجيال القادمة» في كندا، كما جاء في عنوان المساهمة التي تقدمها.

وتركز دراسة أخرى على شرح ما يعني أن تكون «المهاجرة إلى كندا امرأة إفريقية ذات بشرة سوداء».

وبعد أن تتم الإشارة أن المعنيات يتواجدن بشكل خاص في مدينتي تورنتو ومونريال، يتم التأكيد أن النساء الإفريقيات في كندا ينتمين بشكل خاص إلى الموجات الجديدة من المهاجرين التي توافدت على كندا منذ سنوات السبعينات المنصرمة. وبالتالي لا تزال مساهمتهن الملموسة في التاريخ الكندي «متواضعة». ولكن أصبح الحضورالإفريقي كبيرا مما سيعطيه بالضرورة وزناً «مجتمعياً» أكبر في المستقبل غير البعيد.

يتم التأكيد في عدد من مساهمات هذا الكتاب على أن مسألة «العرق» اكتست أهمية كبيرة في المجتمع الكندي ما بعد الاستعماري. وتشكّلت في المجتمع الكندي «مجموعات ذات طابع إتني». تلك المجموعات جرى توصيفها غالبا على أنها «إجابة طبيعية» على محاولة نقل صورة ما هي عليه المجتمعات الغربية.

لكن المساهمين في هذا الكتاب يركّزون على ضرورة وضعها في سياق «الصراعات الإمبريالية والوطنية» حول «البنية العرقية لمجتمعات المستوطنين البيض» في بلاد المهجر. وفي مثل ذلك الإطار برزت أهمية الانتماء الإتني، العرقي، للنساء المهاجرات.

وكتاب تغطي مساهماته قرنين من التاريخ الكندي منذ القرن الثامن عشر حتى بدايات هذا القرن الحادي والعشرين. ومن خلال التركيز على دور المرأة في صياغة تاريخ هذه البلاد،كندا، يتم التعرّض لمسائل الهجرة بشكل عام.

المشرفة في سطور

مارلين إب، مختصّة بتاريخ الهجرة والمكوّن الإتني في التاريخ الكندي.أستاذة للتاريخ في جامعة واترلو، وصاحبة سلسلة طويلة من الدراسات بمواضيع اهتمامها في كندا والولايات المتحدة الأميركية. من مؤلفاتها «: تواريخ عاديّة وثقافية وسياسية: بحث في التاريخ الغذائي الكندي.

مكانة «غائمة»

المساهمون في هذا الكتاب يركّزون خاصّة على دراسة مكانة المرأة في التاريخ الكندي على ضوء التطوّر التاريخي الذي عرفه المسار المجتمعي الكندي منذ فترة»تأسيس الأمة الكندية الحديثة«التي قامت أساساً على العنصر الأوروبي في سياق المشروع الإمبراطوري البريطاني. والاستفهام المطروح في عنوان الكتاب» أخوات أم أجنبيات؟«يشير بوضوح إلى المكانة»الغائمة« التي تحتلها المرأة في التاريخ الكندي كلّه.

الكتاب: أخوات أم أجنبيات..النساء في التاريخ الكندي

تأليف: مارلين إب وآخرون

الناشر: جامعة تورنتوــ 2016

الصفحات:

624 صفحة

القطع: المتوسط

Sisters or strangers

Marlene Epp and…

Toronto University Press- 2016

624 PP