الأطفال هم الذين يدفع أحد أكبر الأثمان نتيجة الحروب والعنف في مختلف أشكاله. هذا ما تدل عليه وقائع كثيرة لما يجنيه الأطفال من ممارسات العنف أثناء حدوثها وما بعدها وحتى في فترات السلام اللاحقة. وليس أقل النتائج السلبية حالة التشوش التي تصيب مسارات تعليمهم وإيقاع حضورهم للمدارس، هذا إذا لم يتم حرمانهم تماما من التعلّم لفترات تطول أو تقصر.

وهناك العديد من مناطق العالم التي عرفت حروباً ونزاعات في الفترات القريبة السابقة وليس أقلّها معاناة من العنف منطقة جنوب آسيا. و«الأطفال والعنف» هو موضوع وعنوان كتاب «بينا كوستا»، الأخصائية بآثار النزاعات في العالم على الأطفال، وهي تكرّس هذا العمل لدراسة «سياسات النزاع في جنوب آسيا» من زاوية نتائجها على الأطفال.

تتوزع مواد هذا الكتاب بين أربعة أقسام رئيسية يحمل الأول منها عنوان «مظاهر الطفولة في جنوب آسيا» حيث تتم دراسة هذه المظاهر من زاوية دور الأطفال كـ «مساهمين وعناصر سياسية» في المجتمع المدني للبلدان المعنية. ومن حيث واقع عمل الأطفال في سن مبكّرة كما تشرح المساهمة ــ الفصل ــ التي تشرح العلاقة بين «الأطفال والهشاشة والعنف المنهجي». وتحظى العلاقة بين «الأطفال والمخيلة الإتنية في افغانستان» بإحدى مساهمات هذا القسم.

مساهمات القسم الثاني تدرس «العنف في زمن الحروب وزمن السلام». ذلك من خلال دراسة حالات محددة أثناء «الحرب الأهلية في سيريلانكا» وفي «بنغلاديش» و«الهند» و«باكستان». والقسم الثالث يحمل عنوان «الحقوق والحاجات والحماية» حيث يتم التعرّض لما توفّره المواثيق الدولية والقوانين المحلّية من حماية للأطفال. ويذهب القسم الرابع أكثر في هذا الاتجاه حيث يتضمّن «تأمّلات حول حقوق الإنسان في المنطقة»، خاصّة في زمن الحروب والنزاعات.

بشكل عام تركز مجمل المساهمات على أن العنف حيال الأطفال في منطقة جنوب آسيا تتوازى عامّة مع العنف السياسي وتداخلاته مع الواقع الاجتماعي. وذلك على خلفية قاعدة أساسية مفادها أن «الطفولة تعرف مختلف أشكال المفاهيم التي تحدد بنيتها وأنماط الجدل حولها تبعاً للثقافة السائدة التي تحيط بها وبالتالي لما تفرزه الأزمات التاريخية والاجتماعية في المنطقة.

كما أنها نتاج لبعض العلاقات مع السلطات السياسية القائمة».ويركز المساهمون في تحليلاتهم على دراسة النتائج التي عانى منها الأطفال في جنوب آسيا من النزاعات التي قامت فيها على خلفية الخلافات السياسية والاجتماعية التي تمّ التعبير عنها في الكثير من الأحيان بمواجهات ذات طابع طائفي أو إتني في البلدان التي نالت استقلالها حديثا بعد رحيل القوة الاستعمارية الأساسية المتمثّلة بالإمبراطورية البريطانية في شبه القارّة الهندية.

ويتم على مدى العديد من الصفحات شرح أن الأطفال في البلدان المعنيّة يبقون هم «الأهداف السهلة لمختلف التأثيرات النفسية والاقتصادية والاجتماعية» التي تترتب على النزاعات، ذلك باعتبارهم «الأكثر هشاشة» و«الأكثر قابلية للمعاناة من الهزّات النفسية وتوضّيح ذلك عبر دراسة مجموعة من الحالات المحددة من مختلف بلدان جنوب آىسيا.

ومما تتم الإشارة له بأشكال مختلفة أن بلدان منطقة جنوب آسيا تتميّز بقدر كبير من»التجانس«فيما بينها من جهة وبقدر كبير أيضا من»التنوّع«الإتني والعقائدي في بناها الداخلية كأحد تركات إرثها التاريخي ومخلّفات الحقبة الاستعمارية.

وفيما يبدو بمثابة انعكاس مباشر لهذه الحالة من»التجانس«من جهة و»التنوّع«من جهة أخرى تم الإشارة أن هناك تبايناً كبيراً من حيث مقاربة مشاكل العنف التي يواجهها الأطفال بين» وجهات النظر العالمية ووجهات النظر المحليّة لمسائل الطفولة عموما«. بل ويستخدم العديد من المساهمين توصيف»التوتر«بين المقاربتين العالمية والمحليّة.

وتحديد القول أن أحد أكبر المخاطر المباشرة التي يعاني منها الأطفال حيال العنف الذي يستهدفهم يكمن في دفعهم للانخراط في النزاعات المسلحة كما تفعل العديد من»الميليشيات«.

والتأكيد حيال مثل هذا الواقع أن»الأطفال هم الذين ينبغي أن تركز المواثيق الدولية على حمايتهم في زمن النزاعات مثلما في فترات السلام«. والإشارة في هذا الصدد إلى العديد من مشاريع منظمة الأمم المتحدة التي تذهب في اتجاه تعزيز مثل هذه الحماية.

ويتم الخروج من دراسة مختلف الحالات المتعلّقة بالعنف حيال الأطفال في زمن الحرب والسلم في جنوب آسيا بالتأكيد أن دور الأطفال في المجتمع كما في المجموعات السياسية للكيانات التي ينتمون لها إتنياً وعقائدياً ولغوياً ووطنياً هو دور في»غاية التعقيد«.

والتأكيد في هذا الإطار أن البحث في مسائل العنف ضد الأطفال يقتضي بالضرورة محاولة فهم المحيط الذي يتواجدون فيه. ذلك انطلاقاً من الأسرة ووصولا إلى الدولة التي يعيشون بكنفها ومروراً بمختلف الشبكات الاجتماعية ــ السياسية التي تساهم في تكوينهم وتحديد المجال الذي يتحرّكون في إطاره.

في المحصّلة يتم التأكيد أن التصدّي الحقيقي لظاهرة العنف ضد الأطفال في منطقة جنوب آسيا يتطلّب بالضرورة مواجهة التحديات المطروحة على المستوى الوطني في مختلف البلدان المعنيّة. وفي مقدّمة هذه التحديات المسائل المتعلّقة بالتنمية. ذلك بالتوازي مع العمل على تعزيز التعاون الإقليمي في منظور البحث في إمكانيات» المنع القانوني «لجميع أشكال العنف الموجّه ضد الأطفال.

بل والعمل على خلق آليات المتابعة لتنفيذ ذلك التعاون في الواقع. والأمثلة التي تعتمد عليها مساهمات الكتاب لشرح العنف ضد الأطفال في جنوب آسيا عديدة وتصب بمجملها في التأكيد أن العنف لا يزال يمارس ضد الأطفال على خلفيات اجتماعية طائفية أو إتنية على خلفية رفض مجموعات إتنية أو دينية، أو على نفس القاعدة تبعاً للسياسة الرسمية كما في سيريلانكا حيث غدت البوذية بمثابة»إيديولوجية للدولة«، أو بسبب خلافات على الحدود الجغرافية كما في منطقة كشمير بين الهند وباكستان...الخ.

المشرفة في سطور

بينا دوكوستا، المشرفة على هذا الكتاب الجماعي، هي أخصائية بمسائل النزاعات والحروب وأستاذة العلاقات الدولية في الجامعة الوطنية الاسترالية. أولت اهتماما خاصا لدراسة آثار الحروب والنزاعات على الأطفال. ولها سلسلة من المساهمات في هذا المجال بالعديد من وسائل الإعلام العالمية.

المساهمون الآخرون في هذا الكتاب هم مجموعة كبيرة من الأكاديميين والأساتذة الجامعيين المختصين بالطفولة وبالقانون الدولي وبمنطقة جنوب آسيا.

الكتاب: الأطفال والعنف.. سياسات النزاع في جنوب آسيا

تأليف: بينا دوكوستا وآخرون

الناشر: جامعة كمبردج ــ 2016

الصفحات:

340 صفحة

القطع: المتوسط